يلعب التعليم دوراً مهماً وكبيراً في استقبال أي نظام أو مغادرته، كونه؛ يُفترض أن يعمل على تهيئة البيئة الاجتماعية اللازمة لاستقباله لتتفاعل معه بالشكل المطلوب ابتداء وانتهاء.

حيث يسهم التعليم في تحسين الأداء الاقتصادي على المستوى الجزئي والكلي على حدٍ سواء، فالوحدة الاقتصادية التي يديرها شخص متعلم هي أفضل اداء، بلا أدنى شك، من الوحدة التي يديرها شخص غير متعلم، وهذا ما ينعكس بشكل إيجابي على مستوى دخل الوحدة والأفراد العاملين فيها.

كما يؤدي، التعليم؛ إلى تقليص حجم البطالة، إذ في الغالب، وخصوصاً في الاقتصادات التي تعمل بشكل سليم؛ تجد نسبة الأشخاص الذين يحصلون على عمل سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص، هم الأشخاص المتعلمون وليس غير المتعلمين، وهذا ما يعني تقليص حجم البطالة التي تعد إحدى مؤشرات الاقتصاد الكلي.

ترابط أم تنافر؟

هناك علاقة ترابط قوية بين التعليم واقتصاد السوق ففي الوقت الذي يرفد التعليم اقتصاد السوق بالأيدي العاملة المتعلمة يرفد اقتصاد السوق التعليم بفرص العمل المناسبة لتلك الأيدي العاملة المتعلمة، فكلاهما يغذي الآخر، ومتى ما أخلّ أحدهما بنوعية مخرجاته أخل الطرف الآخر كذلك، وتصبح العلاقة حينئذٍ علاقة تنافر وليس علاقة ترابط وتكون الآثار سيئة للغاية.

ويمكن فحص هذه العلاقة، أي هل هناك ترابط أم تنافر بين التعليم واقتصاد السوق في العراق؟ من خلال الآثار التي حصلت خصوصاً بعد 2003 المتمثلة بمؤشر البطالة.

فالبطالة هي المؤشر الذي نستطيع من خلاله توضيح مدى ترابط أو تنافر التعليم والسوق في العراق، حيث يبدو من خلال البطالة، هناك تنافر بل وتنافر صارخ بين التعليم واقتصاد السوق، إذ تشير الإحصاءات إلى ارتفاع معدل البطالة إلى أكثر من 40% ومن بينهم المتعلمين، وما استمرار تظاهرات الخريجين وحملة الشهادات العليا في العاصمة بغداد والمحافظات للمطالبة بفرص العمل إلا دليل على ارتفاع معدل البطالة حتى بين صفوف المتعلمين!

إن ارتفاع البطالة بشكل عام وبين صفوف المتعلمين لا يعني إن القصور من طرف اقتصاد السوق لأنه لا يستطيع توفير فرص عمل حتى للمتعلمين فحسب، لا بل التعليم شريك في القصور أيضاً، وكما ذكرنا آنفاً، " ومتى ما أخلّ أحدهما بنوعية مخرجاته أخل الطرف الآخر كذلك، وتصبح العلاقة حينئذٍ علاقة تنافر وليس علاقة ترابط وتكون الآثار سيئة للغاية"

قصور الطرفين، التعليم والسوق

بمعنى، إن التعليم ركز على الكم دون الكيف، وهذا ما يعني زيادة أعداد الخريجين وحملة الشهادات العليا دون الاهتمام بنوعية المخرجات التي يتطلبها اقتصاد السوق، مما جعل هذا الأخير الذي يعاني بالأساس من الضعف بحكم تدخل الدولة وعدم فسح المجال أمامه، هو الآخر، يخلُّ بالتزاماته تجاه التعليم فلم يعد قادراً على توفير فرص العمل لتشغيل تلك الجيوش من الخريجين فكانت النتيجة ارتفاع معدل البطالة واستمرار التظاهرات للمطالبة بفرص العمل.

ويمكن القول، إن ارتفاع معدلات البطالة بشكل عام يدلل على قصور الاقتصاد أكثر من التعليم في توفير فرص العمل، وإن ارتفاع معدلات البطالة بين صفوف المتعلمين لهي دليل على قصور التعليم أكثر من الاقتصاد في توفير المخرجات الجيدة، كونه يركز على الكم لا الكيف، وبما إن التعليم كان عاجزاً من التركيز على الكيف واقتصاد السوق عاجزاً عن توفير فرص العمل، أصبحا في تنافر صارخ، فكان القصور لدى الطرفين لا طرفاً واحداً.

القصور نتيجة لمسيرة طويلة

إن قصور التعليم واقتصاد السوق، لم يأتي خلال ليلة وضحاها، بل كان نتيجة لمسيرة تاريخية طويلة، ابتدأت من الاحتلال الخارجي العثماني وانتهت بالاستبداد الداخلي الصدامي، أسهمت في ترسيخ هذا القصور في أعماق التعليم واقتصاد السوق.

ونظراً للترابط الوثيق بين النظام السياسي والنظام الاقتصادي من جانب، والنظام السياسي والنظام التعليمي من جانب ثانٍ، كانت النتيجة في العراق الذي تبنى نظام الحزب الواحد سياسياً أخيراً، لمدة زمنية ليست بالقصيرة، إن يكون النظام الاقتصادي والنظام التعليمي ذو صبغة شمولية ولا يمكن إدارتهما إلا وفق التخطيط المركزي وبما يراه الحزب الأوحد وزعيمه، مما تسبب في ترسيخ قصور كلا الطرفين.

تدخل الدولة وتعثر الانسحاب

إن إدارة الاقتصاد العراقي بشكل مركزي ووفق ما يراه الحزب الأوحد ولمدة زمنية طويلة، يعني تدخل الدولة في الاقتصاد بشكل مباشر وهذا ما قلل من أهمية القطاع الخاص الذي يمثل المحرك الرئيس اقتصاد السوق فكان هذا الأخير ضعيف وغير قادر على توفير فرص العمل بشكل سريع ينسجم مع سرعة التحول.

وما زاد من ضعف القطاع الخاص حتى بعد عام 2003 هو تعثر الدولة في الانسحاب من الاقتصاد كونها لا تزال تملك الكثير من عناصر الإنتاج وتهيمن على الثروة النفطية والجهاز المصرفي بشكل كبير، ولا تزال تضع العراقيل أمام القطاع الخاص وما تعقد بيئة الأعمال وارتفاع حجم الفساد إلا دليل على تلك العراقيل، فأصبح القطاع الخاص ومن ثم اقتصاد السوق عاجزاً عن توفير فرص العمل.

توظيف التعليم وغياب تحديثه

التعليم سابقاً كان يخضع للتخطيط المركزي وتم توظيفه وفق ما يراه الحزب وزعيمه، وهذا ما جعل التعليم مؤدلجاً بآراء الزعيم وأفكاره، وتركيزه على الكم لا الكيف، لان الحزب لا يهمه نوعيه مخرجات التعليم ما دام الاقتصاد المسؤول عن توفير فرص العمل، بقبضته فيستطيع أن يوجه تلك المخرجات حيثما تتطلب أولوياته هو وزعيمه لا حيثما يتطلب المجتمع واقتصاده.

ومع انتهاء نظام الحزب الواحد سياسياً عام 2003 إلا إنه لم يتم تحديث مناهج التعليم وإدارته بل ظل على ما كان عليه، وهذا ما يعني استمرار تخلف التعليم من سيء إلى أسوء، وهذا ما انعكس على مخرجات التعليم فكانت مخرجاته ضعيفة ليس لديها مهارات عالية تستطيع من خلالها أن تفرض نفسها في سوق العمل، ولذا أصبح جزء كبير من البطالة في العراق هي بطالة المتعلمين.

خلاصة القول

في الوقت الذي ينبغي أن تكون العلاقة بين التعليم واقتصاد السوق علاقة ترابط طردية، اتضح من خلال مؤشر البطالة، إن هناك علاقة تنافر صارخة بينهما، واتضح أيضاً اسباب تنافرها، التي تمثلت بتدخل الدولة وتعثر انسحابها من جانب اقتصاد السوق، وتوظيف التعليم وغياب تحديثه من جانب التعليم.

وبعد إن اتضح التنافر بين التعليم واقتصاد السوق في العراق، أصبح لزاماً على من يريد إعادة العلاقة بينهما إلى حيث يجب أن تكون، العمل على نقطتين:

أولاً: معالجة تدخل الدولة في الاقتصاد وعدم وضع العراقيل بل وتذليلها ومحاربة الفساد ليأخذ القطاع الخاص دوره الحقيقي في الاقتصاد وفق مبادئ اقتصاد السوق كالملكية الخاصة والحرية الاقتصادية والمنافسة ومنع الاحتكار.

ثانياً: إبعاد التعليم عن السياسة وتطوير ادارته وتحديث مناهجه بالشكل الذي يؤدي لتحسين نوعية مخرجاته، سواء الموارد البشرية او البحوث العلمية، وبما ينسجم مع متطلبات اقتصاد السوق وبهذا تنخفض البطالة شيئاً فشيئاً.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

9