بقلم: توبياس أدريان، وفابيو ناتالوتشي

وسط المأساة الإنسانية والركود الاقتصادي الناجمين عن جائحة كوفيد-19، كانت طفرة الإقبال على المخاطرة في الأسواق المالية مؤخرا تطورا لافتا لانتباه المحللين. فبعد الهبوط الحاد في فبراير ومارس، شهدت أسواق الأسهم موجة من الصعود اقتربت بها في بعض الحالات إلى مستويات شهر يناير، بينما ضاقت فروق العائد إلى حد كبير، حتى بالنسبة للاستثمارات الأكثر خطرا. وأحدث هذا انفصالا واضحا بين الأسواق المالية وآفاق الاقتصاد. ويبدو أن المستثمرين يراهنون على أن الدعم القوي والدائم من البنوك المركزية سيساند تحقيق التعافي السريع بالرغم من إشارة البيانات الاقتصادية إلى هبوط أعمق من المتوقع، كما يوضح عدد يونيو 2020 من تقرير "مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي".

مفارقة

في آخر تقرير عن مستجدات "الاستقرار المالي العالمي"، نحلل المفارقة بين الاقتصاد العيني والأسواق المالية والمخاطر التي ينطوي عليها. ومع الضبابية الشديدة بشأن آفاق الاقتصاد وحساسية المستثمرين البالغة إزاء تطورات جائحة كوفيد-19، تواصل الجائحة كشف مواطن الضعف المالي السابقة عليها. وتشهد مستويات الدين زيادة مطردة، وقد تكون خسائر القروض المحتملة الناجمة عن حالات الإعسار بمثابة اختبار لصلابة البنوك في بعض البلدان. وتواجه بعض اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات الواعدة مخاطر إعادة التمويل، كما بدأت البلدان ذات التصنيفات الائتمانية الأقل تستعيد قدرتها على النفاذ إلى الأسواق وإن كان ببطء.

إجراءات البنوك المركزية حسنت الأوضاع المالية

وقد ساهمت البنوك المركزية الكبرى على مستوى العالم في التيسير الكبير للأوضاع المالية من خلال تخفيضات أسعار الفائدة والتوسع في الميزانية العمومية بأكثر من 6 تريليونات دولار أمريكي، بما في ذلك مشتريات الأصول، وخطوط تبادل العملات، وتسهيلات الائتمان والسيولة. وأدت هذه الإجراءات السريعة وغير المسبوقة من جانب البنوك المركزية إلى استعادة الثقة وتشجيع المستثمرين على المخاطرة، بما في ذلك في الأسواق الصاعدة، حيث أجريت عمليات شراء الأصول لأول مرة. وتعافت أسعار الأصول الخطرة بعد هبوطها الحاد في مطلع هذا العام، بينما تراجعت أسعار الفائدة المرجعية. ومع تيسير الأوضاع المالية العالمية، عاد الإقبال على المخاطرة إلى الأسواق الصاعدة أيضا. فاستقرت تدفقات الحافظة الخارجة الكلية، وشهد بعض البلدان عودة قدر محدود من التدفقات الداخلة. وفي أسواق الائتمان، تم إلى حد كبير احتواء فروق العائد على السندات المصنفة في المرتبة الاستثمارية التي تصدرها الشركات في الاقتصادات المتقدمة، على عكس الزيادة الحادة التي سجلتها أثناء الصدمات الاقتصادية الكبيرة السابقة. كذلك ضاقت فروق العائد إلى حد كبير في البلدان الصاعدة، وحدث ذلك بدرجة أقل في الأسواق الواعدة أيضا. وفي المجمل، حدث تغير طفيف في المخاطر التي يتعرض لها الاستقرار المالي على المدى القصير مقارنة بما أشار إليه العدد السابق من تقرير الاستقرار المالي العالمي، نظرا للإجراءات العاجلة والجريئة التي اتخذها صناع السياسات للعمل على تخفيف أثر الجائحة على آفاق الاقتصاد العالمي.

ظهور حالة من الانفصال

ويمكن توضيح الانفصال بين الأسواق المالية والاقتصاد العيني من خلال التباعد الذي حدث مؤخرا بين الصعود الكبير لأسواق الأسهم الأمريكية والهبوط الملحوظ لثقة المستهلكين (وهما مؤشران كانا يسيران تاريخيا في اتجاه موحد)، مما أثار التساؤلات حول مدى إمكانية استدامة موجة الصعود الحالية في غياب الدفعة المقدمة من البنوك المركزية.

ويثير هذا التباعد شبح تصحيح آخر في أسعار الأصول الخطرة إذا ما تغير موقف المستثمرين، مما يشكل تهديدا للتعافي. فقد حدثت موجات صعود سابقة في أسواق الأسهم الهبوطية أثناء فترات الضغط الاقتصادي الكبير، ولكنها سرعان ما انحسرت فيما بعد.

ما العوامل المسببة؟

هناك عدد من التطورات يمكن أن يسبب هبوطا في أسعار الأصول الخطرة. فالركود يمكن أن يكون أعمق وأطول مما يتوقع المستثمرون حاليا. ويمكن أن تظهر موجة ثانية من الإصابات بفيروس كورونا، فتُفرض إجراءات الاحتواء من جديد. ويمكن أن تؤدي التوترات الجغرافية-السياسية أو اتساع نطاق القلاقل الاجتماعية كرد فعل لتصاعد عدم المساواة على مستوى العالم إلى إحداث تحول في المزاج السائد بين المستثمرين. وأخيرا، قد يتضح أن توقعات السوق مفرطة في التفاؤل بشأن مدى الدعم الذي تقدمه البنوك المركزية، مما يقود المستثمرين إلى إعادة تقييم إقبالهم على المخاطرة وتسعيرهم للمخاطر.

ومن الممكن أن تؤدي إعادة التسعير تلك، وخاصة إذا ضخمتها مواطن الضعف المالية، إلى تشديد حاد للأوضاع المالية، ومن ثم تقييد تدفق الائتمان إلى الاقتصاد. وقد يتسبب الضغط المالي في تفاقم الركود الاقتصادي الذي وصل إلى مستوى غير مسبوق بالفعل، مما يزيد من صعوبة التعافي.

مواطن الضعف السابقة على الجائحة

لا تزال الجائحة تكشف مواطن الضعف المالية السابقة عليها.

أولا، في الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة على السواء، من الممكن أن تخرج أعباء ديون قطاعي الشركات والأسر عن نطاق السيطرة في حالة الانكماش الاقتصادي الحاد. فقد تصاعد دين الشركات الكلي على مدار عدة سنوات حتى بلغ مستويات مرتفعة تاريخية كنسبة من إجمالي الناتج المحلي. كذلك ارتفع دين الأسر في كثير من الاقتصادات، وبعضها يواجه الآن تباطؤا اقتصاديا بالغ الحدة. وقد أدى تدهور أساسيات الاقتصاد بالفعل إلى تخفيض المراتب الائتمانية للشركات، وهناك مخاطر تهدد باتساع نطاق التأثير على ملاءة قطاعَي الشركات والأسر.

ثانيا، سيكون تحقق الأحداث الائتمانية بمثابة اختبار لمدى صلابة القطاع المصرفي، لأنها تقيِّم كيف يؤدي دعم الحكومات لقطاعي الأسر والشركات إلى سداد المقترضين لقروضهم. وقد بدأت بعض البنوك الاستعداد لهذه العملية بالفعل، ويمثل تراجع أسعار أسهمها انعكاسا للزيادة المتوقعة في الضغوط على ربحيتها.

ثالثا، من الممكن أيضا أن تتأثر الشركات المالية غير المصرفية. وقد أصبحت هذه الكيانات تساهم بدور أكبر من ذي قبل في النظام المالي. ولكن نظرا لأن إقبالها على مواصلة تقديم الائتمان أثناء الهبوط الاقتصادي العميق لم تتعرض للاختبار بعد، فمن الممكن أن ينتهي بها الحال إلى تضخيم الضغوط القائمة. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي حدوث تصحيح حاد في أسعار الأصول إلى خروج تدفقات كبيرة من صناديق الاستثمار (كما رأينا في مطلع العام)، مما قد يتسبب في موجة من مبيعات الأصول بأسعار بخسة.

رابعا، بينما تيسرت الأوضاع بوجه عام، فلا تزال المخاطر قائمة بالنسبة لبعض الأسواق الصاعدة والواعدة التي تواجه احتياجات أكثر إلحاحا لإعادة تمويل الديون. فسوف يكون تجديد ديونها أكثر تكلفة إذا ما حدث تشديد مفاجئ للأوضاع المالية. كذلك يتسم بعض هذه البلدان بمستويات منخفضة من الاحتياطيات، مما يزيد من صعوبة التعامل مع خروج تدفقات الحافظة. وقد تتفاقم هذه الديناميكية من جراء تخفيض المراتب الائتمانية.

الانتباه للمفاضلات

ينبغي أن تحقق البلدان التوازن الصحيح بين الأولويات المتنافسة في إجراءاتها لمواجهة الجائحة، على أن تنتبه للاختيارات الممكنة وانعكاسات استمرار دعم الاقتصاد مع الحفاظ على الاستقرار المالي.

ولا شك أن الاستخدام غير المسبوق للأدوات غير التقليدية قد خفف الضربة التي وجهتها الجائحة للاقتصاد العالمي وقلل من الخطر الفوري على النظام المالي العالمي – وهو الهدف المقصود من إجراءات السياسة. غير أن صناع السياسات ينبغي لهم الانتباه لما يمكن أن يحدث من عواقب غير مقصودة، مثل استمرار تراكم مواطن الضعف المالي في ظل تيسير الأوضاع المالية. فمن الممكن أن يؤدي توقع استمرار الدعم من البنوك المركزية إلى تحويل تقييمات الأصول المفرطة أصلاً إلى مواطن ضعف – ولا سيما في سياق استنفاد النظم المالية وقطاعات الشركات لما لديها من هوامش أمان أثناء الجائحة. وبمجرد أن يصبح التعافي جاريا، ينبغي أن يعجل صناع السياسات بمعالجة مواطن الهشاشة التي من شأنها غرس بذور المشكلات المستقبلية وتعريض النمو للخطر فيما بعد.

* توبياس أدريان، المستشار المالي ومدير إدارة الأسواق النقدية والرأسمالية في صندوق النقد الدولي/فابيو ناتالوتشي، نائب مدير إدارة الأسواق النقدية والرأسمالية، وهو مسؤول عن "تقرير الاستقرار المالي العالمي" الذي يتضمن تقييم الصندوق للمخاطر التي يتعرض لها الاستقرار المالي العالمي.
https://www.imf.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4