نتج عن تفشي فيروس كوفيد- 19 في معظم دول العالم انعكاسات كبيرة على كل المستويات. فقد أدى انتشار الوباء الى اغلاق الحدود في بلدان كثيرة والى فرض الحجر الصحي ومنع الجولان. وكان من الطبيعي أن تؤدي هذه الإجراءات الى تداعيات اقتصادية على كل الدول.

ومن أهم هذه التداعيات الواضحة حتمية حدوث انكماش اقتصادي وصعوبات مالية، مما من شأنه أن ينعكس على المؤشرات الاقتصادية الرئيسية كمعدل النمو الاقتصادي والموازنة العامة، وقد يمتد ذلك في حال وجود اختلالات للتأثير على معدلات التضخم وأسعار الصرف. ان تخطي هذه المرحلة يعتمد على قوة الاقتصاد من الداخل، لذلك من المتوقع أن تتعافى الدول المتقدمة بسرعة أكبر نتيجة للقوة المالية الناجمة عن تنافسية الاقتصاد ومرونة الاقتصاد الخاص في التحول بين القطاعات وانشار التكنولوجيا والاقتصاديات الرقمية.

وفي المقابل، تبقى الدول النامية أكثر عرضة للصعوبات والهزات الاقتصادية الناجمة عن مخلفات الوباء. وفي البحرين، كغيرها من دول مجلس التعاون الخليجي، والدول المصدرة للنفط عموما، أدى انتشار الفيروس الى انخفاض شديد للطلب على النفط وانهيار مدوي للأسعار.

لذلك، برز مجددا، وبقوة هذه المرة، الدور الحيوي لنهج إدارة المخاطر في التنمية الاقتصادية. ان أحد العناصر الأساسية لفلسفة إدارة المخاطر هذه يتمثل في تنويع القاعدة الاقتصادية للبلاد. وفي الحقيقة، فان البحرين، نتيجة لأزمات سابقة، كانت واعية بأهمية تنوع الاقتصاد الوطني. فقد شهدت العديد من القطاعات نموًا كبيرًا منذ السبعينيات كقطاعات الصناعة التحويلية والقطاع المالي والخدمات التي كانت القوة الدافعة لهذا النمو. فارتفعت مساهمة الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي من 68٪ في عام 1990 إلى حوالي 80٪ في 2018. وزاد الإنتاج غير النفطي بشكل ملحوظ بعد إنشاء مجلس البحرين للتنمية الاقتصادية في عام 2000، وإطلاق الرؤية الاقتصادية لعام 2030.

ومع ذلك، فقد صاحب هذا النجاح في التنويع زيادة في حصة قطاع النفط في الإيرادات الحكومية. استقرت هذه الحصة عند حوالي 85٪ خلال السنوات القليلة الماضية. في الواقع، فإن السوق المحلية الصغيرة، ونقص العمالة الماهرة، والافتقار إلى نظام تسويق فعال هي من بين المشاكل الرئيسية التي تعوق التنوع الاقتصادي في البلاد. كما أظهرت دراسة سياسات التنويع أن الحوافز الحكومية بشكل عام كانت منحازة لصالح الصناعات الكبرى والشركات العامة. بالإضافة إلى ذلك، لم يتم استخدام الحماية التجارية بشكل فعال بما يكفي لحماية الصناعات المحلية من المنتجات الأجنبية عالية التنافسية. ولم يتم استخدام سعر الصرف بشكل يؤدي لتشجيع الصادرات الصناعية وحل مشكلات ميزان المدفوعات.

ومن أجل الوصول إلى مستوى التنويع المطلوب، يجب أن تكون البلاد تنافسية للغاية ومبتكرة. على وجه التحديد، ينبغي بذل المزيد من الجهود في الجوانب التالية:

• زيادة عدد العمال المهرة، وخاصة في تخصصات الهندسة والإدارة. وهذا من شأنه أن يساعد في تطوير القطاعات الواعدة مثل الذكاء الاصطناعي. وقد أظهرت أزمة الوباء كيف أن الابتكار والتكنولوجيا هما مصدر حلول للمشاكل الاقتصادية. ان الاستثمار في العلم والإبداع والاختراعات التكنولوجية لتلبية احتياجات المجتمع والاقتصاد لم يعد ترفا، بل ضرورة ملحة لتحقيق النمو الاقتصادي.

• تعزيز نظام الحوافز لتحسين ديناميكية القطاع الخاص. على وجه الخصوص، ينبغي إعطاء الأولوية للتدابير التالية: (1) زيادة عدد البنوك الصناعية من أجل تسهيل الائتمان طويل الأجل للصناعات الإنتاجية (2) خفض الإيجارات والضرائب في المدن الصناعية (3) خفض أسعار الطاقة والمياه والخدمات الحكومية لمختلف القطاعات الإنتاجية (4) تحسين مرافق التسويق للمنتجات المحلية (5) توفير حوافز أفضل قبل الاستثمار ودراسات تفصيلية للأسواق، و(6) تنفيذ العديد من الاستبيانات ودراسات الجدوى على القطاعات الصناعية.

• تشجيع القطاعين العام والخاص على الاستثمار في إنتاج السلع الرأسمالية. في الواقع، فإن التكلفة العالية للمعدات الوسيطة المستوردة ترفع متوسط تكلفة الإنتاج وتجعل المنتجات المحلية أقل تنافسية. يمكن أن يخدم إنتاج هذه السلع محليًا الصناعات المختلفة ويعزز نمو الصادرات الصناعية.

• تحقيق درجة أكبر من التكامل الرأسي للشركات. حيث يتطلب تطوير بعض المشاريع رأس مال وطاقة أقل وينقص من تكاليف الإنتاج ويضمن استمرارية طويلة الأجل لا سيما في قطاعات التصنيع.

• تعزيز التعاون الإقليمي. هذه النقطة مهمة بشكل خاص. بما أن الصناعات التحويلية موجهة نحو التصدير، فإن جهود التسويق المشتركة بين دول مجلس التعاون الخليجي يمكن أن تتغلب على بعض الصعوبات المتوقعة لدخول السوق العالمية. تتشابه دول مجلس التعاون الخليجي في الخصائص الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وهذا يشجع دول الخليج على تبني استراتيجية شاملة للتنمية الاقتصادية من أجل تنسيق سياساتها وتوجيه الموارد الطبيعية النادرة، وبالتالي تحسين آفاق التنمية.

الطلب على منتجات البتروكيماويات والألمنيوم، على سبيل المثال، سيتم توسيعه فقط من خلال هذا التعاون. وسيتوسع الطلب أكثر إذا شمل هذا التعاون دولا عربية وإسلامية أخرى. ستزيد الشركات المحلية من قدرتها على البقاء إذا كانت قادرة على اختراق أسوق الدول المأهولة بالسكان والقريبة مثل مصر وإيران وباكستان.

إن تنفيذ هذه التدابير سيسمح للبحرين بتحسين مستوى التنويع الاقتصادي ودفع النمو المستدام في البلاد. فاقتصاد البحرين مفتوح وديناميكي، وهذه الخصائص مثالية لجعل البلاد قادرة على تحقيق أهدافها. لذلك، يجب أن يعمل صانعو السياسات لتحقيق تنوع اقتصادي أكبر، وتعزيز نمو أكثر قوة ومرونة على المدى الطويل. واجراءات التنويع لا تقتصر على القطاعات الاقتصادية، بل تشمل أبعادا أخرى مثل أسواق العمل ونشاط التصدير وقاعدة المشاريع وتركز رأس المال الاستثماري. هذا النوع من التنويع الشامل ليس من السهل تنفيذه، ولكن من شأنه أن يحقق أرباحًا كبيرة في شكل اقتصاد متنوع ومستقر وأقل عرضة لتأثير الأزمات الخارجية.

* قسم الاقتصاد والتمويل بجامعة البحرين

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

20