بقلم: داني رودريك

كمبريدج ــ في السنوات المقبلة، سوف يتشكل الاقتصاد العالمي تبعا لثلاثة اتجاهات. فسوف يُـعـاد التوازن إلى العلاقة بين الأسواق والدولة لصالح الأخيرة. وسوف يكون هذا مصحوبا بإعادة التوازن بين العولمة المفرطة والاستقلال الوطني، وأيضا لصالح الأخير. وسوف يكون لزاما علينا أن نعدل طموحاتنا في ما يتصل بالنمو الاقتصادي نزولا.

لن نجد شيئا أفضل من جائحة لتسليط الضوء على عدم كفاءة الأسواق في مواجهة مشاكل العمل الجماعي وأهمية قدرة الدولة على الاستجابة للأزمات وحماية الناس. أدت أزمة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19 COVID-19) إلى ارتفاع الأصوات المنادية بالتأمين الصحي الشامل، وتوفير حماية أقوى لسوق العمل (بما في ذلك المشتغلين بالأعمال المؤقتة)، وحماية سلاسل الإمداد المحلية للمعدات الطبية الحرجة. كما دفعت الأزمة البلدان إلى إعطاء الأولوية للمرونة والقدرة على الصمود والموثوقية في الإنتاج على التوفير في التكاليف والكفاءة من خلال الاستعانة بمصادر خارجية عالمية. سوف تتنامى التكاليف الاقتصادية المترتبة على عمليات الإغلاق بمرور الوقت، مع تسبب صدمة العرض الضخمة الناجمة عن تعطل الإنتاج المحلي وسلاسل القيمة العالمية في إنتاج تحول نزولي في الطلب الكلي أيضا.

ولكن برغم أن جائحة كوفيد-19 تعمل على تعزيز وترسيخ هذه الاتجاهات، فإنها ليست القوة الأساسية التي تدفعها. ذلك أن الاتجاهات الثلاثة ــ العمل الحكومي الأكبر، والتراجع عن العولمة المفرطة، ومعدلات النمو الأقل ــ كانت سابقة للجائحة. وبينما يمكن النظر إليها على أنها تفرض مخاطر كبرى على الرخاء البشري، فمن الممكن أيضا أن تكون بشيرا باقتصاد عالمي أكثر استدامة وشمولا.

لنتأمل هنا دور الدولة. كان الإجماع النيوليبرالي على أصولية السوق في تراجع لبعض الوقت الآن. وأصبح الآن تصميم دور أكبر للحكومة في الاستجابة لأشكال التفاوت وانعدام الأمان الاقتصادي بين الناس أولوية أساسية بين أهل الاقتصاد وصناع السياسيات على حد سواء. وعلى الرغم من فشل الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة في تثبيت عملية تسمية مرشح الحزب لمنصب الرئاسة، فقد أملى إلى حد كبير شروط المناقشة.

ربما يكون جو بايدن وسطيا، ولكن على كل جبهات السياسات ــ الصحة، والتعليم، والطاقة، والبيئة، والتجارة، والجريمة ــ نجد أن أفكاره تقع على اليسار من فِكر مرشحة الحزب السابقة لمنصب الرئاسة، هيلاري كلينتون. على حد تعبير أحد الصحافيين فإن "مجموعة بايدن الحالية من وصفات السياسة كانت لتعتبر راديكالية لو اقـتُـرِحَـت في أي انتخابات أولية رئاسية ديمقراطية سابقة". قد لا يفوز بايدن في نوفمبر/تشرين الثاني. وحتى لو فاز، فقد لا يتمكن من ــ أو قد لا يكون راغبا في ــ تنفيذ أجندة سياسية أكثر تقدمية. ومع ذلك، من الواضح أن الاتجاه في كل من الولايات المتحدة وأوروبا يشير نحو قدر أكبر من تدخل الدولة.

يدور السؤال الوحيد هنا حول الهيئة التي قد تتخذها هذه الدولة الأكثر نشاطا. لا يمكننا أن نستبعد العودة إلى نموذج سيطرة الدولة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية على الطراز القديم والذي لم يحقق سوى قِلة من النتائج المرجوة منه. من ناحية أخرى، قد يتخذ التحول بعيدا عن أصولية السوق هيئة شاملة بحق تركز على الاقتصاد الأخضر، والوظائف الجيدة، وإعادة بناء الطبقة المتوسطة. ومن الواضح أن إعادة التوجيه على هذا النحو يجب أن يجري تكييفها مع الظروف الاقتصادية والتكنولوجية في اللحظة الحاضرة، لا أن تحاكي ببساطة الغرائز السياسية التي سادت طوال العقود الذهبية الثلاثة التي تلت الحرب العالمية الثانية.

تسير عودة الدولة جنبا إلى جنب مع الأسبقية المتجددة للدولة القومية. فالحديث في كل مكان يدور حول تفكيك العولمة، وفك الارتباط، وإعادة سلاسل الإمداد إلى الوطن، وتقليص الاعتماد على الإمدادات الأجنبية، وتفضيل الإنتاج والتمويل المحليين.

الولايات المتحدة والصين هما الدولتان اللتان حددتا اللهجة هنا. لكن أوروبا، التي ظلت دوما على حافة اتحاد مالي أكبر، لا توفر الثِـقَـل الموازن الكافي. فخلال هذه الأزمة، تراجع الاتحاد الأوروبي مرة أخرى عن التضامن العابر للحدود الوطنية وأَكَّـد بدلا من ذلك على السيادة الوطنية.

قد يقود التراجع عن العولمة المفرطة العالَم إلى مسار يتسم بتصاعد الحروب التجارية وصعود القومية العِرقية، وهو ما من شأنه أن يلحق الضرر بالآفاق الاقتصادية للجميع. لكن هذه ليست النتيجة الوحيدة المتصورة.

فمن الممكن أن نتصور نموذج للعولمة الاقتصادية أكثر عقلانية وأقل تدخلا ويركز على المناطق والمجالات حيث يؤتي التعاون الدولي ثماره حقا، بما في ذلك الصحة العامة العالمية، والاتفاقيات البيئية الدولية، والملاذات الضريبية العالمية، وغير ذلك من المجالات المعرضة لسياسات إفقار الجار. خلافا لذلك، ستكون الدول القومية غير مُـثـقَـلَة بكيفية تحديد أولويات مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية.

مثل هذا النظام العالمي لن يكون معاديا لتوسع التجارة والاستثمار العالميين. بل وربما يعمل على تسهيل كل منهما ما دام يفتح المجال لاستعادة المساومات الاجتماعية المحلية في الاقتصادات المتقدمة وصياغة استراتيجيات النمو المناسبة في العالم النامي.

لعل الاحتمال الأكثر ضررا الذي يواجه العالم في الأمد المتوسط يتمثل في انخفاض كبير في النمو الاقتصادي، وخاصة في العالم النامي. لقد شهدت هذه البلدان ربع قرن طيب، مع انخفاض ملحوظ في معدلات الفقر، وتحسن التعليم والصحة وغير ذلك من مؤشرات التنمية. وبالإضافة إلى العبء الهائل الذي تفرضه الجائحة على الصحة العامة، تواجه هذه البلدان الآن صدمات خارجية كبيرة: التوقف المفاجئ في تدفقات رأس المال والانخفاضات الحادة في التحويلات وإيرادات السياحة والتصدير.

ولكن مرة أخرى، تُـبـرِز جائحة كوفيد-19 مشكلة النمو القائمة مسبقا. كان جزء كبير من النمو في العالَم النامي خارج شرق آسيا مبنيا على عوامل جانب الطلب ــ وبخاصة طفرات الاستثمارات العامة والموارد الطبيعية ــ التي كانت غير مستدامة. ويبدو أن التصنيع الموجه للتصدير، وهو الأداة الأكثر جدارة بالثقة للتنمية في الأمد الطويل، استنفدت أجلها.

الآن، سيكون لزاما على البلدان النامية أن تعتمد على نماذج نمو جديدة. وربما تكون الجائحة بمثابة ناقوس الخطر المطلوب لإعادة معايرة آفاق النمو وتحفيز إعادة النظر المطلوبة على نطاق أوسع.

بقدر ما كان الاقتصاد العالمي يسلك بالفعل مسارا هشا وغير مستدام، توضح أزمة كوفيد-19 التحديات التي نواجهها والقرارات التي يتعين علينا اتخاذها. وفي كل من هذه المجالات، لا يخلو الأمر من اختيارات أمام صناع السياسات. ومن الوارد الانتهاء إلى نتائج أفضل أو أسوأ. لكن الحقيقة هي أن مصير الاقتصاد العالمي ليس معلقا على ما يفعله بنا الفيروس، بل على كيفية اختيارنا للاستجابة له.

* داني رودريك، أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في كلية جون ف. كينيدي للعلوم الحكومية بجامعة هارفارد. ومؤلف كتاب "العولمة التناقض: الديمقراطية ومستقبل الاقتصاد العالمي، وقواعد الاقتصاد: حقوق وأخطاء علوم الكومبيوتر، وآخرها حديث مستقيم عن التجارة: أفكار لإقتصاد عالمي
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8