بقلم: نورييل روبيني

نيويورك ــ كانت الصدمة التي لحقت بالاقتصاد العالمي من جَـراء مرض فيروس كورونا 2019 (COVID-19) أسرع وأكثر حِدَّة من الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في عام 2008 بل وحتى أزمة الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن العشرين. في هاتين الواقعتين السابقتين، انهارت أسواق البورصة بنحو 50% أو أكثر، وتجمدت أسواق الائتمان، وأعقب ذلك حالات إفلاس هائلة، وارتفعت معدلات البطالة فوق 10%، وانكمش الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي قدره 10% أو أكثر. لكن كل هذا استغرق حوالي ثلاث سنوات لكي تكتمل فصوله. وفي الأزمة الحالية، تجسدت تداعيات وخيمة على مستوى الاقتصاد الكلي وعلى الصعيد المالي في غضون ثلاثة أسابيع.

في وقت سابق من هذا الشهر، استغرق الأمر 15 يوما فقط لكي تهبط سوق الأسهم في الولايات المتحدة إلى منطقة الانخفاض المطول (انخفاض بنسبة 20% عن ذروتها) ــ وهو أسرع انخفاض من هذا القبيل على الإطلاق. الآن، انخفضت الأسواق بنسبة 35%، وتوقفت أسواق الائتمان عن العمل، وارتفعت فوارق الائتمان (كتلك على السندات غير المرغوب فيها) إلى مستويات 2008. وحتى الشركات المالية السائدة مثل جولدمان ساكس وجيه بي مورجان ومورجان ستانلي تتوقع انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الأميركي بمعدل سنوي يبلغ 6% في الربع الأول، ونحو 24% إلى 30% في الربع الثاني. كما حَـذَّر وزير الخزانة الأميركي ستيف منوشين من أن معدل البطالة ربما يسجل ارتفاعا شديدا فوق 20% (ضعف مستوى الذروة خلال الأزمة المالية العالمية).

بعبارة أخرى، أصبحت كل عناصر الطلب الكلي ــ الاستهلاك، والإنفاق الرأسمالي، والصادرات ــ في حالة سقوط حر غير مسبوقة. في حين أن أغلب المعلقين من ذوي المصالح الذاتية كانوا يتوقعون هبوطا على هيئة حرف Vــ مع انخفاض الناتج بشكل حاد لمدة ربع سنة ثم الارتداد السريع إلى التعافي في الربع التالي ــ والآن يجب أن يكون من الواضح أن أزمة مرض فيروس كورونا 2019 شيء مختلف تماما. الواقع أن الانكماش الجاري الآن ليس على هيئة حرف Vــ ولا حرف Uــ ولا حرف L (هبوط حاد يليه ركود). الأرجح أنها تبدو على هيئة حرف I: خط رأسي يمثل انهيار الأسواق المالية والاقتصاد الحقيقي.

لم يحدث حتى خلال فترة الكساد العظيم والحرب العالمية الثانية أن أُغـلِـق النشاط الاقتصادي حرفيا، كما حدث في الصين، والولايات المتحدة، وأوروبا اليوم. ربما يكون السيناريو الأفضل متمثلا في انكماش أكثر حِدَّة من الأزمة المالية العالمية (من حيث تقلص الناتج العالمي التراكمي) لكنه أقصر أجلا، مما يسمح بالعودة إلى النمو الإيجابي بحلول الربع الرابع من هذا العام. في هذه الحالة، يبدأ تعافي الأسواق عندما يظهر الضوء في نهاية النفق.

لكن أفضل سيناريو يفترض شروطا عديدة. فأولا، ستحتاج الولايات المتحدة، وأوروبا، والاقتصادات الأخر المتضررة بشدة إلى تنفيذ تدابير اختبار وتتبع وعلاج مرض فيروس كورونا 2019 على نطاق واسع، فضلا عن الحجر الصحي القسري، والإغلاق الكامل من ذلك النوع الذي نفذته الصين. ولأن تطوير اللقاح وإنتاجه على نطاق واسع قد يستغرق 18 شهرا، فلابد من نشر الأدوية المضادة للفيروسات وغير ذلك من العلاجات على نطاق هائل.

ثانيا، يتعين على صناع السياسات النقدية ــ الذين أنجزوا بالفعل في أقل من شهر ما استغرق منهم ثلاث سنوات بعد الأزمة المالية العالمية ــ أن يستمروا في بذل كل جهد ممكن في مكافحة الأزمة بالاستعانة بتدابير غير تقليدية. وهذا يعني أسعار فائدة صِفرية أو سلبية؛ والتوجيهات المسبقة المعززة؛ والتيسير الكمي، والتيسير الائتماني (شراء الأصول الخاصة) لدعم البنوك، والمؤسسات المالية غير المصرفية، وصناديق أسواق المال، بل وحتى الشركات الكبرى (تسهيلات الأوراق التجارية وسندات الشركات). قام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتوسيع خطوط المقايضة عبر الحدود لمعالجة النقص الهائل في السيولة الدولارية في الأسواق العالمية، لكننا الآن نحتاج إلى المزيد من التسهيلات لتشجيع البنوك على إقراض المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم التي تفتقر إلى السيولة لكنها لا تزال قادرة على الوفاء بديونها.

ثالثا، يتعين على الحكومات أن تعمل على نشر حوافز مالية ضخمة، بما في ذلك من خلال "إنزال الهليكوبتر" في هيئة مدفوعات نقدية مباشرة للأسر. نظرا لحجم الصدمة الاقتصادية، فإن العجز المالي في الاقتصادات المتقدمة يجب أن يزداد من 2% أو 3% من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 10% أو أكثر. والحكومات المركزية هو وحدها التي تتمتع بميزانيات ضخمة وقوية بالقدر الكافي لمنع انهيار القطاع الخاص.

لكن هذه التدخلات الممولة بالعجز لابد أن تكون ذات طابع نقدي بالكامل. فإذا جرى تمويلها من خلال الدين الحكومي المعتاد، سترتفع أسعار الفائدة بشكل حاد، ويُـقـتَل التعافي في مهده. نظرا للظروف، تحولت التدخلات التي دأب اليساريون من مدرسة النظرية النقدية الحديثة على اقتراحها، بما في ذلك إنزال الهليكوبتر، إلى التيار السائد.

من المؤسف، عندما نتحدث عن السيناريو الأفضل، أن استجابة الصحة العامة في الاقتصادات المتقدمة كانت قاصرة كثيرا عن المطلوب لاحتواء الجائحة، ومن الواضح أن حزمة السياسة المالية الخاضعة للمناقشة حاليا ليست ضخمة ولا سريعة بالقدر الكافي لخلق الظروف الملائمة للانتعاش في الوقت المناسب. وعلى هذا فإن خطر حدوث كساد عظيم جديد، أسوأ من الأصلي ــ أو كساد أعظم ــ يتفاقم يوما بعد يوم.

ما لم نتمكن من إيقاف الجائحة، فسوف تواصل الاقتصادات والأسواق في مختلف أنحاء العالم سقوطها الحر. ولكن حتى في حال احتواء الجائحة على نحو أو آخر، فقد لا يعود النمو في الإجمال بحلول نهاية 2020. فمن المحتمل للغاية بحلول ذلك الوقت أن يبدأ موسم آخر للفيروس بطفرات جديدة؛ وقد يتبين أن التدخلات العلاجية التي يعول عليها كثيرون أقل فعالية من المأمول. وعلى هذا فسوف تعود الاقتصادات إلى الانكماش وتنهار الأسواق مرة أخرى.

فضلا عن ذلك، ربما تصطدم الاستجابة المالية بجدار صلب إذا بدأ تسييل العجز الهائل في إحداث تضخم مرتفع، وخاصة إذا أدت سلسلة من صدمات العرض السلبية المرتبطة بالفيروس إلى تقليص النمو المحتمل. ومن الواضح أن العديد من الدول لا تستطيع ببساطة التعهد بمثل هذا الاقتراض بعملاتها الخاصة. من إذن قد ينقذ الحكومات، والشركات، والبنوك، والأسر في الأسواق الناشئة؟

في كل الأحوال، حتى في حال السيطرة على الجائحة وتداعياتها الاقتصادية، قد يظل الاقتصاد العالمي عُرضة لعدد من المخاطر النادرة "المعتادة". ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية، سوف تفسح أزمة فيروس كورونا 2019 المجال لتجدد الصراعات بين الغرب وأربع قوى تحريفية على الأقل: الصين، وروسيا، وإيران، وكوريا الشمالية، وجميعها تشن بالفعل حربا سيبرانية غير متناسبة لتقويض الولايات المتحدة من الداخل. وربما تؤدي الهجمات السيبرانية الحتمية على العملية الانتخابية في الولايات المتحدة إلى نتائج نهائية متنازع عليها، مع اتهامات بالتلاعب واحتمالات اندلاع أعمال عنف صريحة واضطرابات مدنية.

على نحو مماثل، كما زعمت سابقا، تقلل الأسواق إلى حد كبير من خطر نشوب حرب بين الولايات المتحدة وإيران هذا العام؛ كما يتسارع تدهور العلاقات الصينية الأميركية مع حرص كل جانب على إلقاء اللوم على الآخر عن حجم جائحة مرض فيروس كورونا 2019. ومن المرجح أن تتسبب الأزمة الحالية في التعجيل بعملية تفكك الاقتصاد العالمي في الأشهر والسنوات المقبلة.

يبدو أن هذه السلسلة من المخاطر ــ الأوبئة التي لا يمكن السيطرة عليها، وترسانات السياسة الاقتصادية غير الكافية، والأزمات الجيوسياسية المعتادة ــ ستكون كافية لدفع الاقتصاد العالمي إلى كساد مستمر وانهيار الأسواق المالية الجامح. بعد انهيار عام 2008، نجحت استجابة قوية (وإن كانت متأخرة) في انتشال الاقتصاد العالمي من الهاوية. ولكن قد لا نكون محظوظين إلى هذا الحد هذه المرة.

* نورييل روبيني، أستاذ في كلية ستيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك والرئيس التنفيذي لشركة روبيني ماكرو أسوشيتس ، وكان كبير خبراء الشؤون الدولية في مجلس المستشارين الاقتصاديين بالبيت الأبيض أثناء إدارة كلينتون. وقد عمل في صندوق النقد الدولي، والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والبنك الدولي.
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2