قاد الاستهلاك غير المنظم وغير الشفاف للموارد المالية المتأتية من القطاع النفطي الى هدر تلك الاموال، من دون ان يستفيد منها الاقتصاد او المواطن على حد سواء. وان انخفاض اسعار النفط عالمياً في الوقت الراهن زاد الامر تعقيداً في ظل احراج الدولة بتوفير التمويل اللازم لتيسير نشاط القطاع العام الواسع، وفي ظل التناقض بين الهدف في تطبيق مبدأ "الدولة الصغيرة" أي محدودية دور الدولة في الاقتصاد، والواقع المتضمن قطاع عام واسع وما يتطلبه من تمويل كبير، الامر الذي ادى لتراجع مقدرة الدولة على الايفاء بالتزاماتها اتجاه الافراد، لذا تطلب الوضع البحث بالخيارات المطروحة للخروج من تلك الازمة، ازمة الاختلال الهيكلي، بشكل ينّمي الناتج ويتجاوز اختلال هياكله ويعزز مساهمتها فيه للتخفيف من حدة عجز الموازنة العامة وتوفير فرص العمل.

كذلك، ولعقود طويلة، كان القطاع العام هو المسيطر على جميع المهام الاقتصادية في البلد بغض النظر عن مستوى ادائه الذي لم يحقق الانتاجية التي تتناسب والتمويل الكبير الذي يستحوذ عليه في تخصيصات الموازنة ولأسباب عديدة سياسية اقتصادية وامنية الى الخ. اما القطاع الخاص فقد كان ولازال اقل حظا في التأثير على العملية الاقتصادية في العراق. ولكن هذا لا يعني عدم امتلاك أي منهما لمزايا تمكنه من التأثير في النشاط الاقتصادي وبسبب ذلك تظهر الحاجة هنا لعمل كل منهما الى جانب الاخر، في ظل شراكة مشروطة تلبية للطموحات التنموية في البلد.

فضلا عن ذلك، ولان العراق في مرحلة الانتقال من حالة التدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي الى آلية السوق، فقد ادركت الحكومات العراقية بعد 2003 ذلك وبمساعدة المؤسسات الاقتصادية الدولة كصندوق النقد والبنك الدوليين. وفي ظل هكذا اختلال هيكلي، فإن الامر تطلب – ولازال - تفعيل دور القطاع الخاص. لذا تبنت تلك الحكومات لخطط التنمية الوطنية وتخفيف الفقر وتضمنت اشارات لتعزيز دور القطاع الخاص، فضلا عن وضع استراتيجيات عدة استهدفت تنمية دور القطاع الخاص في الناتج المحلي الاجمالي وتعزيز مساهمته في تكوين راس المال الثابت وقدرته على خلق مزيد من فرص العمل. ولكن غالبا ما تأتي السياسات مناقضة وناسفة لهذه الخطط، ولذلك هناك عدم تناسب بين استراتيجية الموازنة المالية العامة للسنوات الماضية وتلك الخطط والاستراتيجيات.

بعد عام 2003 تم وضع استراتيجية لثلاث سنوات (2007 -2010) لرسم ووضع الخطط التنمویة وبرامجها الاستثمارية، استندت على أربع دعامات أساسية للنشاط التنموي هي:

- تقویة أسس النمو الاقتصادي.

- إعادة حیویة القطاع الخاص.

- تحسین نوع الحیاة.

- تقویة الحكم الصالح والأمین في البلد.

وقد ركزت هذه الإستراتیجیة على جعل القطاع الخاص هو المحرك لفرص العمل والنمو الاقتصادي المتوازن وتعظیم واردات الدولة، وتناولت برامج للإصلاح الاقتصادي وخصخصة المنشآت والمصارف المملوكة للدولة وإعادة هیكلتها، مع تشجیع الاندماج بین المشاریع الاستثماریة القائمة والمضي في تنفیذ إجراءات الانضمام إلى منظمة التجارة الدولیة.

كما عدت خطة التنمیة الوطنیة ٢٠١٠-٢٠١٤ القطاع الخاص شریكا في عملیة التنمیة وتوقعت مشاركته بنسبة (٤٦%) من الاستثمارات المطلوبة لتحقیق رؤى وأهداف الخطة وقد تم تشخیص القطاعات والفعالیات التي یمكن للقطاع الخاص (المحلي والأجنبي) للاستثمار فیها.

اعطت الامانة العامة لمجلس الوزراء هذا التوجه اهمية كبرى من خلال تشكيل لجنة تضم عدد من الخبراء والمختصين من اجل اعداد مسودة لقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص وقد قامت بتضمين قانون الموازنة الفيدرالية مادة تنص على عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص (موزانة عامي 2017 و2018). كشف الأمين العام لمجلس الوزراء، في كانون الاول 2017 مهدي العلاق، بحسب بيان للأمانة، عن انتهاء مجلس الدولة من تدقيق مشروع قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص واحالته الى مجلس الوزراء بعد تدقيق الدائرة القانونية في الامانة.

ويشير البرنامج الحكومي الى ان الحكومة الحالية تخطط لبدء الانتقال من الاقتصاد الريعي الى الإنتاجي خلال دورتها المقبلة، وبما ينسجم مع استراتيجية تطوير القطاع الخاص للسنوات (2014- 2030) المرحلة الثانية منها (2018 - 2022) وتنويع الموارد، وتقليل الاعتماد على النفط كمورد رئيس للإيرادات. وتضمنت هذه المرحلة هدفا ان يساهم القطاع الخاص بنحو 45% من الناتج المحلي الاجمالي وتوفير 35% من فر العمل. وان ينخفض معدل البطالة الى 6%. وان يتحسن مناخ الاستثمار وتعزيز بيئة الاعمال في العراق ليتحسن موقع العراق في تقرير ممارسة الاعمال السنوي الذي يصدره البنك الدولي.

ولكي يتحقق ذلك لابد ان يكون هناك دور واضح وبرنامج مرسوم لإشراك القطاع الخاص في ادارة الاقتصاد وصناعة القرارات الاقتصادية والتنموية ويأتي ذلك من خلال اعادة بناء الهيكل المؤسسي والقانوني للقطاع الخاص في الجوانب التشريعية والتحفيزية والإجرائية وبما ينسجم ويتطابق مع ما ورد بمحاور البرنامج الحكومي ومراحل تنفيذ استراتيجية تطوير القطاع الخاص للسنوات (2014-2030) التي اطلقتها الحكومة في شباط 2015 على ان تبدأ فعلاً هذه البرامج فورا بوضع آليات لإشراك القطاع الخاص الوطني في صناعة القرارات الاقتصادية وبشكل خاص تطوير القطاع المصرفي الخاص واستكمال بنائه بشكل متين ورصين واعادة الثقة للتعامل معه وجذب الكتلة النقدية المكتنزة خارج النظام المصرفي والتي تشكل بحدود 77% من الكتلة النقدية المتداولة وفق نظرة شاملة لتحفيز القطاعات الإنتاجية كافه ومنها بشكل اساسي في الزراعة، وان تتبنى الحكومة وممثليات القطاع الخاص برامج ومساهمات واجراءات تنفيذية محسوبة ومدعومة ماديا وقانونيا، وان تكون السنوات ( 2018-2022) وهي المرحلة الثانية من الاستراتيجية فعلا سنوات دعم وتفعيل وتطوير القطاع الخاص. كذلك لابد من الاستفادة من مكامن الاخفاق في المرحلة الاولى (2014 - 2018) من الاستراتيجية المذكورة والتي لم تحقق اهدافها.

ولكن مع كل تلك المتضمنات في الخطط والاستراتيجيات، الا اننا نلاحظ –وعبر الاحصاءات الرسمية– انه لم تحصل زيادة في نسبة مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الاجمالي لابل انخفضت تلك النسبة. اذ بقيت تلك النسبة متدنية وحتى اقل من مستوياتها في السنوات قبل دخول استراتيجية (2014 -2030) حيز النفاذ والتطبيق. اذ بلغ ( 3.98%) عام 2015 وانخفض الى (3.84%) عام 2016، وانخفضت تلك النسبة اكثر لتصل الى (2.78%) عام 2017 (بالأسعار الجارية) وفقا لإحصاءات مديرية الحسابات القومية في الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط.

وفي الوقت الذي يتطلب من الحكومة الحالية ان تعمل وفق متطلبات استراتيجية تطوير القطاع الخاص المرحلة الثانية منها (2018 -2022)، فأنها اخفقت في ذلك ولاسيما في الاجراءات الخاصة بتذليل العقبات الروتينية والمعقدة التي تقف امام القطاع الخاص في مختلف المجالات. كذلك لم تورد في مشروع قانون الموازنة لعام 2019 نصوصا واضحة في هذا الاطار. بل اوردت نصا خجولا ومترددا وغير واضح في المادة 14 والتي تم رفعها من قبل مجلس النواب. الامر الذي يدلل على ان صانعي السياسات في البلاد ابعد ما يكون عن الخطط والاستراتيجيات الموضوعة في مختف القطاعات ومنها القطاع الاقتصادية.

لذا وبعد اقرار قانون الموازنة يتطلب الامر ان تضع الحكومة خطة اجرائية وبقدر حدود صلاحياتها لتذيل العقبات التي تقف بوجه القطاع الخاص. ولتوجه نحو تفعيل العمل بالقوانين ذات العلاقة بتطوير مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الاجمالي وفي تكوين رأس المال الثابت. وكذلك تقديم مشروع قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص الذي تم تدقيقه من قبل مجلس الدولة والموجود حاليا في الامانة العامة لمجلس الوزراء.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-2019Ⓒ
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0