"يتصف العراق بأحادية الطاقة والاقتصاد وهذه الأحادية أسهمت في ظهور الكثير من الآثار غير المرغوبة ومن أجل معالجتها ينبغي تنويع الطاقة والاقتصاد"

تحتل مسألة الطاقة أهمية كبيرة على مستوى العالم وفي مختلف المجالات، سياسياً واقتصادياً واستراتيجيا وبيئياً وغيرها، وتتكون بشكل عام من طاقة متجددة وأخرى غير متجددة (احفورية) وكلاهما يتمركزا بشكل كبير في منطقة الشرق الأوسط، وهذا ما قد يفسر غياب الاستقرار واستمرار الاضطرابات فيه.

من أحادية الطاقة إلى أحادية الاقتصاد

والعراق أكثر بلدان الشرق الأوسط التي تعرضت لغياب الاستقرار واستمرار الاضطرابات فيه، ومن المرجح أن تستمر بشكل أكبر مستقبلاً في ظل استمرار ريعية الاقتصاد العراقي وغياب تنويع الطاقة والترابط فيما بينهما، خصوصاً مع التنبؤات بانخفاض الأهمية الاقتصادية للنفط في مزيج الطاقة العالمي وميزان العلاقات الدولية، إذ إن استمرار ريعية الاقتصاد العراقي تعني استمرار الاختلالات البنيوية للاقتصاد العراقي إيراداً وإنفاقاً، إنتاجاً واستهلاكاً، وتصديراً واستيراداً.

كما إن استمرار غياب تنويع الطاقة والاعتماد على الطاقة الاحفورية والنفط بالتحديد، يعني استمرار عدم اليقين وارتفاع المخاطر التي تتعرض لها الطاقة الاحفورية حالاً ومستقبلاً في ظل استمرار التقدم التكنولوجي الباحث عن البدائل، والتي ستنعكس على الاقتصاد بشكل تلقائي.

إذ إن غياب تنويع الطاقة في العراق سينتقل وبشكل أوتوماتيكي، كنتيجة لغياب الإدارة الكفوءة وانخفاض الوعي السياسي والاقتصادي، إلى الاقتصاد فيصبح الاقتصاد العراقي هو الآخر اقتصاد أحادي، وهذا ما سيُعمق الاختلالات المذكورة آنفاً وتتفاقم آثارها على الجانب السياسي والاقتصادي والإداري والاجتماعي والأخلاقي وغيرها.

في الوقت الحاضر يتحمل العراق أعباء الريعية الاقتصادية والطاقة الأحادية، حيث أسهمت الريعية الاقتصادية في اختزال أو انخفاض مساهمة القطاعات الاقتصادية في الناتج المحلي الإجمالي كونها تشارك بأكثر من 40% فيه، كما وتتجاوز نسبتها الـ 90% من الإيرادات المالية والصادرات السلعية، وهذا ما يعني هناك خلل واضح وكبير في بنية الاقتصاد العراق تكشف عن أحاديته وغياب تنويعه.

أبرز آثار الريعية الاقتصادية في العراق

1- تذبذب النمو الاقتصادي، وهذا ما أوضحه البنك الدولي على موقعه، حيث انخفض النمو الاقتصادي من 10.16% عام 2006 إلى 1.38% عام 2007 ثم ارتفع 13.94% عام 2012 ثم انخفض إلى 0.70% عام 2014 ثم عاد ليرتفع إلى 13.025% عام 2016 وانخفض مؤخراً إلى أدنى نقطة له وهي(-2.07%) عام 2017، أغلب ما يفسر هذا التذبذب هو تذبذب أسعار النفط دولياً لأسباب قد تكون سياسية أو اقتصادية أو مناخية.

2- غياب الاستقرار المالي، حيث نلاحظ ان الموازنة العامة لا تتسم بالاستقرار فتارةً تعاني العجز وتارةً أخرى تتسم بالفائض، وفي الغالب ان العجز والفائض يكون متسق مع الإيرادات النفطية وأسعارها. حيث يبين صندوق النقد العربي من خلال تقريره الاقتصادي، إن موازنة العراق تتسم بالفائض من 2005 وحتى 2012 وتعاني من عجز من 2013وحتى 2016، ثم عادت لتتسم بالفائض عام 2017. وان غياب الاستقرار المالي ينعكس، بلا شك، على خطط التنمية وارباك عملية البناء الاقتصادي.

3- غياب التوازن الخارجي، حيث يذكر البنك المركزي العراقي في تقريره الاقتصادي السنوي، ان فائض ميزان المدفوعات بلغ 6.3مليار دولار عام 2010 وارتفع إلى 10.4 مليار دولار ثم انخفض إلى 8 مليار دولار و 7.9 مليار دولار في عامي 2012 و2013 على التوالي لكنه (ميزان المدفوعات) أصبح فيما بعد يعاني من عجز قدره 11.9 و 14 و 8 مليار دولار في عام 2014 و 2015 و2016 على التوالي.

4- شيوع الفساد، حيث يحتل العراق في عام 2018 المرتبة 168 من أصل 180 دولة ضمها مؤشر مدركات الفساد العالمي الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، كما ويحتل المرتبة 171 من أصل 190 اقتصاد في مؤشر سهولة أداء الأعمال الذي يصدره البنك الدولي لنفس العام.

5- تفاقم البطالة، حيث يبين موقع الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط إن معدل البطالة للأعمار 15 فما فوق هو 10.8% و22.7% للأعمار 15-24 عام 2016، ويصل إلى 40% حسب صندوق النقد الدولي نقلاً عن الصحف والمواقع الالكترونية.

6- زيادة الفقر، حيث لا زال العراق يكافح مستويات عالية من الفقر التي وصلت إلى 22.5% على المستوى الوطني في عام 2014، وهي التي كانت قد شهدت انخفاضًا من 22.9% في عام 2007 إلى 18.9% في عام 2012 ووفقًا لأحدث البيانات المتاحة، فإن 14.7% من السكان في العراق كانوا يعانون من الفقر المتعدد الأبعاد في عام 2016، حسب ما جاء في البوابة العربية للتنمية.

أبرز آثار الطاقة الأحادية والنفط تحديداً

1- تبعية الاقتصاد العراقي، حيث أسهمت الطاقة الأحادية، المولدة للاقتصاد الريعي، في ربط الاقتصاد العراقي بالعالم الخارجي والتأثر بما يصيبها هي فقط، سلباً وإيجابا، دون أن تسهم في تنويع الطاقة والاقتصاد معاً.

2- نضوب الثروة النفطية، إذ إن غياب تنويع الطاقة يعني استمرار الضغط على الثروة النفطية ونضوبها بسرعة وعدم استفادة الأجيال القادمة منها، حيث يذكر تقرير التنمية البشرية، تم نفاذ ما نسبته 18.5% من الموارد الطبيعية نسبةً إلى الناتج القومي الإجمالي خلال المدة 2010-2014، وهذه نسبة كبيرة.

3- هدر الثروة الغازية، إذ يتم حرق ما نسبته 70% من جميع كميات الغاز الطبيعي التي يتم إنتاجها، بدلاً من حبسها واستثمارها، وتكفي هذه الكمية المهدورة، إن تم استثمارها، لتوفير الكهرباء إلى ما يزيد عن 17 مليون أسرة عراقية، حسب ما ذكرته شركة غاز البصرة على موقعها.

4- استيراد الغاز الطبيعي، أدت أحادية الطاقة إلى قيام العراق باستيراد الغاز الطبيعي من دول الجوار وبالتحديد من جمهورية إيران الإسلامية، إذ استورد العراق 154 مليون قدم مكعب يومياً (أو 13% من إمدادات الغاز العراقية الحالية) في عام 2018، حسب تقرير معهد واشطن لسياسات الشرق الأدنى.

5- التلوث البيئي، تعمل كمية الغاز المحترقة في العراق على إنتاج حوالي 20 مليون طن سنوياً من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون وهي توازي الكمية المنبعثة من 90.000 رحلة طيران من البصرة إلى هونج كونج أو عن طريق استخدام 3.5 مليون سيارة، حسب ما أوضحته الشركة.

6- الكثافة الرأسمالية للطاقة، تتسم الصناعات القائمة على الطاقة بارتفاع عنصر رأس المال الثابت فيها مقارنة برأس المال المتغير وهذا ما يعني انخفض الأيدي العاملة التي تتطلبها وبالتالي فهي تسهم بشكل كبير في توليد البطالة التي تمت الإشارة إلى نسبها آنفاً.

7- هيمنة الدولة على الاقتصاد، أسهمت الطاقة الأحادية في هيمنة الدولة على الاقتصاد العراقي كون ملكية الطاقة تعود للدولة، على اعتبار الطاقة ثروة وطنية عامة لا يمكن احتكارها من قبل أحد، من جانب، والطاقة الأحادية هي الممول الرئيس له عبر قناة الموازنة العامة من جانب آخر. فملكية الدولة للطاقة والموازنة العامة أسهما في هيمنة الدولة على الاقتصاد.

أبرز الحلول

1- تنويع الطاقة، أي لابد من العمل على تنويع الطاقة على المستويات الرئيسية (الناضبة والمتجددة) والمستويات الفرعية (كالغاز الطبيعي إلى جانب النفط الخام والطاقة الشمسية إلى جانب الطاقة الكهرومائية) وهكذا.

2- تنويع الاقتصاد، أي لابد من العمل على تحييد الآثار السلبية للقطاع النفطي على الاقتصاد بل وتوظيفه بالشكل الذي يغذي القطاعات الاقتصادية حتى تستطيع ان تأخذ دوراً كبيراً في ظل نضوبه أو انخفاض أهميته.

3- تكامل الدولة والقطاع الخاص في الاقتصاد، إذ لابد أن يفسح المجال أمام القطاع الخاص ليأخذ دوره الحقيقي في الاقتصاد بوصفه الجانب الفني في العمليات الاقتصادية كما وتأخذ الدولة دورها أيضاً بوصفها الجانب الإشرافي الذي يصحح مسار القطاع الخاص عنده خروجه عن الطريق الأمثل.

4- خلق بيئة مناسبة، أي العمل على خلق بيئة استثمارية مناسبة تسهم في جذب الاستثمار سواء كان محلي أو أجنبي وذلك من خلال تذليل كل العقبات التي تعرقل طريقه الاستثماري وكذلك توفير كل الامتيازات والضمانات التي تشجعه نحو الإقدام على ألا تمس مصلحة البلد.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2019
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0