يُعد البحث عن البدائل للنفط بواسطة التقدم التكنلوجي، بمثابة إنذار للدول التي تعتمد في اقتصاداتها عليه، كونه سيفضي إلى تقليص الأهمية الاقتصادية للنفط مستقبلاً.

تُعد الثروة النفطية في الوقت الراهن من أكبر الثروات التي تحتل مكانة مهمة على المستوى المحلي والاقليمي والدولي، بالنسبة للدول التي تمتلكها أو التي لا تمتلكها على حدٍ سواء كونه، النفط، يدخل في أغلب مجالات الحياة في السياسة والاقتصاد والصناعة وغيرها.

بعض سمات النفط

يتميز النفط بالعديد من السمات التي تجعله محط أنظار الجميع، فهو مُولد جيد للطاقة التي تستخدم لشتى المجالات، يتميز بسهولة نقله وانخفاض تكلفة انتاجه وتسويقه، دخوله كمادة أولية في العديد من المنتجات ويُعد أقل تلويثاً للبيئة مقارنة بالمصادر الاخرى، وغيرها.

تجدّر الإشارة إلى التوزيع الجغرافي والتجارة الدولية للنفط، حيث يتفاوت توزيع النفط جغرافياً من قارة لأخرى ومن بلد لآخر، وهذا ما دفع الدول التي تفتقر له إلى زيادة الطلب عليه من الدول التي يتوفر فيها وقيام هذه الأخيرة بالإنتاج النفطي لتلبية الطلب عليه، هذا ما دفع لإنعاش التجارة الدولية واحتلال النفط المرتبة الاولى فيها. وكنتيجة لزيادة تطور الجهاز الإنتاجي في الدول المتقدمة وتواضع الجهاز الانتاجي للنفط من قبل الدول المنتجة له وعدم قدرتها على تلبية الطلب المتزايد، كلا الأمرين أديّا إلى جعل الطلب على النفط أكبر من العرض وكانت النتيجة ارتفاع أهميته بشكل كبير جداً على مستوى العالم.

أهمية النفط عالمياً

يشكل النفط أهمية كبيرة بالنسبة لغالبية الدول، سواء كانت مستوردة او مصدرة له على اختلافها، فالبعض يستورده لإشباع الطلب المحلي فقط والبعض الآخر يستورده ليعيد تصديره، هذا على مستوى الاستيراد. أما على مستوى التصدير فالبعض منها ينتج لإشباع الطلب المحلي فقط بحكم محدودية الاحتياطي او ضعف القدرة الانتاجية والبعض الآخر ينتج لأجل التصدير بعد تلبية الطلب المحلي، كونه يمتلك احتياطي كبير ولديه قدرة انتاجية عالية وهكذا.

وتكون أهميته أكبر بالنسبة للدول التي تعتمد عليه في اقتصاداتها بشكل كبير جدا، فهي تستورد النفط لتخزينه لأغراض سياسية او اقتصادية، أو لأغراض إعادة تصديره بعد سد الحاجة المحلية، على شكل مشتقات نفطية او منتجات صناعية من خلال دخوله كمادة أولية في إنتاجها، وهذا ما يترتب عليه، ارتفاع القيمة المضافة ومن ثم استخدامها في تقوية الاقتصاد او استخدامها في توليد النقود من خلال توظيفها في البنوك المحلية أو الأجنبية أو كليهما وغيرها من الاستخدامات.

ان استيراد النفط وتخزينه او اعادة تصديره بعد صناعته وسد الحاجة المحلية منه إلى الخارج، يحتاج إلى ايدي عاملة تقوم بهذه العملية وهذه الأخيرة ستسهم في تشغيل الايدي العاملة وتخفيف حدّة الفقر والفوضى الاجتماعية بالإضافة إلى انه أقل تلويثا للبيئة وأقل تكلفة من المصادر الاخرى.

هذه المميزات وعدم التفريط به من قبل الدول المستهلكة المستوردة له، أدى إلى إرتفاع الطلب عليه من جانب واستخدامه كسلاح للحرب من قبل الدول المنتجة له وتخفيض العرض منه وعدم تصديره من جانب آخر، كلا الأمرين اديّا إلى ارتفاع أسعاره، وهذا ما يعني محاربة الدول المستوردة وبالخصوص التي تستورده لتعيد تصديره وفقدان كل الامتيازات التي كانت تتمتع بها من خلال النفط استيراداً واستهلاكاً وتصديراً. بمعنى آخر ان الدول المتقدمة المستوردة خسرت الكثير من الفوائد التي كانت تجنيها من النفط.

تقليل الاعتماد على النفط

إن خسارة الدول المتقدمة من الفوائد النفطية من جانب وزيادة التقدم التكنولوجي الباحث عن البدائل من جانب آخر، دفعا بها إلى التفكير في إيجاد الحل المناسب ألا وهو تقليل الاعتماد على النفط طاقوياً وجغرافياً، لتلافي الخسائر التي تعرضت لها بفعل الصدمة النفطية، وعدم تكرار استخدام النفط من قبل منتجيهِ كسلاح في الحرب كما فعلت الدول العربية عام 1973، فكانت النتيجة هي التوجه إلى خيارين هما:

- تقليل الاعتماد على النفط طاقوياً.

- تقليل الاعتماد على النفط جغرافياً.

الخيار الاول يعني اللجوء إلى استخدم مصادر اخرى والاعتماد عليها بدلاً من التركيز في الاعتماد على النفط، وذلك من خلال نقطتين الاولى ترشيد الاستهلاك والثانية استخدام مصادر أخرى سواء كانت ناضبة (كالغاز الطبيعي) او متجددة (كالطاقة الشمسية).

أما الخيار الثاني فهو يعني قيام الدول المتقدمة المستوردة بتنويع استيراداتها النفطية جغرافياً وعدم التركيز على أوبك في تلبية طلبها النفطي واللجوء إلى الدول المنتجة من خارج منظمة أوبك، وهذا ما يؤدي إلى زيادة حدّة المنافسة بين المنتجين ما بين منظمة اوبك وخارجها من جانب واعضاء منظمة اوبك والاعضاء خارج منظمة اوبك من جانب آخر.

كلا الخيارين يضعان البلدان المنتجة وخصوصاً المصدرة للنفط في موضع حرج لا تُحسد عليه في الأمد المتوسط والبعيد، كون أغلب هذه البلدان تعتمد على النفط بشكل كبير جداً في اقتصاداتها، في الناتج المحلي الاجمالي والمالية العامة والتجارة الخارجية وغيرها من المؤشرات الاقتصادية.

البحث عن البدائل إنذار للاقتصادات النفطية

وما يزيد الطين بِلّه، بالنسبة إلى الاقتصادات النفطية وخصوصاً التي تمتلك احتياطيات كبيرة كالسعودية وفنزويلا وايران والعراق وغيرها، هو التقدم التكنلوجي، الباحث عن البدائل التي تصب في مصلحة تحقيق الخيار الأول والتي ستحل محل النفط مستقبلاً، والذي بدأت ملامح تأثيره في الوقت الحاضر بشكل واضح، وهي انخفاض اسعار النفط، والتي تسببت في زيادة عجز الموازنة والمديونية بالنسبة للبلدان النفطية، فكيف هو الحال في ظل تزايد هذا التقدم التكنلوجي في اكتشاف المصادر البديلة بشكل أكبر وأقدر في المستقبل؟! كيف سيكون حال الدول التي تعتمد في اقتصاداتها على النفط مستقبلا؟

حيث يسهم التقدم التكنلوجي في تحقيق الخيار الأول كونه يسهم في زيادة كفاءة الجهاز الانتاجي، أي إنه يسهم في انتاج سلع أكثر اقتصادية في استهلاك النفط وهذا ما يقلل من حجم الاعتماد على النفط، كما إن توظيف التقدم التكنلوجي في إيجاد مصادر بديلة للنفط تعطي ما يعطيه النفط، كالنفط الصخري الذي أخذت الدول المستهلكة تنتجه وتعتمد عليه بشكل مبدئي او اللجوء إلى مصادر متجددة تسهم في تخفيض الاعتماد على النفط بشكل كبير أيضاً خصوصاً إذا ما كانت المصادر المتجددة أكثر جدوى وأكثر إنسجاماً وتوافقاً مع البيئة وأقل كلفاً في إنتاجها وأكثر طاقة مما يعطيه النفط.

إذن استمرار عملية البحث واكتشاف البدائل في الوقت الحاضر هي بمثابة جرس إنذار للاقتصادات النفطية التي لم تسعى دولها لإيجاد مصادر أخرى أو بناء قاعدة إنتاجية متينة تحل محل النفط عند انخفاض أهميته الاقتصادية أو نضوب كميته.

وعليه لابد أن تدرك الدول النفطية ومجتمعاتها مدى أهمية هذا الإنذار ومدى الخطورة التي ستصيب اقتصاداتها مستقبلاً في ظل انخفاض الأهمية الاقتصادية للنفط كنتيجة للتقدم التكنولوجي الباحث عن مصادر بديلة له، والسعي من الآن لتجنب الخطورة المستقبلية، وإنقاذ المجتمعات في الوقت الراهن من شبح البطالة والفقر وغيرها، لان النفط في هذه البلدان كان السبب وراء نشوء هذه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

ولتلافي المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الراهنة والخطورة المستقبلية يمكن تحديد بعض النقاط أدناه:

اولاً: العمل على بناء اقتصاد انتاجي بعيد عن الاقتصاد التوزيعي، يكون قادر على مواجهة التحديات المستقبلية والتخلص من المشاكل الحالية.

ثانياً: إنشاء صندوق سيادي توضع فيه العائدات النفطية وتأخذ منه نسبة معينة للمالية العامة، وذلك لحماية الاقتصاد الانتاجي من الاثار السلبية للعائدات النفطية.

ثالثاً: توفير بيئة استثمارية مناسبة تكون أساس للتقدم نحو بناء الاقتصاد الانتاجي، كتحقيق الاستقرار السياسي والامني وتبسيط الجهاز الاداري والضريبي وتأهيل الجهاز المصرفي لتمويل عملية بناء الاقتصاد الانتاجي وتوفير البنى التحتية اللازمة للانطلاق.

رابعاً: تحديد الدور المناط بالدولة وكيفية إسهامها في تشييد الاقتصاد الانتاجي على أن يكون دورها إشرافي وتوجيهي أو تكملي لدور القطاع الخاص أو كليهما.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1