في البدء لابد من معرفة ماذا يعني الادخار، فهو بحسب مختصين يشكل جزءاً من الدخل غير المخصص للاستهلاك، ويودع عادة في حسابات بنكية جارية أو يستخدم على المدى القصير، والادخار هو أيضا حفظ السيولة لأغراض الاستخدام على المدى القصير (مصاريف غير متوقعة، السفر، شراء الأثاث، الخ).

أما أهمية الادخار فلا تكمن في كونه طريقة لتكديس المال بشكل جشع كما يفسره البعض!، بل في كونه نظاما لتقليل صدمات الحياة وتحسين جودة معيشتنا ومعيشة عائلاتنا، ويظهر ذلك جليا في أوقات الطوارئ المالية والأزمات التي تحدث لنا بصورة مفاجئة غير متوقعة، حيث نحتاج إلى بعض المال لعلاج الوضع، وتظهر فوائد الادخار أيضا في مرحلة ما بعد التقاعد، حيث يستطيع المدّخرون أن يستخدموا أموالهم التي ادخروها في مجالات وأنشطة يحبونها وتسهم في جودة حياتهم وسعادتهم وتقديرهم لذواتهم.

وحتما سوف يتساءل الإنسان الذي يفكر بالادخار، ما هو الهدف من هذا العمل، والإجابة ببساطة، هو أن تكون لديك الأموال التي تحتاجها في أوقات أو ظروف غير متوقعة، فهو نظام تأميني قوي، وأيضا من أجل أن نتمكن من توفير حياة كريمة وأكثر رخاء وجودة لأنفسنا ولعائلاتنا، فنحن نحتاج فعلا أن ندّخر بعض المال لبعض الأمور التي يمكن توقعها كذلك، ومنها على سبيل المثال: توفير المال اللازم لامتلاك منزل شخصي، فإن كنت قد ادخرت المال الكافي لذلك فإنك سوف لن تحتاج إلى الاقتراض، أو على الأقل لن تكون مضطرا إلى اقتراض كامل كلفة تملك المنزل، إن أبناءنا يكبرون بشكل سريع، وهم دوما يتوقعون منا دعمهم وتعبيد الطريق أمامهم في هذه الحياة، ومما يتوقعونه أن نعينهم ماليا لإكمال دراساتهم العليا، وهو في الحقيقة أمر جيد يستحق التقدير، وأمر سوف يظل الأبناء يذكرونه لنا.

كذلك تكمن أهمية الادخار في أنك قد ترغب يومًا ما أن تبدأ في مشروع تجاري خاص، ولكن قد لا تجد في رصيدك رأس المال الكافي لإنشاء المشروع، إلا إن كنت صاحب رؤية مالية وتخطيط مالي جيد وكنت منتظما في الادخار بشكل ثابت، ولذلك لا يمكنك الاستثمار في أي مجال كان نوعاً أو كمّاً إذا لم تكن ممن خطط في حياته لادخار جزء من موارده.

يتساءل – في هذا الخصوص- مؤلف كتاب دروس مبسطة في الاقتصاد روبرت مورفي:

- هل يمكن أن يحدث الاستثمار دون ادخار؟، ثم يطرح سؤالا رديفاً يقول فيه:

- ما هي إيجابيات وسليبات ادخار جزء كبير من دخلك؟

في الإجابة عن التساؤل الأول، لا يمكن أن يكون هنالك استثمار في أي مشروع كان، ما لم يكن هنالك ادخار، وهنالك أسلوب الاقتراض من أجل إقامة مشروع معين، ولكن نحن نتكلم عن الفرص الأفضل للاستثمار، فإن بادرت في مرحلة مبكرة من عمرك على عزل أو ضمّ أو اقتطاع نسبة معينة من دخلك واحتفظت به جانبا، وكيفتَ نفسك ومصاريفك مع ما يتبقى من دخلك، كأن تقلل الاستهلاك، فإنك مع تقادم الشهور والسنوات ستجد لديك فائضا ماليا سوف يعينك على افتتاح مشروع يمكن أن يزيد من دخلك أضعافاً، نعم يمكنك الاقتراض لفتح مشروع ما، ولكن طالما كان لديك دخل فيمكنك اقطاع نسبة منه تدخرها للمستقبل.

يقول روبرت مورفي في كتابه، بسبب الفائدة يستطيع الفرد أن يدّخر ويستثمر اليوم لكي يزيد دخله في المستقبل. فانخفاض طفيف في استهلاك اليوم من شأنه أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في مقدار الاستهلاك في المستقبل. إذاً أنت تقلل من نسبة استهلاكك اليوم لكي تجعله كبيرا في المستقبل، فحين تبلغ من العمر عتيا ربما تحتاج إلى المال أكثر وقد تكون مصاريفك الصحية كبيرة، وإذا كنت ذا صحة جيدة، فربما ترغب بالعيش في حياة مرفّهة وسعيدة وهو حق لك بعد رحلة سنوات العمر الطويلة، ولا يتعلق الأمر بك وحدك إذا كنت ربّ لعائلة تتكون من أبناء وبنات، هؤلاء لهم حق عليك في دعمهم بالجانب المادي حتى يواصلون حياتهم بطريقة جيدة.

وهناك فوائد أخرى للادخار، فمن مجموع الأفراد المدخرين سوف تتبلور ثقافة الادخار لمجتمع كامل، وهذا ينعكس بصورة كبيرة على الاقتصاد الوطني بشكل أعمّ، وقد يقول قائل أن ادخاري للأموال ربما يحرم أناساً آخرين منه وقد يضطرهم ذلك إلى الاستدانة، عن هذا الرأي يجيب روبرت مورفي: إن ادخار شخص ما واستثماره لا يعني بالضرورة أن يغرق شخص آخر في الديْن. بل يستطيع كل شخص في الاقتصاد أن يدّخر مبالغ كبيرة ويستمتع بدخل أعلى في المستقبل.

وحين يتحول أسلوب الادخار إلى ثقافة اقتصادية تشمل أفراد المجتمع، فإن النتائج سوف تعلو فوق الفائدة الفردية، حيث يصبح الاقتصاد الوطني من الكفاءة العالية بما يغني حياة الجميع، لأن الزيادة المفاجئة في المدخرات تتيح للناتج الاقتصادي التحول من السلع الاستهلاكية إلى السلع الرأسمالية، تماما مثلما تمكن روبنسون كروزو من زيادة قوة يده العاملة عن طريق الاستخدام الرشيد للادخار والاستثمار، حيث يمكن لجميع الأفراد أن يعزز بعضهم إنتاجية بعض عن طريق ضخ مزيد من الموارد من اجل إنتاج أكثر، ويمكن أن ترتفع دخول الجميع على مدار السنوات عندما تزداد الإنتاجية البدنية لهم بسبب إنتاج مخزون أكبر من السلع.

فالسلوك الفردي الذي يرى في الادخار فائدة سينتهي إلى نتائج تفوق دائرة الفرد الواحد، ومع أننا نتفق على أن الفرد يبقى صاحب الحق في تطوير حياته من خلال الادخار، وهو حر في التصرف بأمواله ودخله، لكن هذه الفائدة الفردية التي تمنح الإنسان قدرات استهلاكية كبيرة ومتميزة مستقبلا، سوف تنتهي إلى فوائد اقتصادية جماعية، لأن مجموع ما يتم ادخاره من قبل الأفراد سوف يؤدي إلى جمع كتلة مالية كبيرة، يمكن استثمارها في مشاريع كبيرة تعود بالفائدة على الأفراد المدخرين بعد أن فهموا ما معنى الادخار وما هي فوائده المستقبلية الكبيرة، مقابل تقليل استهلاكم اليوم بنسبة معينة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1