تحاول هذه الدراسة المختصرة وضع النزاعات التجارية للولايات المتحدة منذ عام 2017 في سياقها التاريخي واطارها العام، مع التركيز على الشراكة والتنافس بين الصين والولايات المتحدة لدورها القيادي في التطور المرتقب لاقتصاد العالم.

العجز التجاري للولايات المتحدة الأمريكية:

يفسر عجز الميزان التجاري السلعي وميزان المدفوعات الجارية، صادرات واستيرادات السلع والخدمات وتدفقات الدخل من والى الخارج، بخصائص الاقتصاد ومرحلته في التطور وسياسات الاقتصاد الكلي التي اعتادت عليها الولايات المتحدة الامريكية. تلك السياسات التي تؤدي الى عدم التوازن بين الاستثمار والادخار او عدم كفاية الادخار المحلي للاستثمار، وتنعكس هذه الفجوة في ميزان العمليات الخارجية الجارية. وتتطلب تدفقات مالية صافية من الخارج لسدها.

وفي آذار، مارس عام 2018 أصدر الرئيس الامريكي امرا تنفيذيا لإعداد دراسة حول العجز التجاري الامريكي مع توالي التصريح بان الولايات المتحدة منخرطة في علاقات تجارية ليست عادلة مع الشركاء الدوليين وهي مقدمة لتبرير فرض رسوم كمركية وممارسة ضغوط لتقليص عجز الميزان التجاري السلعي خاصة مع الصين وتعديل العلاقة مع اوربا لصالح الولايات المتحدة. ويتنافى هذا التوجه مع ما يسمى توافق واشنطن، عام 1984، حول تحرير الاسواق والانفتاح التجاري والمالي، والذي اسس لمرحلة تميزت بانحسار دور الدولة واندماج اسواق الدول الناشئة صناعيا بالجزء المتقدم من العالم. ويستعيد التوجه الامريكي الجديد الوطنية الاقتصادية بالصيغة المركنتيلية ويجافي الاسس التي قامت عليها منظمة التجارة العالمية الى حد كبير.

والمعروف ان العجز التجاري السلعي الامريكي ظهر واخذ بالتزايد منذ اواخر ستينات القرن الماضي وليس جديدا بل صار من خصائص عمل الاقتصاد الامريكي. وكان في البداية يغطى من فائض ميزان تجارة الخدمات، لكن استمرار تنامي استيرادات الولايات المتحدة وقصور صادراتها السلعية ادى بالنتيجة الى عجز مزمن في الحساب الجاري لميزان المدفوعات.

في عام 2017 استوردت الولايات المتحدة سلعا بحوالي 2.4 ترليون دولار وصدرت سلعا قيمتها 1.6 ترليون دولار تقريبا، وبذلك وصل العجز التجاري السلعي 811 مليار دولار، الى جانب فائض في ميزان تجارة الخدمات بمقدار 242 مليار دولار.

يمول عجز الحساب الجاري بصافي تدفقات مالية من الخارج، وتجري هذه العملية تلقائيا لأن منشأ العجز فجوة الادخار حيث الطلب على رؤوس الاموال الإضافية يتجاوز الادخار المحلي من جميع المصادر. ولذا ترتفع اسعار الفائدة او العائد على الاستثمار المالي ومع سعر الصرف العائم وحرية التدفقات المالية تستقبل الولايات المتحدة ما يكفي من الاموال الاجنبية لسد الفجوة. وبذلك يتجاوز مجموع الانفاق الدخل القومي، الوطني، وتستمر هذه الظاهرة، وبمرور الزمن تتراكم رؤوس الاموال الاجنبية في الولايات المتحدة وتزداد مديونتها الخارجية، لكن الدين الخارجي بأجمعه ادوات استثمار مالي في الدولار وهذه الادوات متداولة في السوق وجدارتها الائتمانية عالية. ومما يدعم استمرار هذه الآلية الثقة بالموجودات، الاصول، المالية الدولارية التي ينظر اليها بانها ملجأ آمن. ويلاحظ، بهذا المعنى ان 65 بالمائة من الاحتياطيات الدولية للبنوك المركزية في العالم مستثمرة بأدوات مالية بالدولار، وخاصة اوراق الدين الحكومي الامريكي، ومنها ودائع في الجهاز المصرفي الامريكي.

من جهة اخرى ثمة علاقة ضرورية بين توسع الولايات المتحدة في عرض الدولار والاصول المالية الدولارية واستدامة عجز الحساب الجاري. وتزايد قلق الولايات المتحدة حول المستقبل من احتمال اقتناع الصين بتطوير مركز مالي دولي بعملتها ومنافسة الدولار في اجتذاب احتياطيات البنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية نحو ادوات الاستثمار المالي بالعملة الصينية.

بيد أن البنية الاقتصادية للصين لا تناسب هذه الوظيفة مع اعتماد تنميتها الاقتصادية على قيادة الصادرات الصناعية للنمو، وتتضمن هذه الاستراتيجية ميل الاقتصاد نحو الفائض الخارجي. وبذلك لا يستخدم الاقتصاد الصيني تدفقات مالية صافية من الخارج لأن التدفقات المالية نحوها لا بد من إعادة تصديرها للخارج اضافة على الفائض الذي اعتاد الاقتصاد الصيني على توليده. والى الآن لا توجد اسواق في الدول النامية والناهضة قادرة على استيعاب هذه المقادير الضخمة من رؤوس الاموال وبالنتيجة سوف يعاد الجزء الاكبر من الأموال التي تستقطبها الصين الى الولايات المتحدة الامريكية. بتعبير آخر ان مخاوف الولايات المتحدة الامريكية مبالغ بها ومن غير المتوقع منطقيا منافسة الصين لها على المستوى المالي الدولي في المستقبل القريب.

ان الطلب الخارجي على الدولار والاصول المالية الدولارية يرفع سعر صرف الدولار تجاه العملات الاخرى فترتفع كلفة الصادرات الامريكية، وتصبح اسعارها مرتفعة في الخارج. وفي نفس الوقت تنخفض اسعار المستوردات وبالنتيجة تكون التدفقات المالية الداخلة معادلة للعجز التجاري الذي احدثته او اسهمت في احداثه عبر رفعها لقيمة العملة الامريكية. وان خفض العجز التجاري دون معالجة الاختلال الاقتصادي الكلي الذي انشا العجز، وهو فحوى سياسة الرئيس ترامب، قد تكون له آثار سلبية.

ان النمو الاقتصادي ومتوسط الاجر والانتاجية وسواها ليست نتاجا للعجز التجاري بل هي محصلة السياسات الاقتصادية وأثرها في السلوك الاقتصادي للمستهلكين والمنتجين وقرارات الاستثمار وسواها.

نزاعات تجارية بين الولايات المتحدة والدول المتقدمة:

استندت الحكومة الامريكية في سياستها الجديدة على ان اتفاقيات التجارة الحرة قد اسهمت في زيادة العجز التجاري مع بعض الشركاء. و تركز حزمة الإجراءات التي باشرتها ادارة الرئيس ترامب على العجز الثنائي في الميزان التجاري وله الاولوية الاولى وتلك مقدمة لتبرير اعادة التفاوض الثنائي مع الشركاء التجاريين. وتتضن هذه المقاربة، الجزئية، تعمّد التقليل من اهمية العوامل والسياسات الكلية المسؤولة عن العجز.

تعود بداية النزاعات التجارية للولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الاولى الى قانون التعرفة الكمركية عام 1930 الذي يشار اليه باسم Smoot-Hawley الذي كان بداية لحرب تجارية عولمية والتي يعتقد انها عمقت الكساد الكبير آنذاك. وقد صدر القانون لمساعدة المزارعين المثقلين بالمديونية بعد انخفاض اسعار الحاصلات الزراعية والاراضي، ثم توسع العمل بالقانون ليشمل آلاف السلع من قطاعات مختلفة. ولقد انخفضت مستوردات الولايات المتحدة بتطبيق القانون لكن الدول الأخرى ردت بإجراءات انتقامية ادت الى انخفاض صادرات الولايات المتحدة بنسبة 60 بالمائة.

وتمثل حرب الدواجن محطة مهمة في النزاعات التجارية مع الجماعة الاقتصادية الاوربية، لاحقا الاتحاد الاوربي، بعد رفع التعرفة الكمركية على مستورداتها من الدواجن عام 1962. وبعد فشل مفاوضاتها مع الاوربيين ردت الولايات المتحدة عام 1963 برفع التعرفة على مستورداتها من البطاطا وسلع اخرى والساحبات الصغيرة والتي بقيت الرسوم الكمركية عليها بنسبة 25 بالمائة الى الآن ما لم تخفّض او تعلّق في سياق اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية.

وعلى أثر النهوض الاقتصادي لليابان ونجاحها في صناعة السيارات اشتد التوتر التجاري بينها والولايات المتحدة خاصة مطلع الثمانينات. وبعد مفاوضات مكثفة، وتهديد الكونغرس باتخاذ إجراءات انتقامية، قدمت اليابان تنازلات منها الخفض الطوعي لصادراتها من السيارات والحديد وفتح اسواقها للصادرات الامريكية وإزالة العوائق امام عمل الشركات الامريكية في اليابان.

ومن الثمانينات حدثت خمس خصومات تجارية بين الولايات المتحدة وكندا حول الخشب لادعاء الولايات المتحدة ان الصادرات الكندية من الاخشاب معانة وانتقل الخلاف الى اروقة منظمة التجارة العالمية وهيئات التحكيم من لجنة اتفاقية التجارة الحرة لشمال امريكا NAFTA.

وفي عام 1989 ظهر نزاع تجاري للولايات المتحدة مع اوربا التي منعت استيراد اللحوم الأمريكية ذات النسبة المرتفعة من الهورمون في الاعلاف. وردت امريكا بإجراءات عقابية وعرض النزاع على منظمة التجارة العالمية عام 1996 وكانت النتيجة لصالح الولايات المتحدة، حيث اجازت منظمة التجارة العالمية للولايات المتحدة اتخاذ إجراءات مضادة انتقامية. وفي التسعينات ايضا ظهرت خصومة تجارية مع اوربا حول تجارة الموز واحيلت ايضا لمنظمة التجارة العالمية التي رجحت موقف الولايات المتحدة وفي عام 2001 اتفقوا على تسوية مرضية. وفي عام 2002 وبعد خسائر لحقت بصناعة الحديد الأمريكية فرضت حكومة بوش رسوم كمركية على مستوردات الحديد، وبعد الشكوى من الاطراف الدولية الاخرى في تجارة الحديد الى منظمة التجارة العالمية واعتراضها على الإجراءات الامريكية الغت حكومتها التدابير التي اتخذتها سابقا. وبين الولايات المتحدة واوربا استمر طويلا النزاع حول صناعة الطائرات المدنية، من عام 1992 والى اليوم، واتهامات متبادلة بتقديم الحكومات اعانات للصناعة تنتهك ضوابط التنافس وحرية التجارة، وايضا تداولته تحقيقات ومحادثات داخل اروقة منظمة التجارة العالمية.

العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين:

توسعت تجارة الصين مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1979، عندما باشرت التحول نحو اقتصاد السوق حتى اصبحت الدولة الأولى تصديرا الى الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة. والصين هي الحائز الأول لأوراق الخزانة الأمريكية 1.2 ترليون دولار في ابريل، نيسان، عام 2018، اضافة على 340 مليار دولار لوكالات تابعة للدولة وشركات خاصة. ولدى الصين استثمارات مباشرة في الولايات المتحدة، وللأخيرة رؤوس اموال في الصناعة الصينية. وكانت الصادرات السلعية الى الصين من امريكا 4.8 مليار دولار في عام 1990 اصبحت 130.4 مليار دولار عام 2017، بينما استوردت الولايات المتحدة للسنتين الآنفتين 15.2 مليار دولار و505.6 مليار دولار سلعا، وبذلك ارتفع العجز التجاري السلعي من 10.4 مليار دولار الى 375.2 مليار دولار للسنتين الآنفتين. ومثلما تحتاج الصين سوق الولايات المتحدة الأمريكية فان الأخيرة تنتفع من رخص السلع الصينية، التي اصبحت من عناصر الرفاه في المجتمع الأمريكي، رغم شكواها من ضخامة العجز التجاري الثنائي.

ولقد نمت صادرات الولايات المتحدة الى الصين سريعا لتصبح الشريك الثالث بعد كندا والمكسيك. وازدادت استيرادات الولايات المتحدة من الصين بنسبة 9.3 بالمائة عام 2017. واكبر المكونات في تلك المستوردات اجهزة الاتصالات والكومبيوتر، وتجهز الصين 37 بالمائة من مستوردات الولايات المتحدة عالية التقنية. ويستدل من هذه الوقائع بأن اسباب اقتصادية وتقنية قوية ناظمة للعلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة لا تستطيع السياسة تجاهلها.

وعلى الرغم من المكانة الرئيسة للصين في سلسلة الإنتاج الصناعي العالمي، لكن انتاجها يحتوي، بنسب عالية، اقياما مضافة متحققة في دول اخرى عبر المدخلات الانتاجية ومنها الولايات المتحدة الأمريكية. أي ان الإنتاج الصناعي الصيني على درجة عالية من التكامل في النظام الصناعي العالمي لكن تخصصها، حسب مرحلة التطور، لم يصل بعد الى التوسع المهيمن في الانشطة عالية القيمة المضافة. وعندما يصنف الإسهام الصناعي الصيني حسب سلسلة القيمة المضافة في العالم Value Added Chain فإنها ضمن المديات المتوسطة والنهايات الدنيا للأقيام المضافة، بينما الولايات المتحدة عند المستويات المتوسطة والنهايات العليا. ولقد اتخذت صناعات امريكية مثل شركة ابل Apple الصين موطنا للصناعة وتجهز مكوناتها، عدا القليل، من الولايات المتحدة الأمريكية وهي ذات القيمة المضافة العالية. وفي نفس الوقت تعتمد صناعات في الولايات المتحدة على مدخلات صينية رخيصة. بتعبير آخر إن انخفاض استيرادات الولايات المتحدة من الصين ايضا يطال انتاج صناعات امريكية وقيمها المضافة، من هذه الصلات تتضح وحدة النظام الإنتاجي في العالم وتشابك المصالح على نحو يحد من احتدام النزاعات ولا يسمح لها بتجاوز نطاق الاحتواء.

ويلاحظ ان الأهمية النسبية لمستوردات الولايات المتحدة الأمريكية من الصين وجيرانها، الطرف الباسيفيكي، وهي تقريبا 47 بالمائة لم تختلف بين عامي 1990 و2017 بل ان الشركات متعددة الجنسيات، في كثير من الحالات، نقلت الصناعات ذات التوجه التصديري من اليابان وتايوان وهونكونغ وغيرها نحو الصين. ويستنتج من البيانات ان المنطقة، بأكملها، كان نموها الصناعي مرتفعا مع تعاظم الثقل الصيني في اقتصادها ومجموع صادراتها واستقرار اهميتها في العلاقات الاقتصادية الدولية للولايات المتحدة الأمريكية. ويلاحظ ان الصين عام 2016 مثل اليابان عام 1990 بالنسبة للولايات المتحدة في التجارة الخارجية مع الاختلاف الجذري في الحجم المطلق لاستيرادات الولايات المتحدة الأمريكية. ويمكن القول ان اهتمام الولايات المتحدة في الابعاد الدولية لاقتصادها تبقى بين الأطلسي والباسيفيكي وجارتيها كندا والمكسيك.

رسميا ترى الولايات المتحدة الامريكية في علاقاتها التجارية مع الصين عيوبا تبخس الولايات المتحدة ومن اسبابها، في نظرهم، ان الاسواق الصينية لم تكتمل حريتها؛ وتقدم الصين اعانات ضخمة لصناعتها بوسائل مختلفة؛ وان عملتها الوطنية واطئة القيمة وكل هذه العوامل وغيرها تجعل اسعار صادراتها رخيصة. هذا فضلا عن الشكوى المستمرة من عدم التزام الصين بحقوق الملكية الفكرية، والتي اثارتها منذ تسعينات القرن الماضي. واتفقت الولايات المتحدة مع الاتحاد الأوربي على ضرورة اصلاح منظمة التجارة العالمية، حسب رأيهم، من اجل تجارة اكثر عدالة والمقصود بها الصين خاصة عندما يشار الى المؤسسات المملوكة للحكومة والتحويل القسري للتكنولوجيا والاسعار المنحرفة عن مستويات التوازن... وسواها.

في عام 2009 وعلى اثر النمو السريع لصادرات الاطارات الصينية الى الولايات المتحدة الامريكية و الضرر الذي اصاب الصناعة الامريكية للإطارات رفعت الادارة الامريكية الرسوم الكمركية على استيراد الاطارات من الصين لمدة ثلاث سنوات، واشتكت الصين في منظمة التجارة العالمية لكن فريق تسوية الخلاف وجد ان الإجراءات الأمريكية متسقة مع التزاماتها تجاه المنظمة، بالمقابل ايضا ردت الصين بتدابير تقلل استيراد السيارات الأمريكية.

وفي تموز، يوليو، 2018 رفعت الولايات المتحددة الرسوم الكمركية بنسبة 25 بالمائة على مستوردات من الصين تقدر بحوالي 34 مليار دولار ونسبة الرسم الكمركي عالية. وهددت الصين بإمكانية اتخاذها إجراءات انتقامية، لكن السلطات التجارية الأمريكية ردت بانها قد ترفع الرسوم الكمركية بنسبة 10 بالمائة على مستوردات من الصين بمبلغ 200 مليار دولار. وفي آذار، مارت، صرح الرئيس الأمريكي انه بصدد رفع الرسوم الكمركية على مستوردات الحديد والالمنيوم، وكان الرد الصيني رمزيا بان رفعت الرسوم الكمركية على مستوردات من امريكا بقيمة 3 مليار دولار.

ويظهر ان الصين لا تريد التصعيد وتحاول تفادي الحرب التجارية، لأن سوق الولايات المتحدة رئيسي لها والتصدير داينمو الصعود الصيني.

ضغوط الولايات المتحدة والحوار الاقتصادي حول قضايا رئيسية:

الفائض التجاري الصيني: تدافع الصين بان فائض الميزان التجاري يرتبط وثيقا بعملية التصنيع ومرحلة التطور: فقد حققت الولايات المتحدة فائضا تجاريا في 93 سنة من 97 سنة بين 1870 و 1970؛ والمانيا كان ميزانها التجاري فائضا، على الأغلب، خلال مرحلة التصنيع بين عامي 1874 و 1970 في 84 سنة من 137 سنة؛ واليابان لثلاثين سنة متصلة بين 1981 و 2010. وانتقل الميزان التجاري الصيني الى فائض دائم نتيجة للمسار الجديد في التصنيع. والأكثر موضوعية القول ان الصين اختارت استراتيجية النمو المقاد بالصادرات الصناعية. وان الصادرات، او القدرة التنافسية الدولية العالية، لها دور رئيسي في عملية التصنيع والنمو الذي يرتكز عليها.

وترى الدوائر الصينية ان البيانات الأمريكية تبالغ في العجز التجاري الأمريكي مع الصين فهو 254 مليار دولار وليس 366 مليار دولار عام 2016 وتعود تلك المبالغة الى النظام الاحصائي للتجارة الخارجية وعدم التمييز بين التصدير واعادة التصدير. وابضا تشير الصين الى عجز ميزان التجارة بالخدمات مع الولايات المتحدة الامريكية لصالح الاخيرة بحوالي 56 مليار دولار. وتدافع الصين بان نسبة العجز التجاري في انخفاض، وان صادرات الولايات المتحدة الى الصين تنمو بثلاثة امثال مجموع نمو الصادرات الامريكية، ومن جهة اخرى تنمو صادرات الصين الى الولايات المتحدة بضعف معدل نمو مجموع صادراتها، والنتيجة ازدياد الاعتماد المتبادل بين اقتصاد الدولتين مع الميل نحو التوازن في الامد البعيد. ويتركز الفائض الصيني في المنتجات كثيفة العمل بينما في السلع كثيفة راس المال وعالية التكنولوجيا والزراعة والخدمات تكون امريكا اكثر قدرة على التنافس وتحقق فوائضا في هذه المجموعات السلعية.

وتبين الدوائر الصينية ان 59 بالمائة من فائض الميزان التجاري يأتي من عمل الشركات متعددة الجنسيات، فهي العولمة في طورها الجديد وانتفعت الصين منها لتسريع عملية اللحاق مع تحمل اعبائها الاجتماعية والانسانية. اما انخفاض فرص العمل في الصناعة الامريكية قلا ينكر ان بعضه يعزى للفائض التجاري الصيني، لكن العوامل التكنولوجية وخصائص مرحلة الاقتصاد الامريكي لها دورها ايضا. كما ان استيراد الولايات المتحدة من الصين ساعد على ابقاء التضخم بمستويات منخفضة وايضا جهز الصناعة الامريكية بمدخلات واطئة الكلفة.

وتصرح الصين بان ذهنية الولايات المتحدة في العلاقات الدولية لا زالت لا تستطيع مغادرة الحرب الباردة وهي تقيّد صادراتها نحو الصين من المنتجات ذات التقنيات العالية في حين تحاول الصين زيادة مستورداتها من امريكا. وفي الواقع ان تشابك الاقتصاد الامريكي مع الصين اشمل وأعمق مما تظهره بيانات التجارة الخارجية.

سعر الصرف: تشتكي الولايات المتحدة من سيطرة الحكومة الصينية على سعر الصرف، اليوان الصيني RMB بدعوى انها لا تسمح له بالارتفاع تجاه العملات الاخرى لخفض الفائض في الميزان الخارجي. بينما توضح الصين بانها تعمل لتحسين نظام سعر الصرف لديها على اساس السوق واعتمدت التعويم المدار تجاه سلة من العملات. وان سعر الصرف الاسمي والحقيقي لعملتها قد ارتفع تجاه العملات الاخرى والدولار بعد عام 2005. وهي لا تقصد من تدخلها في سوق الصرف كبح ارتفاع قيمة عملتها بل لتحاشي اضطراب محتمل في التدفقات المالية ومن اجل الاستقرار الذي ساعد الاقتصاد العالمي بعد الازمة الأخيرة. وتستدل على ذلك بانخفاض احتياطياتها الدولية في تدخلات واسعة خلال السنوات الاخيرة لتحاشي انخفاض قيمة عملتها. وتبين انها غادرات تماما سياسة الخفض التنافسي للعملة. وتستند في دفاعها على تقييم صندوق النقد الدولي الذي يفيد انسجام حركة سعر الصرف مع الأساسيات الاقتصادية Fundamentals رغم بقاء الفائض كبيرا في ميزانها التجاري. وتبقى اسعار المنتجات الصينية تنافسية لمدة طويلة حتى مع استمرار سعر الصرف الصيني بالارتفاع، في نطاق المعدلات التي اظهرتها البيانات في السنوات ما بعد عام 2005 وذلك لأن الأجور والتكاليف المحلية منخفضة كثيرا مقارنة بالدول المتقدمة واغلب الدول الناشئة، أي ان المسالة متعلقة بالوضع الابتدائي، لكن السياسة الاقتصادية في الصين تعي مسارات التطور وتعرف ان هذه الميزة في طريقها الى التراجع ما لم تتحسن تكنولوجيا وتنظيم الانتاج تدريجيا كي تعوض ارتفاع الاجور وارتفاع قيمة عملتها.

الطاقات الانتاجية الفائضة: ترى الولايات المتحدة ان السياسة الصينية تحبس الطلب الكلي عند مستويات منخفضة لتصدير الطاقة الفائضة الى الخارج. وتوضح الصين بانها توسعت في الأنفاق الاستهلاكي والاستثماري العام لرفع الطلب المحلي وتقليص فائض الطاقة الانتاجية، وهي مستمرة بهذه السياسة خاصة في صناعات الحديد والتعدين.

صناعة الحديد والفولاذ من المرتكزات المهمة في الصناعة الامريكية وقواها العاملة قوة سياسية لا يستهان بها ولذلك تهتم الحكومة بإغلاق شركات الفولاذ وبطالة ذوي الياقات الزرقاء. وقد ابدت الصين تفهما لهذه المشكلة، وفي نفس الوقت تشير الى ان فائض الطاقة الانتاجية في هذه الصناعات موجود على مستوى العالم ونشا منذ الازمة الاخيرة على اثر انخفاض الطلب. وان التقدم التقني الامريكي من عوامل تراجع الطلب على القوى العاملة ويضيف الى المشكلة. وربما ثمة سبب آخر وهو ان النهضة الصناعية في الدول النامية تبدأ بهذه الصناعات في حين تنخفض مرونة الطلب الداخلية عليها لصالح الالكترونيات ومنتجات اخرى لم تصل اسواقها الى الإشباع. وتشرح الصين موقفها من هذه المسألة بان صناعة الحديد والفولاذ في بلادها من اجل الطلب المحلي اساسا في حين ترى الحكومة الأمريكية ان دعم الحكومة الصينية لهذه الصناعات من اسباب فائض الطاقة الانتاجية.

وقد استجابت الصين وخفّضت طاقاتها الأنتاجية في الحديد والفولاذ بمقدار 90 مليون طن بين عامي 2011 و2015، واعلنت عن خطط تخفيض اضافية بعشرات ملايين الاطنان، وربما تنسجم سياسة الصين هذه مع حاجتها للسيطرة على التلوث فضلا عن ارضائها للمطالب الأمريكية. وسوف تواجه الدول مشاكل فائض الطاقة الانتاجية في كثير من الصناعات وتكون من اسباب النزاعات التجارية، مع تزايد الانفتاح ووحدة اقتصاد العالم واختلاف مراحل التطور والتكاليف والسياسات الحكومية. وذلك لأن دخول العالم النامي مرحلة التصنيع امر لا محيص عنه، كما ان آليات التنسيق العالمي لازالت محدودة الأثر لأنها تتعارض مع حرص الدول على استقلالها وسيادتها، وفي نفس الوقت بقاء عنصر الهيمنة قويا في نظام العالم.

القيود على الاستثمار الأجنبي: تطالب الولايات المتحدة الصين بتخفيف القيود على الاستثمار الأجنبي في المصارف واسواق الاوراق المالية والتأمين وغيرها. وترى الصين ان مستوى الانفتاح تعينه الشروط الوطنية وهو وثيق الصلة بالنظام السياسي والاقتصادي ومستوى التطور والضوابط التنظيمية للاقتصاد. وتذكّر بمنع الولايات المتحدة الاستثمار الاجنبي في صناعة السفن وخدمات اطلاق الاقمار الصناعية التجارية. لكن في الواقع استجابت الصين وسهّلت دخول الاستثمار الاجنبي الى انشطة جديدة ومنها الاتصالات والسيارات والبطاريات ومحطات الوقود والخدمات وقطاع التعدين واقامت 11 منطقة حرة ريادية.

البعد الآخر في التنافس الأمريكي – الصيني:

تعود البدايات المبكرة للعلاقات بين الصين والولايات المتحدة الى ما قبل الثورة الأمريكية وتطورت في القرن التاسع عشر، ووقفت الولايات المتحدة الى جانب الصين في مناسبات عدة في النصف الاول من القرن العشرين. لكن العلاقة تحولت الى عداء بين عامي 1949 و1971 بعد انتصار الشيوعيين في الحرب الأهلية وسيطرتهم على الحكم. ولقد كانت الصين في الجبهة المضادة للولايات المتحدة في الحرب الكورية وحرب فيتنام، ووقفت الولايات المتحدة مع تايوان في ثلاث مواجهات اخرها عام 1996. واعترفت الولايات المتحدة الامريكية رسميا بالصين عام 1979 والصين الواحدة بمعنى نزع صفة الدولة عن تايوان رغم بقاء العلاقات قوية بين تايوان والولايات المتحددة بما فيها التسليح.

تمكنت الصين من بناء قوة عسكرية حديثة وذات قدرة فائقة في اقليمها، لكن إمكانية قيامها بعمليات عسكرية بعيدا عن محيطها القريب لا زالت محدودة بيد انها متنامية. وتلك مسألة مركزية في التخطيط العسكري والاساس الصناعي للقوة العسكرية والسياسة الخارجية الامريكية.

ولقد طورت الصين، في ربع القرن الماضي، منظومتها الدفاعية من الارتكاز على المشاة والتكنولوجيا الواطئة الى البحرية والقوة الجوية والصاروخية والتكنولوجيا العالية والتأكيد على النوعية دون الكم. لقد ادركت الصين اهمية التكنولوجية المتقدمة في القوة الدفاعية من دراستها لمجريات حرب عام 1991 على العراق، واستفزاز الولايات المتحدة لها في ازمة خليج تايوان، 1995-1996، بحاملات الطائرات وسلاحها الجوي المتقدم. وتوسعت الصين في السنوات الاخيرة في الانفاق على البحث والتطوير R&D وربما ستقارب الولايات المتحدة، في الأنفاق، بعد مدة قصيرة، ما يفيد اهتمامها بنتاج المعرفة التقنية الجديدة والدور القيادي العالمي في هذا المجال، ومن المتوقع ان لهذا التوجه دوافع عسكرية.

وقد تكون اهتمامات الولايات المتحدة بتطور القدرات العسكرية الصينية من عوامل القلق الذي يساورها من تقدمها الاقتصادي السريع وتفوقها التجاري العالمي. ولا زال فارق القوة كبيرا بما لا يسمح للصين منافسة الولايات المتحدة عسكريا على صعيد عالمي، لكن الأخيرة لا تريد الإقرار باليد العليا للصين في البحار المطلة عليها والنطاق الاقليمي في شرق آسيا. ويبقى هذا التباين الاستراتيجي، بين تمسك الولايات المتحدة بالهيمنة العالمية وتوجه الصين، الدولة الكبرى الصاعدة، لانتزاع المبادرة في اقليمها، مصدرا للتوتر فضلا عن تطلع الصين لاستعادة تايوان.

في السلاح النووي التزمت الصين بالامتناع عن الضربة الاولى وفي حالة تعرضها لهجمة نووية يكون ردها محدودا، وقد أسهم هذا التعهد بتلطيف سياسة امريكا تجاه الصين فضلا عن امتناع الاخيرة عن تكوين احلاف عسكرية. ومن جهة اخرى يفهم ان الصين اعتمدت الاستراتيجية الدفاعية لكنها قد تقوم بعمليات هجومية لخدمة اهداف دفاعية في أصلها. ولذا لا تستبعد الولايات المتحدة لجوء الصين الى القوة العسكرية للرد على سياسات تلحق اضرارا بمصالحها وكيانها. ويستنتج من ذلك ان الولايات المتحدة لا تذهب بعيدا في حربها التجارية ضد الصين.

وإن تحاشت الصين الاحلاف العسكرية في سياساتها الخارجية لكنها حافظت على صفة المعارضة للهيمنة الأمريكية الشاملة والقطبية الأحادية. ولا تخفي تطلعها نحو نظام جديد للسياسة في العالم، وتتعاون مع روسيا الاتحادية في مجلس الأمن، ودول اخرى معارضة او مناهضة للمنهج الأمريكي في السياسة الدولية، ونشطة ضمن مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون وهي رابطة اوراسية ذات اهتمامات سياسية وامنية فضلا عن التعاون الاقتصادي. لكنها تتجنب المواجهات الحادة وتتراجع قبل الوصول الى حافة الأزمة. وتبقى الصين تمثل امكانيات المستقبل في نظام يقوم على شراكة القوى الكبرى في حفظ الأمن العالمي واستقلال الدول بديلا عن الهيمنة الأحادية أو الأقطاب.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0