إسلاميات - عقائد

ابرز الادلة على وجود الله الخالق: الضبط والتوازن في الكون

صورة ثالثة من برهان النظام
بقلم: الشيخ جعفر الهادي-مقتبس من كتاب الله خالق الكون

ان من مظاهر النظام السائد في الكون هو ذلك «التوازن» القائم بين أشياء الطبيعة، و«الضبط» المتحكم في مقاديرها ومقاييسها.

فالناظر الى عالم الطبيعة يرى بوضوح توازناً دقيقاً ومحسوباً بين الاشياء والاحياء كما يرى ان كل شيء قد قدر تقديراً دقيقاً، فمقاییس ثابتة، ومقادير متناسبة للحياة، ونسب مئوية معينة لدرجة أن أبسط تغيير في هذه النسب يمكن أن يغير وجه الطبيعة ويجعلها غير مناسبة لاستمرار الحياة والاحياء.

انه يرى تبادل الحاجات بين الكائنات في هذه الطبيعة حتى كأن الكون عائلة واحدة يكمل كل عضو فيه العضو الاخر، ويعطيه ما يريد، ويأخذ منه ما يحتاج ويمنع أحدهما الآخر من تجاوز حدوده، كما تفعل أعضاء العائلة الواحدة.

ان هذا التوازن والضبط لمن أوضح الأدلة على أن هناك مبدعاً، قادراً، خبيراً، وان هناك خالقاً مدبراً عالماً هو الذي أوجد هذا النظام، وأوجد هذه القوانين المتمثلة في هذا التوازن المحكم والانضباط العظيم في عالم الكائنات.

ولأجل أن تتبين ملامح هذا النمط من برهان النظام نأتي بالأمثلة التالية:

1 ـ ان حياة كل نبات ـ كما هو معروف ـ تعتمد على المقادير التي تكاد تكون متناهية في الصغر من ثاني اوكسيد الكاربون الموجودة في الهواء، وأوراق الشجر هي في الحقيقة كالرئات الموجودة في الانسان، لها القدرة في ضوء الشمس على تجزئة ثاني اوكسيد الكربون الى كاربون واوكسيجين، ثم يحتفظ النبات بالكاربون ليصنع منه ومن غيره من المواد الفواكه والثمار والازهار ويلفظ الأوكسجين الذي نتنسمه والذي بدونه تنتهي الحياة بعد خمس دقائق.

ان جميع النباتات والغابات وكل قطعة من الطحلب، وكل ما يتعلق بحياة الزرع تبني تكوينها من الكاربون والماء على الأخص، والحيوانات تلفظ ثاني اوكسيد الكاربون بينما تلفظ النبات الأوكسيجين.

ولو ان الحيوانات لم تقم بوظيفتها من دفع ثاني اوكسيد الكاربون، أو لم تلفظ النبات الأوكسيجين، أو متى انقلب التوازن تماماً لاستنفذت الحياة الحيوانية، أو النباتية كل اوكسيجين أو كل ثاني اوكسيد الكربون، وذوي النبات ومات الانسان وقد اكتشف أخيراً أن وجود ثاني اوكسيد الكاربون بمقادير صغيرة هو أيضاً ضروري لمعظم حياة الحيوان كما اكتشف أن النباتات تستخدم بعض الأوكسيجين.

فمن ذا الذي أقام مثل هذه العلاقة بين النبات والحيوان وأوجد هذا النظام التبادلي بين هذين العالمين المتباینین؟ ألا يدل ذلك على وجود فاعل مدبر وراء ظواهر الطبيعة هو الذي أقام مثل هذا التوازن؟

2 ـ منذ سنوات عديدة زرع نوع من الصبار في استراليا كسياج وقائي ولكن هذا الزرع مضى في سبيله حتى غطى مساحة تقرب من مساحة انجلترا وزاحم أهالي المدن والقرى، وأتلف مزارعهم وحال دون الزراعة ولم يجد الأهالي وسيلة لصده عن الانتشار وصارت استراليا في خطر من اكتساحها بجيش من الزرع صامت، يتقدم في سبيله دون عائق!!.

وطاف علماء الحشرات بنواحي العالم حتى وجدوا أخيراً حشرة لا تعيش الا على ذلك الصبار، ولا تتغذى بغيره وهي سريعة الانتشار وليس لها عدو يعوقها في استراليا، وما لبثت هذه الحشرة حتى تغلبت على الصبار ثم تراجعت ولم يبق فيها سوى بقية قليلة للوقاية تكفي لصد الصبار عن الانتشار الى الابد (1).

فكيف عرفت هذه الحشرة أن تقضي على الزائد من الصبار وتكف عن الباقي لتحفظ أشجار الصبار على توازنها فلا تطغى على الأشياء الأخرى؟ ألا يكشف هذه التوازن والضبط عن خالق مدبر حكيم؟.

٣ ـ كانت الأسفار الطويلة دون غذاء كاف تؤدي الى الاصابة بمرض الاسقربوط (وهو من أمراض سوء التغذية وينشأ عن نقص فيتامين ج) وقد وجد ان عصير الليمون هو خير علاج له، وكان ملاحو السفن الكبيرة في العهود الماضية يسمون بعاصري الليمون وكان أولئك الملاحون القدامى لا يعرفون سبب الاسقربوط وانما اكتشف هذا الدواء البسيط رحالة حين كان ملاحوه يموتون في «مدغشقر» ولكن مضي قرن من الزمان أو أكثر حتى عرفت الصلة الوثيقة بين فواكه الموالح وانقطاع مرض الاسقربوط، وزال هذا المرض الفتاك من أعالي البحار، وانقضى كذلك قرن آخر أو أكثر ليدرك الانسان قيمة الفيتامينات في فواكه الموالح ولكنه لم يكن يعلم وقتئذ ما تحتويه هذه الفاكهة. ترى من أين نشأت هذه العلاقة بين هذه الفواكه وهذا المرض، ألا يدل ذلك على أن خالق الداء خلق الدواء المناسب له ولولا هذا التوازن لعمت الكارثة، وانعدم النوع الانساني وغاب كلية عن وجه البسيطة؟.

4 ـ عندما نزل المهاجرون الاولون استراليا لم يكن هناك من الثدييات المشيمية الا حيوان «الدنجو» وهو كلب بري ولما كان هؤلاء المهاجرون قد نزحوا من اوربا فقد تذكروا ما كان يهيئه لهم صيد الارانب من فرصة طيبة لممارسة الصيد والرياضة، ولذلك استوردوا في عام (158۹ م) اثني عشر زوجاً من الأرانب وأطلقوها هناك، ولم يكن لهذه الأرانب أعداء طبيعيون في استراليا ولذلك فقد تكاثرت بصورة مذهلة وزاد عددها زيادة كبيرة فوق ما كان ينتظر وكانت النتيجة سيئة للغاية، فقد أحدثت الارانب أضراراً بالغة بتلك البلاد حيث قضت على الحشائش والمراعي التي ترعاها الأغنام، وقد بذلت محاولات عديدة للسيطرة على الارانب وبنيت أسوار عبر القارة بلغ امتدادها (7۰۰ میل) ومع ذلك ثبت عدم فائدتها، فقد استطاعت الارانب أن تتخطاها.

ثم استخدم نوع من الطعم السام ولكن هذه المحاولة باءت هي الاخرى بالفشل، ولم يمكن الوصول الى حل هذه المشكلة الا في السنوات الأخيرة وكان ذلك باستخدام فيروس خاص يسبب مرضاً قتالا لهذه الأرانب هو مرض الحرض المخاطي، قد أدى الى هلاك قسم كبير من الأرانب وانخفاض عددها وتحولت مناطق البراري القاحلة والجبال المقفرة التي بقيت مجدبة عشرات السنين الى مروج خضراء يانعة وزاد ـ على أثر ذلك ـ انتاج الاغنام والمواشي (2).

هل هذا التوازن الدقيق المحسوب في مظاهر الطبيعة والذي يؤدي أي تخلخل فيه الى أضرار بالغة الا دليل قاطع على وجود الخالق الخبير والاله المدبر وراء الطبيعة؟.

هل من السهل على عقولنا أن نتصور أن كل هذا التوافق العجيب قد تم بمحض المصادفة في حين انه نتيجة توجيه محكم يحتاج إلى قدرة وتدبير؟.

5 ـ ان الحشرات ليست لها رثتان كما للإنسان ولكنها تتنفس عن طريق أنابيب وحين تنمو الحشرات وتكبر لا تقدر تلك الأنابيب أن تجاريها في نسبة تزايد حجمها ولهذا لم توجد قط حشرة أطول من بضع بوصات ولم يطل جناح حشرة الا قليلا.

وبفضل جهاز تكوين الحشرات وطريقة تنفسها لم يكن في الامكان وجود حشرة ضخمة وهذا الحد من نمو الحشرات قد كبح جماحها كلها ومنعها من السيطرة على العالم ولولا وجود هذا الضابط الطبيعي لما أمكن وجود الانسان على ظهر الأرض.

ولنتصور انساناً يلاقي «زنبوراً» يضاهي الاسد في ضخامته، أو «عنكبوتاً» في مثل هذا الحجم، ماذا كان يحدث له، وخاصة اذا أخذ بنظر الاعتبار الكمية الهائلة المتزايدة من الحشرات (3)؟؟.

٦ ـ الماء هو المادة الوحيدة المعروفة التي تقل كثافتها عندما تتجمد ولهذه الخاصية أهميتها الكبيرة بالنسبة للحياة اذ بسببها يطفو الجليد على سطح الماء عندما يشتد البرد بدلا من أن يغوص الى قاع المحيطات والبحيرات والانهار ويكون تدريجياً كتلة صلبة لا سبيل الى اخراجها واذابتها ويكون الجليد الذي يطفو على سطح البحر طبقة عازلة تحفظ الماء الذي تحتها في درجة حرارة فوق درجة التجمد، وبذلك تبقى الأسماك وغيرها من الحيوانات المائية حية وعندما يأتي الربيع بذوب الجليد بسرعة.

وللماء خاصية اخرى فمن خواصه توتر سطحي مرتفع يساعد على نمو النبات بما ينقله اليه من المواد الغذائية التي في التربة.

والماء أكثر السوائل المعروفة اذابة لغيره من الاجسام وهو بذلك يلعب دوراً كبيراً في العمليات الحيوية داخل أجسامنا.

كما أن له خاصية اخرى وهي ان الانسان يتوقع من وزنه الجزيئي (18) أن يكون غازياً تحت درجة الحرارة المعتادة والضغط المعتاد، فالنوشادر مثلا وزنها الجزيئي (17) تكون غازية عند درجة حرارة ناقص (73) وتحت الضغط الجوي المعتاد، وكبریتور الايدروجين الذي يعتبر قريباً في خواصه من الماء بحكم وضعه في الجدول الدوري وله وزن جزيئي قدره (34) يكون غازياً عند درجة حرارة ناقص (5۹) درجة.

ولو لم يقاوم الماء اتجاه تغییرات حرارة الارض ولو لم تساعد سيولته على بقاء درجة الحرارة فوق سطح الأرض لتضاءلت صلاحية الأرض للحياة الى درجة كبيرة (4).

فهل يمكن اعزاء كل هذا الضبط والدقة في المقاييس والنسب الى فعل المادة الصماء العمياء البكاء والحال انه يكشف عن تدبير وحساب ويحكي عن نظام متقن وعظيم ويدل على ان وراء كل ذلك خالق حكيم هو الذي اوجد هذا التوازن المدهش والضبط الدقيق.

اجل ان ذلك التوازن وهذا الضبط يشهدان بدخالة الشعور والحكمة والعقل في ادارة هذا العالم وتدبيره وتسييره وهي أمور لا تتوفر في الصدفة بل تتوفر في قوة عليا شاعرة هادفة تدرك مصلحة الكون واحتياجات الحياة ادراكا كاملا وشاملا فتخضع الكون لمثل هذه الضوابط والعلاقات.

هداية النصوص:

ثم ان هناك آیات واحادیث یمكن ان تكون اشارة الى هذا الضبط والتوازن كقوله سبحانه:

1 ـ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ (الاعلى 2 ـ 3).

2 ـ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر ـ 49).

٣ ـ ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ (الرحمان ـ 7).

وكالذي جاء في ما املاه الامام جعفر الصادق (عليه السلام) على تلميذه المفضل بن عمر اذ قال:

«یا مفضل اول العبر والأدلة على الباري جل قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف اجزائه ونظمها على ما هي عليه، فانك اذا تأملت بفكرك وخبرته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما یحتاج اليه عباده، فالسماء مرفوعة كالسقف، والارض ممدودة كالبساط، والنجوم مضيئة كالمصابيح والجواهر مخزونة كالذخائر، وكل شيء فيه لشأنه معد، والانسان كالمملك ذلك البيت والمخول جميع ما فيه، وضروب النبات مهيأة لمآربه وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه، ففي هذا دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملائمة وان الخالق له واحد، وهو الذي الفه ونظمه بعضا الى بعض، جل قدسه وتعالى جده» (5).

.......................................
(1) العلم يدعو للايمان ص 15۹.
(2) الله يتجلى في عصر العلم ص 49.
(3) العلم يدعو للايمان ص 161.
(4) الله يتجلى في عصر العلم ص 44.
(5) توحيد المفضل ص 47 وبحار الانوار ج 1 ص 62 للعلامة المجلسي.

اضف تعليق