إسلاميات - عقائد

أين نجد الأوثان الجديدة؟!

تصور العرب في مكة والمدينة أنه بتحطم آخر صنم داخل وحول الكعبة، وفي البيوت بعد فتح مكة، وتحول المشركين الى مسلمين، إن الأوثان ذهبت دون رجعة، كما أن مفهوم الشرك بالله –تعالى- غاب هو الآخر عن السلوك الانساني، كما لم يعد هنالك من يمارس الكفر بالله وبآياته، بعد تلفظ الجميع شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم وقوفهم للصلاة خلف رسول الله في صفوف حاشدة بينهم شخصٌ مثل ابو سفيان، وابنه معاوية، الى جانب شخصيات مثل عمار بن ياسر، وأبو ذر الغفاري وسلمان المحمدي.

الشرك، والكفر ليسا موقفان يغيرهما الانسان بسهولة، لان القضية تتعلق بمنهج التفكير ونمط السلوك، فاذا حصل التغيير في هذه القاعدة كان بالامكان الاطمئنان من عدم وجود الشرك والكفر ايضاً في حياتنا، ولذا فان العلماء بحثوا في هذه المسألة وخرجوا بالتأكيد على حقيقة استمرار وجود الشرك والكفر ايضاً في حياة المسلمين، ليس اليوم، او قبل سنين، او عقود، بل يعود الأمر الى بدايات تشكّل المجتمع الاسلامي.

سماحة آية الله السيد مرتضى الشيرازي في كتابه "بحوث في العقيدة والسلوك"، يسلّط الضوء على وجود هذه المعضلة العقدية، مبيناً أن الشرك بالله، والكفر به –تعالى- وإن اختفيا بشكلهما الظاهري بعد فتح مكة، وتساقط الأوثان التي كانت تعبد من دون الله الواحد الأحد، بيد أن اليوم يظهران لنا بأشكال وحالات جديدة.

لماذا التكفير سهل و"التشريك" صعب؟

الكُفر في اللغة هو مصدر لكَفَرَ، "كفر الشيء، غطاه، سَترهُ، وعندما يكون هذا الفعل باتجاه الخالق، و رب السموات والارض، فانه يدلّ على إنكار وجود الله، وايضاً إنكار النبوة والرسالة، أما الشرك، فانه لا يتطلب إنكار وجود الخالق، بل حتى يُقر صاحبه احياناً بوجود النبي والرسالة، بيد أنه يعارض التوحيد، والايمان بالنبوة والرسالة السماوية كمصدر وحيد للتشريع، ويحاول الاحتفاظ بآلهات أخرى الى جانب الأله الواحد الأحد، وقد عرّف القرآن الكريم في آيات عدّة معنى الكفر، وايضاً معنى الشرك بألفاظ متعددة، ومصاديقهما في الحياة، فكما أن الكفر كان يعني في أول الاسلام نفي الإله، ورسالاته، فانه أعطى مدلولات أخرى مع مرور الزمن، على ما يمثل الإله من عطاء، ونعم، {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}. أما الآية الكريمة من سورة الأنعام فانها تعبر عن الشرك المستحدث عندما يأتي الخطاب الإلهي يوم القيامة: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}؟!

ولأن الكفر جحود عملي وسلوكي فقد اختلف العلماء في معنى الكفر، و من يكون الكافر، فقال البعض: إن الكافر هو من يترك أي فريضة من الفرائض الإلهية، مثل الصلاة، او الصوم، أو الحج، فيما قال البعض الآخر؛ بل هو الجحود اللفظي والعلني لوجود الله –تعالى-، فمن أعلن عدم ايمانه بالله فهو كافر، ومن لم يعلن فهو مسلم، سواء وافق قوله فعله او لا، وقد امتد حديث العلماء والفقهاء من صدر الاسلام وحتى اليوم حول مفهوم الكفر، كونها تتعلق بالسلوك والثقافة المتأثرة بالمواقف من الاشياء، وهو ما سهّل عمل الجماعات الدينية المتطرفة في بعض البلاد الاسلامية بتمرير افكارها عندما راحت تكفّر بسهولة؛ الشعوب والحكام، وكل من يقوم بعمل تعده مخالفاً للشريعة ومن ثم يكون كافراً بالله –تعالى- وفي ضوء هذه النظرية وقعت المجازر المريعة، وأزهقت أرواح عشرات الآلاف من المسلمين.

بالمقابل لا نحد بحوثاً و احاديث حول كيف يكون الانسان المسلم مشركاً لانهم ربطوا مفهوم الشرك، بالأوثان التي حطمها آخر مرة رسول الله في مكة، وبعد ذلك لا يوجد شيء يطلق عليه شرك في البلاد الاسلامية.

حديث سلسلة الذهب في مواجهة الشرك الخفي

كان للإمام الرضا، عليه السلام، رسالة عظيمة في اختيار الحديث المعروف بـ"حديث سلسلة الذهب" عندما منه أهالي نيشابور وهو في طريقه الى خراسان، حديثاً يرويه لهم يستفيدون منه، فقال: "كلمة لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي"، وفي مصادر الحديث، أن الإمام ألحق بها جملة: "بشرطها وشروطها، وأنا من شروطها"، بمعنى إحكام الربط بين التوحيد والولاية، و وجوب الإيمان بهما معاً.

ففي ذلك الزمان، حيث كانت العقائد والافكار محوراً لتجاذبات وصراعات مريرة في الامة، طرح الإمام الرضا كلمته، وهي كلمة الاسلام، وكلمة السماء، وهي نفي أي إله أو شريك مع الله في الحياة.

فبعد مرور قرنين من الزمن، أي مائتي عام على الهجرة النبوية وتشكيل المجتمع الاسلامي، وانتشار الدعوة الى التوحيد –تاريخ وجود الامام الرضا في خراسان سنة200للهجرة- كان الشرك ممارسة قائمة على قدم وساق وبشكل غير مرئي ولا محسوس، بينما كان التكفير سلاح جاهز بيد اصحاب المزاجات والرؤى الخاصة مثل الخوارج الذين كفروا أمير المؤمنين، بينما هم كانوا يمارسون الشرك بالله في كوامنهم بإشراك معايير خاصة بهم، وتصورات وقناعات الى جانب كلام الله في القرآن الكريم الذي يدعو الى التمسك بسيرة النبي والولاية لعلي بين أبي طالب.

هذه الحالة النفسية النازعة للتمرد هي التي قدحت في الاذهان فكرة "الحلول الوسط" علّها تصون الاسلام المزيف من تهمة الازدواجية في المعايير، فهي "تقبل أن هناك مرسلاً هو الله سبحانه وتعالى، وهناك رسول، وهناك رسالة، لكنها تقول بالحلول الوسط، فنقول بالشرك، أنت موجود، وأنا موجود؛ كلامك حقٌ، وكلامي حق، فتعال قَسم لي، وقسم لك وألله خير الرازقين"!

ويبين سماحة آية الله السيد مرتضى الشيرازي خَطِل هذه الفكرة من خلال استشهاده بآيتين كريمتين متتاليتين من سورة التوبة، وهما تكشفان بشكل رائع هوية الكافر، في الآية الاولى، وفي الآية الثانية هوية المشرك: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}، فبعد تحديد هوية الكافر المنكر والمعارض لأصل النور الإلهي، و وجود الله –تعالى- تأتي الآية الثانية لتكشف معنى الشرك، وهوية الانسان المشرك، وسماحة السيد الشيرازي يسلط الضوء على ما يبحث عنه المشركون الجدد من تبعيض في الدين ليحتفظوا باسلامهم الخاص بهم، فالآية الثانية غاية في الدقة في "الحديث حول كل الدين، وليس الحديث حول أن لك بعض الدين، وبعض الحيّز والصلاحية، فقسمٌ لي وقسم لك، كلا؛ لا يحق لك أن تأخذ بعض الحق وبعض الباطل فتمزجهن وتقول بـ "جمع الكلمة"، أو "الحل الوسط"، فإلهك موجود، صحيح هذا، لكن ايضاً المسيح ابن الله –تعالى-!"

لكن كيف نتحسس وجود هذه الأوثان غير المرئية في حياتنا مع وجود الظاهر الاسلامي، بل حتى المظاهر الايمانية والولائية لأهل البيت، عليهم السلام، ومظاهر التقوى والورع في المجتمع؟

سماحة السيد يحدد في مؤلفه القيّم مجموعتين كمثال، او مصداق "للشرك في المنهج" الذي حلّ محل "الشرك في المبدأ"، وهي تلك الأوثان الهاوية منذ اكثر من اربعة عشر قرناً، المجموعة الاولى: في الجانب الاجتماعي، ويأتي سماحته بأمثلة بارزة من صميم الواقع، ومن ظواهر اجتماعية خاطئة، منها؛ تحديد النسل، وكيف أن "الانسان المشرك يقول أنه يعرف –اكثر من الله تعالى-! أن تحديد النسل له فوائده، وانه أهم ما ينجم عنه من أضرار"، والمثال الآخر؛ العزوف عن الزواج المبكّر، بل التصدّي له بقوة من لدن جهات ومؤسسات تتضافر جهودها وتتخندق لمواجهة سنّة نبوية وقانون سماوي يخدم البشرية، وجاء في الحديث عن الامام الصادق، عليه السلام: "من سعادة المرء أن لا تطمث ابنته في بيته".

إن مجتمعنا الاسلامي يظهر الإيمان بالله –تعالى- وبنبيه و يوالي أهل بيته، صلوات الله عليهم –في بعض البلدان- بل ويظهر الالتزام بالفراض والاحكام والقيم الاخلاقية والدينية، ولكنه يصطدم احياناً وبشكل غريب بالآية الكريمة التي تحثّ على الزواج مع قطع النظر الى الحالة المادية للشاب الراغب بالزواج؛ {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، "ثم نقول: لا زواج قبل الحصول على الوظيفة، أو يجب ان يتخرج الشاب من الجامعة، وهل ان الله –تعالى- لم يكن يعرف أن هناك مدارس وجامعات؟ وأن هنالك بطالة صريحة او مقنعة"؟!

إن عنصر الشرك هنا في المجموعة الاجتماعية يمكن تحديده بالمال، ولمن يخوض في مشكلات وأزمات المجتمع، يسمع بكثرة العبارة التالية: "المال حلال المشاكل"، او عبارات مشابهة وقريبة في المعنى، في حين يؤكد القرآن الكريم في غير آية على أن الرزق بيد الله وحده، من مأكل، وملبس، ومسكن، وصحة، وسلامة، وكل ما يمتلكه الانسان ويعيش به في هذه الحياة فهي من الله –تعالى- ولا أدلّ على هذه الحقيقة ممن تُسلب منه إحدى هذه النعم وهو عاجزٌ عن استراجعها مهما فعل.

أما المجموعة الثانية، والأكثر خطورة فهي؛ المجموعة العقائدية التي ترسم المنهج وتخطط للفكر، فاذا كان الشرك على الصعيد الاجتماعي يتعلق بسلوك فردي ربما لا يؤثر على عامة افراد المجتمع، ويكون ثمة أناس مؤمنون حق الإيمان بما وعد الله ورسوله من الحياة الطيبة بالالتزام بأحكام السماء وقيمه، فان الشرك العقدي أو الفكري من شأنه ان يصنع قوانين بديلة تقرر مصير، وتغير مسار حياتهم، فكما قال الأولون: "حسبنا كتاب الله"، يقول اليوم نظرائهم: "حسبنا قوانينا"!

ومع تطور الانسان في ثقافته وفكره وحياته، تطورت الأوثان المنهجية لتظهر اليوم في قوانين، ونظريات وافكار يدّعي اصحابها الصواب، او مواكبة التطور، فيقوم البعض "باختراع قوانين، ويقول، ولو بلسان حاله وأفعاله: أنا شريك لله في التشريع"!

وبعد كل ذلك؛ بالامكان تحسس الشرك الخفي والمقنّع في أزمات بلادنا الاسلامية، في قوانين التجارة، والبناء، والعلاقات الزوجية، والعمل، فضلاً عن الازمات السياسية التي تنتج لنا في كثير من الاحيان "وثنية سياسية" مقيتة دون الحاجة الى قناع، بعد أن توحي للناس أن كل شيء بيدها، من مال، وأمان، ورفاهية، وحياة، وموت، فمن يريد كل هذا عليه الخضوع لهذه الكتلة السياسية، او تلك الجهة المصنّعة للوزراء والمدراء الأوثان الجدد!

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

7