كشف الفيلسوف الفرنسي فولتير (1694-1778م) في كتابه حول التسامح الصادر في مطلع ستينات القرن الثامن عشر الميلادي، عن مفارقة غريبة ومدهشة ولعلها صادمة بالنسبة لبعض، تحددت في اعتبار أن الخرافة أفضل من الإلحاد بالنسبة إلى الكائن البشري، وبالنسبة إلى المجتمع الإنساني عامة، مقدما الإيمان بالخرافة على اختلاف صورها وأشكالها بشريطة أن لا تكون قاتلة، على الإلحاد.

أعلن فولتير عن هذه المفارقة، في مفتتح مقالته الموسومة بعنوان: (هل من المفيد تربية الشعب على الخرافة؟) المضمنة في كتابه حول التسامح الذي تعددت ترجماته عربيا إلى ثلاثة عناوين وقفت عليها، تراوحت ما بين (مقالة في التسامح) وهي التسمية التي أوردها الكاتب السوري هاشم صالح في كتابه (مدخل إلى التنوير الأوروبي) الصادر سنة 2005م، و(رسالة في التسامح) وهي التسمية التي اعتمدتها الروائية السورية هنرييت عبودي في ترجمتها للكتاب الصادرة سنة 2009م، وثالثا (قول في التسامح) وهي التسمية التي اعتمدها أستاذ السيميائيات المغربي الدكتور سعيد بنكراد في ترجمته للكتاب الصادرة سنة 2015م، وهي الترجمة التي رجعت إليها هنا.

تحددت هذه المفارقة في نص دوّنه فولتير قائلا: (ذاك هو ضعف الكائن البشري، وذاك فساده، ومن الأفضل له دون شك، أن تستعبده كل الخرافات الممكنة، شريطة ألا تكون قاتلة، فهي أحسن له من أن يعيش بدون دين. لقد كان الإنسان دائما في حاجة إلى كابح، وحتى لو بدا مضحكا أن نقدم قربانا للحيوانات ولربات الغابات وحوريات الماء، فلقد كان من المعقول أن يعبد هذه الصور الفنطازية للألوهية من أن يغرق في الإلحاد، فالملحد المحاجج العنيف والقوي سيكون آفة مضرة، لا يختلف في شيء عن رجل دموي يؤمن بالخرافات... فحيثما وجد المجتمع كانت الحاجة إلى الدين، ذلك أن القوانين تحمي من الجرائم المعروفة، أما الدين فيحمي من الجرائم التي لا ترى).

جاءت هذه المفارقة من مفكر في وزن فولتير الذي طالما بالغ الفرنسيون أدباء ومفكرين، قدماء ومعاصرين في تعظيمه وتبجيله، متباهين به ومتفاخرين على مستوى فرنسا وعلى مستوى أوروبا، فقد عده شاعر فرنسا الكبير لا مارتين (1790-1869م) أعظم كاتب في أوروبا الحديثة بلا منازع، وأقوى من ذلك وأعظم ما قاله الأديب فيكتور هوجو (1802-1885م) الذي رأى أن اسم فولتير يصف القرن الثامن عشر كله، فقد كان لإيطاليا نهضة، ولألمانيا إصلاح، ولكن فرنسا كان لها فولتير، كان لها بمثابة النهضة والإصلاح.

لذا ما كان من الممكن إهمال هذه المفارقة على غرابتها، ولا التغاضي عنها أو الانتقاص منها، لا من الناحية البيانية على مستوى المبنى، ولا من الناحية الفكرية على مستوى المعنى، ولو جاءت هذه المفارقة من شخص آخر أقل وزنا من فولتير لما حظيت بهذه الأهمية وبهذه الجدية.

عرف فولتير واشتهر بنقده الشديد والصارم للخرافات خصوصا تلك التي أحاطت بالدين والتصقت به، وتسمت باسمه، وعرفت بالخرافات الدينية، حيث انتعشت في عصره واشتدت، وباتت تمثل علامة تعرف بها وتميز المؤسسة الدينية الكنسية آنذاك، التي كانت تتاجر بهذه الخرافات وتتربح بها، وتستعملها أداة لفرض سيطرتها الدينية على الناس، وتكريس تبعيتهم العمياء لها.

الوضع الذي رفضه فولتير ولم يقبل الاستسلام له، وانخرط في مواجهته بكل ما أوتي من قوة بيانية وفكرية، وكان شرسا في هذه المواجهة، لم يتهاون فيها، ولم يتراجع عنها، ومثلت علامة بارزة في سيرته الفكرية.

لذا كان من المدهش أن يكون فولتير الذي خاض كل تلك المعارك الشرسة، وأصبح يكنى بأبي التنوير كما وصفه كارل بوبر (1902-1994م)، يأتي بعد كل ذلك ويرى أن الخرافة أفضل من الإلحاد!

علما أن هذا القول غير المتخيل من فولتير لا يراد منه على الإطلاق مدح الخرافة، ولا الاعتراف لها بشيء من الفضيلة، وإنما جاء بقصد الإيغال في نبذ الإلحاد ومقته، وزيادة ذمه وتقبيحه، والتنفير منه، إلى درجة تكون الخرافة على قبحها أفضل حالا منه!

في عصر فولتير ارتبطت الخرافة بطبقة رجال الدين المسيحيين، وارتبط الإلحاد بطبقة الفلاسفة، والمدهش أن رجال الدين كانوا خصوم فولتير وأعداءه، والفلاسفة كانوا أصحاب فولتير وأصدقاءه، وبحكم هذه المعادلة كان من السهل على فولتير أن ينفر من الدين بسبب خصومته الحادة والطويلة مع رجال الدين، كما كان من السهل عليه أن يصبح ملحدًا بسبب صحبته الحميمية والطويلة مع الفلاسفة، لكنه قلب هذه المعادلة، فلا الخصومة مع رجال الدين دفعته إلى الابتعاد من الدين، ولا الصحبة مع الفلاسفة دفعته إلى الاقتراب من الإلحاد، مقدمًا صورة مغايرة عن نفسه، متفردًا بها على أقرانه.

العارفون بسيرة فولتير يذكرون أن إيمانه بالدين ظل يتصاعد وبالذات في سنواته الأخيرة، ولم يتراجع هذا الإيمان ولم ينكمش أو يتقلص، وظهر ذلك جليًا في مجادلات فولتير المستمرة مع أقرانه الفلاسفة، معلنًا تمسكه بالدين، والإيمان بوجود الله، مقدمًا نصوصًا بليغة في الدفاع عن الدين.

من هذه النصوص ما دوّنه فولتير مجيبًا على سؤال زميله بيير بايل (1647-1706م)، قائلا: (لا بد للبلد ليكون صالحًا أن يكون له دين، أريد من زوجتي وخياطي ومحامييّ أن يؤمنوا بالله، وبذلك يقل غشهم وسرقاتهم لي... لقد بدأت أعلق أهمية أكثر على السعادة والحياة من الحقيقة).

ويذكر الكاتب الأمريكي ول ديورانت (1885-1991م) في كتابه: (قصة الفلسفة) أن فولتير دافع عن نفسه برقة ضد أصدقائه الملحدين، وقد وجه كلامًا إلى هولباخ (1723-1789م) المعروف بإلحاده، قائلا: (لقد قلت أنت نفسك إن الإيمان بالله قد ساعد في إبعاد بعض الناس عن ارتكاب الجرائم، إن هذا وحده يكفيني، فإذا كان هذا الإيمان يمنع من وقوع عشرة اغتيالات وعشرة وشايات، فإنه يجعلني أتمسك بأن يؤمن كل العالم بهذا الدين، أنك تقول إن الدين قد سبب أيضًا في كوارث لا حصر لها، وكان الأجدر بك أن تقول الخرافات الدخيلة على الدين التي تتحكم في عالمنا البائس، هذه الخرافات والأساطير هي أقسى عدو لنا يصرفنا عن عبادة الله عبادة خالصة تليق به، دعنا نمقت شبح الخرافات التي أدخلت على الديانات فشوهتها).

هذا هو فولتير الذي خاصم رجال الدين المسيحيين الأقوياء وتمسك بالدين، وصاحب الفلاسفة الملحدين الأقوياء وتمسك بالدين، حدث ذلك في عصر انتصر فيه الفلاسفة على رجال الدين، وفي عصر انبثق فيه التنوير، مع ذلك آمن فولتير بوجود الله ورفض الإلحاد، مطلقًا مقولة إن الخرافة أفضل من الإلحاد.

* الأستاذ زكي الميلاد، باحث في الفكر الإسلامي والإسلاميات المعاصرة-رئيس تحرير مجلة الكلمة
http://www.almilad.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

9