(النسبية) دلالة الكلمة ومواردها:

قبل الحديث عن مدلولات هذه الآية الشريفة ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ [1]

ودلالتها المؤكدة على ضرورة الإيمان بالحق والحقيقة الواحدة المطلقة، الذي يعتبر الخطوة الأولى لتأسيس أي بناء معرفي؛ لبداهة القول بأن المعرفة تأتي تبعاً لإمكانية المعرفة، لا بد أن نشير إلى معاني (النسبية).

الحديث حول (نسبية المعرفة) بشكل عام أو الهرمنيوطيقا كفلسفة تؤدي إلى النسبية بشكل خاص، أصبح من المباحث التي تحظى بحضور واضح في بعض الأوساط الإسلامية، بخاصة عند المتأثرين بالفلسفة الغربية الذين بدأوا يقرعون أسماع الخلق بهذه البحوث متصورين أنهم أتوا بما يحقق فهماً إسلامياً حديثاً، مما يضطرنا للوقوف على هذه البحوث وتقييمها شرعياً، بحيث يشمل خطابنا كلاً من المسلم المتدين وغيره من أصحاب التوجهات الغربية، فنحتج على المتدين ونستدل له بما هو ضروري من الدين مثل قوله تعالى ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ والذي يقطع الطريق كما سنبين على القول بالنسبية، ونستدل لغيره بما هو ضروري من العقل، بحيث نجمع كلا النمطين من الاستدلال، إضافة إلى الوجدان والفطرة اللذين يدلان على ذلك أيضا.

نسبية الحقيقة أو المعرفة أو اللغة

وقبل التفصيل في الأمر لا بد أن نحصر المعاني التي يمكن أن تشملها النسبية، أي متعلقات النسبية، أو المضاف إليه فيها، وبحسب تتبعي يمكن أن تشير النسبية إلى أحدى المعاني التالية:

ألف: أن النسبية يمكن أن يراد بها (نسبية الحقيقة)، بمعنى نسبية المعلوم

أي ما هو موجود في عالم العين وبالتالي نسبية الحقائق الخارجية المتمثلة في الحقائق النفس الأمرية

ب - كما يمكن أن يراد بها (نسبية المعرفة)، أي نسبية العلم في مقابل نسبية المعلوم، وهو ما يتحقق في عالم الوجود الذهني الذي يكون في قبال عالم الوجود العيني، ومن هنا يقصد بالنسبية نسبية المفاهيم الذهنية، وهي (ما يعرفه الإنسان) ويطلق عليه (معرفة) أو (علم).

ج - كما يمكن أن يراد بها نسبية الكواشف والجسور والنواقل التي تربط عالم الوجود العيني بعالم الوجود الذهني، ويقصد بالجسور.. الروابط، العبارات، الإشارات، الرموز، العلامات، النصب... وغير ذلك من (الدوالّ) مما يدل على تحقيق صلة بين النفس الإنسانية وبين المفاهيم والمداليل. وحينها تكون النسبية في الألفاظ أو الدوال التي تشكل الرابط بين عالم ما في الذهن وعالم ما في العين والخارج.

د -كما يمكن أن يقصد ب (النسبية) كل تلك الوجوه، أي بمعنى (النسبيةُ مطلقة) في تناقض بين المبتدأ والخبر، بحيث تصبح (الحقيقة) أيضاً نسبية أي إنه ليس في الواقع الخارجي حقيقة واحدة نبحث عنها، كما أن معارفنا أيضاً نسبية بحيث لا يمكن أن يكتسب الإنسان علوماً ومعارف صادقة، وأخرى خاطئة أو كاذبة، بل كلها صحيحة على قول في النسبية، أو كلها ظنية على قول آخر، أو كلها مما يخضع لعامل الزمن والظروف، فقد تنقلب معادلة الصحيح والخاطئ، على رأي ثالث.

وكذلك الألفاظ أيضا ذات دلالات ومفاهيم متحركة ليس لها معنى ثابتاً نحتكم لديه، فكل شخصاً له فهمه الذي غالباً ما يختلف عن فهم غيره، بل مدلولات الألفاظ في حالة من التغير والتشكل الدائم.

هذه هي الأقسام التي يمكن أن ترد فيها النسبية، أي يمكن أن تقع متعلقاً للنسبية.

معاني كلمة النسبية

أما معنى النسبية في حد ذاتها، فبحسب تتبّعي الناقص، نجد أن مجموع ما ذكر للنسبية من معان أو ما يمكن أن يذكر لها هو خمسة عشر معنى وقد ذكرتها في كتاب تحت الطبع بعنوان ((نقد الهرمنيوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة واللغة)) وأذكر منها هنا معاني ثلاثة ترتبط بالمقام والمعاني الأخرى لها بحث آخر.

المقصود من النسبية هو أحد المعاني التالية أو إثنين منها، أو كلها:

1: صوابية معتقدات الجميع:

أ - المعنى الأول للنسبية هو التنكر للحقيقة الموضوعية، بحيث تدور المعرفة مدار الفهم الذي يتحقق لدى كل واحد منا، فما أفهمه أنا، وأنت، وهو، من الحقيقة الواحدة وإن كانت الأفهام متغايرة أو متضادة أو متناقضة، فإنها بأجمعها صحيحة [2] مصيبة في الوقت نفسه أي بمعنى مطابقتها للواقع، وهذه الفكرة هي في الواقع (مصيبة) ولكن ليس من باب مطابقة الواقع وإنما من باب كونها مصيبة من المصائب،

ذلك أنها تشكل تبريراً للانحراف الفكري والعقدي بحيث تصبح الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، فالذي يعبد البقر معتقداً أنها الله، فهو محق، وكذلك الذي يعبد الصنم، والذي لا يعبد شيئاً، فالكل محق: المسلم والمسيحي واليهودي والبوذي، ولا يمكن ترجيح كفة الحقيقة نحو أي طرف من الأطراف، كذلك الحال في أصحاب التوجهات الفكرية العلمانية واللبرالية والشيوعية وهلم جراً، فإنه لا يمكن تحديد المصيب من المخطئ، ليس في مرحلة الإثبات فقط، بل إنه في مرحلة الثبوت فإن الكل مصيب على هذا الرأي.

إذاً تارة يقصد من (النسبية): أن كل ما يتصور، أو كل ما يصدق به، أو كل ما يعتقد به، فإنه صحيح، وإن كان الاعتقاد بالضدين والنقيضين، فمن يعتقد باجتماع النقيضين فإنه محق، وكذلك من يعتقد باستحالة اجتماعهما، ومن يقول أن الدور والتسلسل محال محق، وكذلك من يقول بالنقيض، وهكذا ليس هناك ثبات في الحقيقة حتى يحتكم لديه وتكون له المرجعية، وذلك مع تعميم ذلك في كل شيء حتى الحقائق المادية: فمن يقول أن الذرة تتكون من الكترون وبروتون والالكترون يدور حول البروتون، فقوله صحيح، والآخر الذي يقول بالجوهر الفرد المصمت الذي لا يتكون من شيء ولا ينقسم إطلاقا كما كان يقول به بعض قدماء الفلاسفة، فهو أيضاً قول صحيح.

وقد يتجلى هذا الخيار المعرفي عند بعض الذين لم يعترفوا بوجود صراط واحد مستقيم وإنما ذهبوا إلى وجود صراطات مستقيمة، وقد تجاوزوا بذلك الحد حيث وقفوا في مواجهة القرآن الكريم، حيث يصرح القرآن بوجود صراط مستقيم ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ أما بزعمهم وخلافاً للقرآن فليس هناك صراط واحد، بل كل الطرق توصل إلى المقصود، فالضالين والمغضوب عليهم أيضاً لهم صراط وكلها طرق إلى الله، شئت - حسب

رأيه - أم أبيت، بل لا يوجد على هذا ﴿الضَّالِّينَ﴾ ولا ﴿المَغضُوبِ عَلَيهِمْ [3]﴾ بل الكل صراطهم ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ [4] ﴾ وذلك، كما يلاحظ حتى المبتدئ، مناقض صريح للقرآن الكريم، بل ولما أجمعت عليه كافة الأديان.

ومن هنا فإنه لا يوجد سبيل إلى إثبات حقيقة واحدة فقط، من باب السالبة بانتفاء الموضوع (أي ليست الحقيقة واحدة ليوجد سبيل موصل لها) بل إن الذي يؤمن بأن الحق واحد، يُتهم بكونه دوغمائياً أي منغلق التفكير ومتحجر العقل ورجعياً وما أشبه ذلك من التهم غير العلمية، بل إن هذه التهم تنقض نفسها بنفسها، إذ ما دامت كل الأفكار مهما كانت متناقضة، صحيحة وواقعية، فلتكن الدوغمائية أيضاً صحيحة وواقعية.

2. صوابية معتقدات الفرد المتناقضة

المعنى الثاني للنسبية هو أن ما يعتقد به الشخص هو ما يمثل (الحقيقة) مع قطع النظر عن الآخرين، بحيث تصبح المعرفة حالة شخصية، وبما أن قناعات الإنسان متبدلة وفي حالة من التغير الدائم، فالمعرفة كذلك نسبية وفي حالة من التشكل الدائم، بحيث لا يمكن أن يحكم على مرحلة من مراحله الفكرية إنها عين الصواب والأفكار الأخرى الطارئة مخطئة، فما يعتقده الآن هو الحق، وإذا حدثت عنده قناعة جديدة مخالفة للقناعة الأولى فهي حق كما أن القناعة السابقة حق ايضاً، فمثلاً لو كان هناك شخص يعتقد بأن علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو باب مدينة علم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الخليفة الأول بنص السماء، فهو على حق، ثم إذا تغير رأي هذا الشخص (أو كان سابقاً يعتقد عكس ذلك ثم تغير رأيه) فهو أيضاً حق، إذن الشخص لو تغير رأيه وتغير معتقده وتنوعت عقائده وآراؤه ومذاهبه ومشاربه ومسالكه، فإنها جميعاً على حق وصواب وصحيحة.

وفرق هذا عن المعنى الأول: أن المعنى الثاني يتحدث عن المعرفة المتخالفة لدى الشخص الواحد، أما المعنى الأول فيشير إلى المعارف المتخالفة لدى عدة أشخاص.

ويمكن إضافة قيد للمعنى الثاني ليتحول إلى معنى ثالث، هكذا : (إن ما يعتقد به الشخص هو ما يمثل له الحقيقة) أي بإضافة (له) وعلى هذا فالحديث ليس عن كون معتقده حقاً في نفس الأمر، بل إنه (حق عنده) لكن يرد على هذا أنه لا يصح له أيضاً أن يعدّ كلتا معرفتيه المتناقضتين سابقاً ولاحقاً حقاً، فإنه وإن فرض أنه قاطع بصحة رأيه، إلا أنه عندما يحدث له قطع بالخلاف فإنه هو أيضاً ليس بمقدوره أن يرى صحة رأيه السابق أيضاً، والحال أنه مؤمن حالياً بصحة رأيه اللاحق. هذا إضافة إلى ما سيأتي لدى الجواب على ثنائية (كانط).

3. لا مقولة مشتركة عالمية

التعريف الثالث للنسبية والذي ذكره بعض مشاهيرهم هو: أن النسبية تعني أن لا وجود لمقولة مشتركة عامة بين الجميع، فلا وجود لمعرفة تمثل قاسماً مشتركاً بين الخليقة، فالبحث عن حقيقة تمثل حالة من الإجماع المعرفي، بحث عن المحال.

سوف نخص هذه المعاني الثلاثة للنسبية بالبحث إضافة للمعاني الأساسية الثلاثة الأولى:

أن (الحقيقة) ليست مطلقة أو أن (المعرفة) ليست مطلقة أو أن (الدوال والكواشف والجسور إلى الحقائق) ليست مطلقة.

الصراط المستقيم.. ونسبية المعرفة

بعد أن اتضح وجود عدد من المعاني للنسبية [5] نعود إلى قوله تعالى:﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ فإن هذه الكلمة النورانية القرآنية المباركة وفي جملة واحدة من ثلاث كلمات، تبطل وتهدم أس بنيان هذه النظريات الثلاثة، وذلك:

أولاً: لأنها تكشف عن أن عالم الحقائق مطلق، أي بمعنى أن الحقائق الخارجية لها تحقق ونحو من الثبات، بحيث يمكن التعرف عليها كما هي عليه في الواقع، ولذا جرى طلب الهداية من الله تعالى إليها، فلا يبقى هناك وجه لنسبية الحقائق، وهي متعلّق ﴿إهدِنَا﴾.

ثانياً: كذلك عالم المفاهيم والمعاني والمعرفة والعلم، أيضا ليست نسبية وإنما هي مطلقة؛ وإلا لم يتحقق معنى أو مفهوم ل ﴿إهدِنَا﴾[6].

ثالثاً: عالم الجسور والكواشف والدوال وهي أدوات الهداية والطرق إليها والدوال عليها أيضاً لا يمكن أن تكون نسبية، إذ حينئذ لا يستقيم للفظ معنى ولا يتحقق بذلك طلبٌ ممكنُ التحقق، من الآية الشريفة [7].

أما كيف تأتي هذه الآية القرآنية الكريمة بنيان هذه القواعد من الأساس فتنسفها، كما قال تعالى: ﴿ فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ

السَّقْفُ ﴾ [8] المعرفي الذي بنوه في أوهامهم وهذا تفسير بالمصداق كما لا يخفى فتوضيحه:

1- الصراط المستقيم في عالم الواقع

الله سبحانه وتعالى في هذه الآية القرآنية الكريمة يقول: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ مما يدل على أن هناك صراطاً مستقيماً له نحو من التحقق والثبوت في عالم الواقع وعالم العين والخارج، والاعتراف بوجود صراط مستقيم في عالم الواقع، هو اعتراف بكونها حقيقة مطلقة وليست نسبية؛ لأن الصراط يعني الطريق الواضح المتسع وليس مجرد الطريق؛ إذ تارة يكون هناك طريق ولكنه غير واضح المعالم كما في بعض الصحاري حيث تكون فيها معالم الطريق غير واضحة. أما الصراط المستقيم فالوضوح مأخوذ في مفهومه، كما أنه متسع يسع خلائق الله لو شاءوا أن يمشوا ويهتدوا ليصلوا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين؛ وذلك لأن الصراط من خصائصه أن يوصل إلى المقصود.

فقد قرر الله سبحانه وتعالى، في مرحلة الثبوت، وجود صراط واضح متسع يوصل للجنة، فاعتبر وجوده أمراً مسلماً مفروغاً عنه، فقال: ﴿ اهدِنَا﴾ فلو لم يكن له وجود لكانت الهداية للمجهول، فالهداية متعلِّقة بالصراط مما يعني أن هناك في عالم العين والوجود الخارجي وفي الواقع، صراطاً ينتهي بالإنسان السالك سبيل الله، إلى رضوانه تعالى ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبر﴾َ [9]فهذا الصراط ينتهي إلى رضا الله وإلى القرب منه سبحانه وتعالى، هناك إذن في مرحلة الثبوت (صراط واحد) أمرنا الله أن نطلب منه الهداية إليه.

فإذا كان متعلق ﴿اهدِنَا﴾ هو ما له تحقق وثبوت في العين والخارج ونفس الأمر، ثبت أن هناك حقيقة مطلقة لا تحتمل النسبية لا بالمعنى الأول ولا بالمعنى الثاني. في المعنى الأول للنسبية يعتقد أن الواقع متعدد بحيث تكون كل الافهام المتباينة مصيبة بمعنى كونها حقاً ومطابقتها للواقع.

(ولا يخفى أنه يوجد هناك حق ويوجد صدق، أما الحق فهو فيما إذا لاحظت الواقع مقيساً لما في ذهنك، ولأي عالم إثباتي آخر، وأما الصد فهو فيما إذا لاحظت ما في الذهن مقيساً للخارج)، وبناءً على ذلك فإن الحق واحد لا يتعدد بتعدد الأنظار والأفكار والاجتهادات ولذا فقد اشتهر عنا أننا (مخطئة) ولسنا (مصوّبة).

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ [10] هذا في الثبوت، أما في الإثبات: ﴿فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ [11] فالمؤمن مصيب والكافر مخطئ، وتظل الحقيقة واحدة لا تتأثر بإيمان المؤمن وكفر الكافر، فمثلاً النار في الواقع الخارجي تظل ناراً سواء اعترف بها الإنسان أم كفر بها، فلو كان مثلاً هناك من ينكر حقيقة النار فإذا أدخل يده في النار فهل لا تحرقه تلك النار لأنه غير مؤمن بوجود النار؟ (وبذلك ظهر أن القول بأن الواقع يتبدل بتبدل القناعات أو يتعدد بتعددها) [12]، هو ادعاء سوفسطائي لا يصمد إذا اصطدم بالحقيقة، وقد تفنن بعض العرفاء في إنكار حقائق الموجودات، كما يقول صدر الدين الشيرازي في الأسفار المجلد الأول:

كل ما في الكون وهم أو خيال.....أو عكوس في مرايا أو ظلال

وهو كلام موغل في السفسطة وإنكار لحقائق الأشياء، إذ يقولون: كل ما في الكون من حقائق يدركها الإنسان فهي وهم وخيال ولا حقيقة لشيء إلا شيء واحد هو الله، أي يرون أن كل ما هو موجود فهو الله ولا شيء سواه (ليس في الدار) والعياذ بالله (غيره ديار)، وهذا القول هو وجه آخر للسفسطة فهناك قول ينكر الوجود رأساً، أما هذا الرأي فإنه يؤمن بالموجود ولكنه يقول كله هو الله والعياذ بالله، وذلك سواء قال بوحدة الوجود أم قال بوحدة الموجود، والذي أوصلهم لهذا الأمر هو ذلك المبنى الفلسفي القائل بأن الوجود (سواء وجود الخالق أم المخلوق) حقيقة واحدة وهي مقولة مشككة [13]، وإنكار الحقائق الواضحة للوجدان، هو نوع من التطرف الفكري؛ لأن الحقائق غير خاضعة للإنكار ولا ينكرها إلا جاهل متطرف.

ويكفينا في الإجابة عن نسبية الحقائق الخارجية، الإشارة إلى بعض الشواهد اللطيفة المعبرة عن ذلك، يقال: إن أبا علي بن سينا كان له تلميذ لعله بهمنيار، درّسه فترة من الزمن، ثم انطلق به إلى النهر، وجلسا عند الشاطئ وبدأ أبو علي يحدث تلميذه مستعرضاً مجموعة من الأدلة حتى أوصلها إلى سبعين دليلاً على أن الماء الذي في النهر ما هو إلا محض خيال (وهذا شبيه بالعارف الذي يستدل على أن هذا الماء وسائر الأشياء هي الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً)، ثم قال له ابن سينا لقد درست عندي فترة من الزمن وأريد منك الآن الجواب عن هذه السبعين دليلاً، ولكن بهمنيار لم يتعرض لمناقشة السبعين دليلاً وإنما جابهه بالحقيقة مباشرة، فقد مد يده تحت الماء ورمى كفاً من الماء في وجه أستاذه وقال: هذا جوابي الأقوى على السبعين دليلاً، وهو بمفرده كفيل بنسفها جميعاً!، ذلك إن الوجدان هو أقرب طريق إلى تنبيه الغافل عن الحقائق أو المتنكر لها.

وقد استخدم الله سبحانه هذه الطريقة في القرآن الكريم لتنبيه الإنسان للحقائق الواضحة التي قد يغفل عنها مثل قوله تعالى: ﴿أَفي اللهِ شَكٌّ﴾ [14] فالمعرفة حقيقة فطرية، ولا يُستدل على (الضروري) وإنما يُنبّه ويُذكّر بما هو ثابت ومغروس في واقع الفطرة.

إذن كشفت هذه الآية عن أن الحقيقة مطلقة والواقع له تحقق وثبوت، وبالتالي نتجاوز المعنى الأول للنسبية الذي يقول إن (الحقيقة نسبية) والحق متعدد ولا يوجد هناك صراط واحد مستقيم بل هي صراطات مستقيمة، إذ يصرح ربنا جل اسمه ب قوله تعالى ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾.

2. الصراط المستقيم في عالم المعرفة

أما النسبية بالمعنى الثاني، أي أن المعرفة وما في عالم الذهن هو النسبي، فقد كشفت هذه الآية أيضاً عن بطلان ذلك؛ لأن المعرفة إذا كانت نسبية بمعنى أن كل ما يعتقده الناس صحيح وإن كان متناقضاً، حينها لا يكون هناك معنى لقوله ﴿اهدِنَا﴾ لأن الكل مهديون عندئذ وكلها طرق صحيحة، فالسفسطائي كلامه صحيح، والعارف كلامه صحيح والذي يسير على طريق أهل البيت (عليهم السلام) ويلتزم بتعاليم السماء أيضا كلامه صحيح، ومخالفهم صحيح أي إن كل المسالك صحيحة فالذي يعتقد بأنه عبد لله والذي يعتقد بان الخلق كلهم الله، كلاهما محق!.

يقول تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ وهذا يعني أن في مرحلة الثبوت هناك (صراط مستقيم)، وفي مرحلة الإثبات هناك (هداية)، مما يشمل الهداية العلمية والهداية العملية، وهداية العقل النظري والعقل العملي.

والحاصل: أن يتطابق العالمان الذهني والعيني بأن يكون هذا العالم الذهني المعرفي، مصيباً، صائباً مطابقاً للواقع، إضافة إلى مطابقة (العمل المأتي به) ل (المأمور به).

أما إذا قلنا المعرفة نسبية وأن عقيدتي اليوم المناقضة لعقيدتي الأمس والغد، أو عقيدتي المناقضة لعقيدتك، كلها على حق، فلا يكون هناك محصل من قوله تعالى: ﴿اهدِنَا﴾ ولا يتعدى كونه تحصيل حاصل وهو محال، لأن الكل سيكونون كما ذكرنا مهديين إلى صراطات مختلفة ثبوتاً، مليارات من الصراطات المستقيمة ومليارات من الآراء المتناقضة المطابق كل واحد منها لصراط ثبوتي معين. بل حتى ذلك الإنسان الذي يستخدم بعض المخدرات التي تجعله في حالة من الهلوسة، فيسبح في عوالم متخيلة، يصبح ما يتصوره ويتخيله حقيقة، بناءً على نسبية المعرفة بهذا المعنى.

إذن: قول الله تعالى ﴿اهدِنَا﴾ يكشف عن أن في عالم الإثبات (أو في عالم الذهن أو في عالم الوجود المعرفي أو العلمي) توجد هناك هداية ويوجد ضلال، ولا ريب في ذلك ولاشك. هذا هو المعنى الثاني للنسبية أي النسبية في المعرفة.

3. الصراط المستقيم في عالم اللغة والكواشف

أما المعنى الثالث للنسبية، أي نسبية الجسور والدوال والكواشف، فقد كشفت الآية الكريمة عن بطلانه أيضاً، ويستفاد ذلك من كلمة ﴿اهدِنَا﴾؛ لأن الجسور الذهنية والدوال وعالم الألفاظ الموصلة للحقيقة لو كانت نسبية (بمعنى أن الكلمة تحمل المتناقضين وأن اللفظ بأي شكل وبأي نحو فسر فإنه صحيح، أو بمعنى نظرية موت المؤلف، وأن الألفاظ تتبع في دلالتها شخصية المفسّر كما تزعم بعض مدارس الهرمنيوطيقا) فحينها لا يوجد هناك نص ثابت يحتفظ بمعنى أو دلالة محددة بل تصبح النصوص في حالة من الحركة الدائمة، وتصبح قراءة النصوص قراءة منفتحة على معاني غير متناهية، وهذا التصور الخاطئ ينسف كل جسور التواصل المعرفي الذي يتحقق عبر النصوص بل الذي يتحقق عبر أي نوع من أنواع الدوالّ واللغة بالمعنى الأعم الشامل للإشارة والعلامة وغيرها، وبالتالي يعدّ نسفاً لأصل المعرفة وليس إثباتاً لنسبيتها.

ثم إن من الواضح بالضرورة أن الألفاظ تختزن معاني خاصة يفهمها الجميع ويقوم على أساسها التفاهم والتخاطب، أما إذا كان المعنى الذي يترتب على كل الألفاظ، بل حتى على لفظ ﴿اهدِنَا﴾ هو معنى يشكّله المفسر كما يريد بعيداً عن معنى خاص تحتفظ به الكلمة، فحينها تكون الكلمة الواحدة دالة على الشيئي ونقيضه أو أضداده وكافة المتغايرات، وهذا ما لا يستقيم، لأنه:

أولاً: يلغي جسور التواصل المعرفي بين البشر.

وثانياً: يجعل عملية التعليم لغواً وباطلاً.

وثالثا: يلغي أي مفهوم حقيقي لهذا الطلب ﴿اهدِنَا﴾ بل يجعله طلبا بائساً.

إذن: كلمة ﴿اهدِنَا﴾ في الآية كلفظ، لا تحتمل إلا معنى أصلياً واحداً وهو المعنى الذي ينطبق مع الصراط الثبوتي، ومع المعنى الذي تحمله الأذهان الصافية عن الشوائب، أي المعنى الذي يشير إلى حقيقة واحدة في عالم الواقع، وبالتالي ليست الألفاظ نسبية بل هي ألفاظ ذات دلالات حقيقية تطابق الحقيقة، وقد تكون أصلية أو فرعية [15] إلا أنها تبقى متوافقة، وعلى الأصول العقلائية، بخاصة الألفاظ التي استخدمت في القرآن ورواياتالمعصومين؛ لأنها استخدمت بدقة متناهية لتدلل على معاني محددة.

والنتيجة: أن قوله تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ تنسف نظرية نسبية الحقيقة الثبوتية، وتنسف نظرية نسبية الحقيقة الإثباتية بمعنييها؛ لأن العوالم أربعة:

1.1 عالم الوجود العيني وهو ما يتعلق بنسبية الحقيقة.

2.2 وعالم الوجود الذهني وهو ما يتعلق بنسبية المعرفة.

3. 3و 4. وعالم الوجود اللفظي، وعالم الوجود الكتبي، وقد أدرجنا هذين الأخيرين في سياق واحد ومساق واحد وسميناهما الجسور أو الدوال أو الكواشف أو ما أشبه ذلك.

هل الحقيقة نسبية؟

وهنا نتوقف عند النقطة الأولى وهي: (نسبية الحقيقة).

نقول: هل الحقيقة أو الحقائق الخارجية نسبية؟ الجواب لا، لأن كل شيء هوهو وليس غيره، ولمزيداً التوضيح نقول الحقائق تنقسم إلى أقسام قسم:

التقسيم الأول من الحقائق تسمى (جواهر) مثل (الحائط أو الحجر أو الشجر أو الذئب...) فعندما أقول (هذا حائط) فأنا أشير إلى حقيقة واقعية واحدة، لا تتأثر بإنكار المنكر؛ ولا تتغير هذه الحقيقة بتغير التصورات عنها وباختلاف المسبقات الفكرية والخلفيات النفسية، لأن للحائط تحققاً في مرحلة الثبوت، وكذلك الذئب فإنه ذئب في مرحلة الثبوت وليس شيئاً آخر، وهكذا النهار نهار، الظلمة ظلمة، الحلو حلو، والحامض حامض، كما هو واضح، لا يمكن أن يقبل النقيض، إذن: على مستوى الجواهر فالحقيقة واحدة ومطلقة بما هي حق، وكل شيء هو هو ولا يتغير عما هو عليه في الحين الذي هو على حاله.

وهناك نوع آخر من الحقائق تسمى (أعراضاً) مثل الكم والكيف، فالمترمتر وليس غير المتر، والمتر والنصف متر ونصف، ولا يعقل أن يكون المتر مترين في الوقت الذي هو متر واحد، يعني بما هو متر وبشرط لا عن الأكثر والأقل، وكذلك اللون لون فاللون الأحمر أحمر، حتى لو أنكرنا وجود الألوان فإن الحقيقة مطلقة، وبتطور أو بتغير معلوماتي تظل الحقيقة كما كانت وكما هي هي، وهكذا بقية المقولات:

كمٌّ وكيفٌ وضعٌ أينٌ له متى.....فعلٌ مضافٌ وانفعالٌ ثبتا

إذن الحقيقة لا تخضع للتغير بتغير الأفهام عنها، بل هي هي وليست بغيرها على الإطلاق في عالم الجواهر وفي عالم الأعراض.

هل الحركة أمر نسبي؟

لننتقل الآن إلى تقسيم آخر، وقد يكون هو منشأ الشبهة:

التقسيم الثاني: إن من الحقائق ما هي حقائق قارة أو متواطية بالتعبير المنطقي، وما هي غير قارة، ذلك أنه يوجد عندنا (كم متصل قار) وعندنا (كم متصل غير قار)، وذلك مثل الزمان ومثل الحركة، فربما يتوهم أن الحركة أمر نسبي، الزمان أيضاً أمر نسبي أي أنه أمر غير ثابت بل هو متحرك متغير، الآن الساعة مثلاً ثمانية وربع لكنك بعد دقيقة لا يمكنك القول: الآن ثمانية وربع، بل يلزم أن تقول ثمانية وست عشرة دقيقة مثلاً، فلعل متوهماً يتوهم أن الحقائق فيها ما هو نسبي.

نقول: كلا.. الحركة هي هي وليست غيرها وليست شيئا آخر.

ان الحركة بما هي حركة وليست شيئاً آخر، ذلك أن الواقع الخارجي أمر محدد واضح، لكن نحوَ وجودِهِ هو سيال، وكون وجوده سيالاً لا يعني النسبية بالتفسير الذي فسرت به النسبية؛ لأن النسبية كما ذكرنا تعني عند بعضهم أن الإنسان المعتقِد بأن هذه حركة، مصيب، والآخر الذي يقول: كلا هذه سكون، فهو مصيب أيضاً. وهذا هو ما نرفضه، لأن حقيقة هذا الشيء في عالم الثبوت واحد من الأمرين إما حركة وإما سكون، والشيء إما هو متحرك أو هو ساكن ولا يعقل اجتماعهما من جهة واحدة، وفي الزمان الأمر كذلك، فإن اليوم إما يوم السبت أو يوم الخميس أما أن يكون اليوم هو يوم السبت ولا يوم السبت من جهة واحدة فهذا مما لا يمكن.

والحاصل: إن الشيء هو هو سواء أكان قاراً أم غير قار مثل الحركة والزمان، أو إن شئت فأطلق عليها التدريجيات، فهناك أمور تدريجية في الحقيقة لكن لا يمكن أن تكون نسبية؛ إذ : الواقع هو الواقع ولا غير، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ [16]﴾ولا غير، وهذا الواقع الخارجي هو الواقع نفسه وذاته، سواء تعددت الأنظار أم لم تتعدد، ولذا نقول: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ والنتيجة أن الصراط صراط واحد مستقيم، وليست صراطات مستقيمة، بل هو صراط واحد في مقابله صراطات ضلال وظلم وما أشبه ذلك.

ونحن ندعو الله سبحانه وتعالى أن يهدينا إلى الصراط المستقيم كما أمرنا بالدعاء والبحث والطلب، ومن الواضح أنه إذا لم يكن هناك صراط واحد محدد في الواقع، أو وجد صراط ولكن يمكن الوصول إليه، فإن طلبنا بالهداية إليه سيكون طلباً محالاً، وإن الوصول إلى معرفة الحق لو كان محالاً نكون قد كلفنا الله عندئذ شططاً، نعوذ بالله من التفوه بذلك.

* الفصل الأول من كتاب: نسبية النصوص والمعرفة الممكن والممتنع

.............................................
[1] سورة الفاتحة: 6.
[2] ويقترب هذا من رأي هوسيرل: (إنه - أي هوسيرل - يذهب الى أن موضوع المعرفة لا يوجد خارج وعي الذات المركز عليه، إن الموضوع يكتشف ويخلق نتيجة الحدس الذي يتركز عليه، والانفعالات الشخصية لفرد هي معايير الحقيقة) الموسوعة الفلسفية ج 2 ص 564.
[3] سورة الفاتحة: 7.
[4] سورة الفاتحة : 7.
[5] وهناك معان أخرى ستأتي في مطاوي البحوث القادمة، وأما التفصيل الأكثر استيعاباً فإنه في كتاب تحت الطبع بعنوان(نقد الهرمنيوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة واللغة) للمؤلف.
[6] الشامل للهداية العملية والهداية النظرية.
[7] لتوضيح الفرق بين هذه الثلاثة، نمثل ب (الصلاة المستجمعة للأجزاء والشرائط): 1 فإن تلك الأفعال الخارجية والقلبية صراط مستقيم نحو رضى الله سبحانه والسعادة والجنة. وهذا هو عالم الحقائق العينية الخارجية. 2 ومفهوم (الصلاة) سواء اعتبرناه حقيقة شرعية أم لا، هو من عالم المفاهيم، ومن سنخ المعارف والمعاني، وهذا هو عالم الوجود الذهني، وهو قد يكون مطابقاً للعالم الأول، وقد لايكون، أي إن ما حصل في الذهن كمفهوم قد يكون مطابقاً للواقع العيني، وقد لا يكون. 3 ولفظ ( ص. ل. ا. ة) سواء كان ملفوظاً أو مكتوباً هو الجسر لذلك المفهوم الذي هو بدوره كاشف عن الواقع الخارجي، وهذا هو عالم الوجود اللفظي والكتبي، أو عالم الدوال والكواشف.
[8] سورة النحل: 62.
[9]سورة التوبة: 27.
[10] سورة الكهف: 92.
[11] سورة الكهف: 92.
[12] (التبدل) في البقاء والاستمرار، (التعدد؟) في البدأ والحدوث، أي في كلا جانبي العلة المحدثة والمبقية.
[13] مع وضوح أن الوجودات، حقائق متباينة، فوجود المخلوق ليس مرتبة من وجود الخالق، تعالى
الله أبعد من ذلك، بل وجودات الممكنات، متباين بعضها مع بعض، كما هو وجداني وقد فصل بيان ذلك والبراهين عليه في كتاب (تنزيه المعبود في الرد على وحدة الوجود للأستاذ المحقق السيد قاسم على أحمدي).
[14] سورة ابراهيم: 10.
[15] الأصلية: الدلالة المطابقية والتضمنية. والفرعية: الدلالة الالتزامية، ودلالة الاقتضاء والتنبيه والإشارة وغيرها، وكلها لها قواعد وأصول ودلالات محددة.
[16] سورة الكهف: 29.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
احبائي
شرح بديع بحق من سماحة السيد مرتضى الشيرازي حول المسألة المعرفية
الله سبحانه وتعالى اخبرنا بان ما اوتينا من العلم هو قليل في آيته القرآنية
ولكنه عز وجل طلب منا العلم والقراءة والبحث والتأمل في حالات الخلق الكونية
لكن بعض العلماء كلما تبينت لهم بعض اسرار الحياة ضلوا الطريق نحو الهداية الإلهية
لكننا لو نظرنا في الامور بجدية وروية لتبيننا حقيقة وضعنا وامر تكليفنا في رحلتنا الدنيوية
احبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الرض
جمال بركات....رئيس مركز ثقافة الألفية الثالثة2019-01-30

مواضيع ذات صلة

1