لعله واحد من أكثر الامتحانات قسوة في تاريخ البشرية الحديث كورونا يتوغل، والجوع في أجزاء عدة من الأرض، أظهرت دراسة صادرة عن الأمم المتحدة في جنيف، أن جائحة فيروس كورونا قد تدفع ما يصل إلى 130 مليون شخص إضافي إلى الجوع المزمن بنهاية العام الجاري...

لعله واحد من أكثر الامتحانات قسوة في تاريخ البشرية الحديث كورونا يتوغل، والجوع في أجزاء عدة من الأرض، أظهرت دراسة صادرة عن الأمم المتحدة فى جنيف، أن جائحة فيروس كورونا قد تدفع ما يصل إلى 130 مليون شخص إضافي إلى الجوع المزمن بنهاية العام الجاري، مشيرة إلى أن عدد من يعانون من الجوع حول العالم قد بلغ فى العام الماضى ما يقرب من 690 مليون شخص بزيادة 10 ملايين شخص عن 2018، شاركت في الدراسة التي تناولت حالة الأمن الغذائى والتغذية في العالم، منظمة الأغذية الزراعة (فاو) والصندوق الدولى للزراعة (ايفاد) ومنظمة يونيسيف ومنظمة الصحة العالمية وبرنامج الغذاء العالمي، وأكد رؤساء المنظمات الأممية الخمس أنه وبعد مرور خمس سنوات من التزام العالم بإنهاء الجوع وانعدام الأمن الغذائى وجميع أشكال سوء التغذية، إلا أن العالم مايزال بعيدا عن تحقيق هذا الهدف بحلول العام 2030 .

ونوهت الدراسة إلى أن تحديث البيانات الخاصة بالصين والدول الأخرى المكتظة بالسكان أدت الى خفض كبير فى تقديرات العدد العالمى للجياع إلى 690 مليونا حاليا وبرغم ذلك لم يكن هناك أى تغيير فى الاتجاه خاصة وأن الجوع المزمن بدأ فى الارتفاع ببطء منذ العام 2014 ومستمر بعد التراجع المضطرد لعقود، وذكرت الدراسة أن آسيا ما تزال موطن أكبر عدد ممن يعانون من نقص التغذية فى العالم بحوالى 381 شخصا بينما تأتى إفريقيا فى المرتبة الثانية بـ 250 مليونا تليها أمريكا اللاتينية والكاريبى بنحو 48 مليونا مشيرة إلى أن انتشار نقص التغذية لم يتغير على الصعيد العالمى إلا بنسبة طفيفة عند 8.9 % ولكن الأرقام المطلقة كانت فى ارتفاع منذ 2014 بما يعنى أنه على مدى السنوات الخمس الماضية ازداد الجوع بالتوازى مع سكان العالم .

وأشارت الدراسة إلى أن إفريقيا هى الأكثر تضررا وسيزداد ذلك إذ يعانى 19.1 % من سكانها من سوء التغذية وهو ما يمثل أكثر من ضعف المعدل فى آسيا (8.3 %) وفى أمريكا اللاتينية والكاريبى التى تصل النسبة فيها إلى 7.4 % ، ولفتت إلى أنه وبحسب الاتجاهات الحالية فإن إفريقيا ستكون موطنا لأكثر من نصف من يعانون من الجوع المزمن فى العالم بحلول عام 2030 وقالت إن التغلب على الجوع وسوء التغذية بجميع أشكاله بما فى ذلك نقص التغذية ونقص المغذيات الدقيقة والوزن الزائد والسمنة هو أكثر من مجرد تأمين ما يكفى من الغذاء من أجل البقاء إذ أن ما يأكله المواطنون فى كل مكان وخاصة الأطفال يجب أن يكون مغذيا أيضا.

وأشارت الدراسة إلى أن العقبة الرئيسة أمام ذلك هي التكلفة المرتفعة للأغذية المغذية وانخفاض القدرة على تحمل تكاليف الوجبات الغذائية الصحية لأعداد كبيرة من الأسر، وذكرت الدراسة أن النظام الصحي يكلف أكثر بكثير من 1.90 دولار في اليوم وهو حد الفقر الدولى وهو أكثر بخمسة أضعاف من سعر ملء المعدة بالنشا فقط، مشيرة إلى أن منتجات الألبان والفواكة والخضروات والأغذية الغنية بالبروتينات النباتية والحيوانية هى أغلى المجموعات الغذائية على مستوى العالم، ونوهت بأن أكثر من 3 مليارات شخص أو أكثر وفق أحدث التقديرات لا يمكنهم تحمل تكاليف نظام غذائى صحى، واستنادا للدراسة فإن ما بين ربع وثلث الأطفال دون سن الخامسة (191 مليونا) كانوا يعانون من التقزم أو الهزال فى 2019 بينما 38 مليونا آخرين تحت سن الخامسة يعانون من زيادة الوزن فى الوقت الذى أصبحت فيه السمنة بين البالغين وباء عالميا.

وأكدت الدراسة أن التحول العالمى إلى الأنظمة الغذائية الصحية من شأنه أن يساعد على معالجة الانزلاق العكسى إلى الجوع مع توفير مدخرات هائلة، إذ تشير التقديرات إلى أن مثل هذا التحول سيسمح بتعويض التكاليف الصحية المرتبطة بالنظم الغذائية غير الصحية والتى قدرت بنحو 1.3 ترليون دولار سنويا فى عام 2030 فى حين أن التكلفة الاجتماعية المتعلقة بانبعاث الغازات الدفيئة المرتبطة بالنظام الغذائى والتى تقدر بنحو 1.7 تريليون دولار يمكن تخفيضها بما يصل إلى ثلاثة أرباع.

الامن الغذائي العالمي

توقع تقرير للأمم المتحدة، أن تتسبب جائحة فيروس كورونا المستجد وإجراءات الحد من انتشار الفيروس، في دفع أكثر من 130 مليون شخص حول العالم نحو "الجوع المزمن" بحلول نهاية العام الجاري 2020، وقالت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "فاو"، في آخر تقاريرها حول "حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم"، إن الوباء "يكثف نقاط الضعف والقصور في أنظمة الغذاء العالمية"، وأوضح التقرير الصادر أنه "على الأقل، قد يعاني 83 مليون شخص آخر، وربما يصل نحو 132 مليون شخص، من الجوع في عام 2020 نتيجة الركود الاقتصادي الناجم عن COVID-19"، ويقدر التقرير أيضًا أن حوالي 690 مليون شخص يعانون من الجوع في عام 2019، بزيادة 10 ملايين عن العام السابق.

وأفاد التقرير أن "إفريقيا هي المنطقة الأكثر تضررًا من حيث النسب"، حيث يعاني 19.1% من سكانها من سوء التغذية، تليها آسيا بنسبة 8.3%، وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بنسبة 7.4% ومع تأثير الوباء على الأمن الغذائي، أكد التقرير، أن تحقيق هدف التنمية المستدامة للقضاء على الجوع بحلول عام 2030، أصبح "أمرًا مشكوكا فيه"، من جانبها، وتعليقًا على تقرير الأمم المتحدة عن حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم، والذي يسلط الضوء على أن 60 مليون شخص يعانون من الجوع اليوم أكثر مما كانوا عليه قبل خمس سنوات، وأن أكثر من ثلث البشرية لا يمكنهم تحمل ما يكفي من الغذاء الصحي، قالت راشمي ميستري، المسئولة بمنظمة أوكسفام، إن "تقرير الأمم المتحدة هذا مقلق للغاية. يظهر أن نظامنا الغذائي العالمي يتداعى".

وأوضحت ميستري، أنه "يجب على الحكومات أن تمول بالكامل نداء COVID-19 الصادر عن الأمم المتحدة، وأن تلغي ديون البلدان المنخفضة الدخل، لتوفير الموارد اللازمة للتصدي لارتفاع الجوع المرتبط بالوباء" وطالبت أوكسفام، في تعليقها على تقرير الفاو، بـ"إيجاد طرق أكثر إنصافًا وقوة واستدامة لإطعام الناس. وهذا يعني إعطاء الأولوية لاحتياجات صغار منتجي الأغذية والعاملين على أرباح شركات الأغذية الزراعية الكبرى، ومعالجة أزمة المناخ، وضمان حصول جميع العمال على أجر يكفي للإعاشة".

توقعات قاتمة

ذكر تقرير سنوي للأمم المتحدة، أن شخصا واحدا من كل 9 أشخاص عانى من سوء التغذية في عام 2019، مع توقعات بتزايد النسبة بسبب تفشي وباء كورونا المستجد، وبحسب آخر التقديرات، طال الجوع 690 مليون شخص العام الماضي، أي ما يساوي 8.9% من سكان العالم، وفق تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) أعد بمساعدة الصندوق الدولي للتنمية الزراعية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية، ووفقا لما نشرته صحيفة "الإمارات اليوم"، يزيد هذا العدد بعشرة ملايين عن نظيره في عام 2018 وبستين مليونا عن عام 2014.

وأعلن تيبو ميان محلل السياسات في منظمة الأغذية والزراعة، أنه إذا تواصلت هذه الوتيرة، من المتوقع بحلول عام 2030، تخطي هذا العدد 840 مليونا، وتم التوصل إلى هذه التوقعات القاتمة قبل الأخذ في الاعتبار الأزمة الصحية والاقتصادية الناجمة عن الوباء الذي تسبب بخسارة مداخيل ورفع أسعار الغذاء واضطراب سلاسل التوريد، ووفق التقرير، قد يؤدي الركود العالمي الناجم عن الفيروس إلى إصابة ما بين 83 مليونا و132 مليون شخص إضافي بالمجاعة.

الجوع الصامت في زمن كورونا

في زمن جائحة كورونا وكنتيجة للأوضاع الإقتصادية وآثار الجائحة على النمو الإقتصادي والإستثمار والفقر والبطالة وغيرها من المفردات الإقتصادية فقد زادت بإضطراد حالات الفقر والجوع الصامت؛ حالات الفقر إنتشرت بين الناس بإضطراد كنتيجة للوضع الإقتصادي العالمي والتضخّم وزيادة الأسعار وقلّة الدخل، وبعض الناس الفقراء صامتون ولا يسألون أحداً لغايات أن يسدّ رمقهم، فلا يشعرون أحداً بأوضاعهم المعيشية؛ ببساطة لأنهم يمتازون بالعِفّة وعزّة النفس، ولذلك هؤلاء من يستحقون أن نكتشفهم ونساعدهم لأنهم "لا يسألون الناس إلحافاً"، فهم لا يطلبون ولا يتسوّلون بل صابرون ويضرعون لرب العزّة.

في ظل أزمة كورونا إتسعت دائرة العوز والفقر بسبب ترك بعض العمال مواقعهم كإنعاس للوضع الإقتصادي؛ وبالرغم من الجهود الرسمية لمحاربة الفقر وجهود الوزارات اوالمؤسسات ذات العلاقة وقرارات الدفاع المتوالية لذلك دعماً للمتعطلين عن العمل والمحتاجين وعمال المياومة وغيرهم؛ إلّا أن الجهود الشعبية يجب أن تُشارك لغايات القضاء على الفقر والمساهمة بإجتثاثه من خلال تحسّس أصحاب الحاجات الحقيقية، الحديث النبوي الشريف: والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع، يتطلّب التكافل الإجتماعي وروحية العطاء لمحاربة الفقر وإدخال البسمة على مُحيّا كل الفقراء؛ فكيف إن كان ذلك في زمن كورونا؟ فالأصل تقاسم الغذاء بين الناس للتكافل والتراحم؛ والتشاركية هنا مطلوبة أنّى كان لأن إمتلاك روحية العطاء مطلوب لغايات حفظ كرامات الناس.

الجوع الصامت يتكاثر في البيئات العفيفة والتي لا يمكن أن تبادر بطلب المساعدة، وواجبنا الديني والوطني والإنساني يتطلّب إكتشافهم ومساعدتهم كل في منطقته؛ وهذا حتماً يتطلب جهود مضاعفة في زمن كورونا لأن أصحاب الحاجة زادوا كثيراً؛ وربما المتسولون والذين أجزم أنهم غير محتاجين قد تغوّلوا على حاجات أصحاب "الجوع الصامت"، ولهذا فإنني أدعو لتحري صدقيتهم والتركيز على أهل الجوع الصامت؛ وفي زمن كورونا بات المحتاج واضحاً لأنه دون عمل أو تشغيل؛ وبات الناس يدركون الغثّ من السمين مالياً، فالمعلومات الأولية تشير لوجود أكثر من 20 ألف عائلة أو حوالي مئة ألف مواطن يعانون من الجوع الصامت بالمملكة، وعلى أهل الخير تقديم المساعدة والعون لهم؛ وفي زمن كورونا زادت بالطبع هذه الأرقام أو ربما تضاعفت ليصبح الفقر في كل مكان؛ فالحذر واجب؛ وحتماً لا يمكن أن يموت هؤلاء من الجوع لأن ربّ العزّة تكفّل برزقهم، لكن المطلوب مأسسة مساعدتهم دون فزعات؛ فمطلوب من منظمات المجتمع المدني التحرّك على كل المستويات لغايات إنقاذ برامج التنمية الإجتماعية؛ وفي زمن كورونا أصبح وكنتيجة لزيادة الجرعة الإيمانية الكل يؤمن بالرزق أنه مقسوم.

المطلوب أيضاً أن تقدّم الحكومة لهؤلاء بشكل فردي أو على شكل مجموعات مشاريع صغيرة منتجة على نظريّة "لا تعطني سمكة بل علّمني كيف أصطادها"، وأن تساهم أيضاً في تثقيفهم صحياً ومجتمعياً لغايات تنظيم النسل لديهم؛ وهذا ما يتم في زمن كورونا من خلال صندوق التنمية والتشغيل وقرارات الدفاع المتوالية

وأخيراً؛ حتى في زمن كورونا الجوع الصامت يؤثّر على الأمن المجتمعي، ونحتاج لإكتشاف أصحابه لمساعدتهم والوقوف لجانبهم ليس بفزعات بل بمشاريع تنموية تساهم في تحسين أوضاعهم المعيشية، ونحتاج لتضافر الجهود بين الحكومة وأهل الخير لهذه الغاية.

جائحة غذائية قد تحصد أرواح ربع مليون إنسان يومياً

حتّى اللحظة، لا تزال التبعات الاقتصادية لجائحة "كوفيد-19" هي الأكثر تداولا، لكن ديفيد بيسلي، المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالميّ، يُسلِّط الضوء على جوانب أخرى في هذا المقال من مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، فيما يُسمّيه "جائحة غذائية" لا تقل فتكا وتدميرا عن فيروس كورونا المستجد، إذ من المتوقّع للجائحة أن تحصد أرواح 300.000 شخص يوميا حتى ثلاثة أشهر قادمة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد المنتجات الغذائية من الخارج، والدول التي تُمزِّقها الحرب مثل سوريا واليمن.

لقد أثقل فيروس كورونا المستجد كاهل الأنظمة الصحية وهزّ أركان الاقتصادات حول العالم وحاليا، من المُتوقَّع له إشعال فتيل أزمة غذائية عالمية أيضا، بعد عقود من التقدم في معركة الإنسانية ضد الفقر والجوع، وفقدان الوظائف، وتعطّل سلاسل الإمداد، واضطرابات اقتصادية أخرى تسبّبت بها جائحة تُهدِّد بدفع ملايين من الناس نحو انعدام الأمن الغذائي، أي نحو المجاعة التامّة يجب على المؤسسات الدولية ودولها الأعضاء التحرك بشكل حاسم منعا لهذه العاقبة، وإلا حلَّ عهد فوضوي مكلف من الجوع والفقر المتصاعدين.

في إبريل/نيسان، كنت قد حذّرت مجلس الأمن في الأمم المتحدة من "جائحة غذائية"، فتأثيرات الأزمة الاقتصادية المصاحبة للفيروس ستكون واضحة في كل مكان تقريبا ومع أن الدول ستضع -ولها الحق في ذلك- مصالح شعوبها أولا، فإنَّ عالما لا تجمعه الغاية المشتركة هو عالم يستدعي كثيرا من المشكلات وغايتنا المشتركة ينبغي أن تكون هزيمة هذا الفيروس، ومنعه من التسبب بجائحة غذائية، وأن نرُاكِم على المكتسبات التي أُحرِزَت ضد الفقر والجوع خلال معظم السنوات الثلاثين الأخيرة.

لقد حل الوباء في لحظة حرجة؛ حيث كانت سنوات من النجاح بمواجهة الفقر والجوع قد بدأت بالتباطؤ، وفي بعض الحالات، بالانتكاس وقت انتشار الفيروس ففي الثلاثين عاما الأخيرة، تراجعت معدلات الفقر المدقع إلى أكثر من النصف، أي من نحو مليارَيْ شخص عام 1990 حتى 700 مليون عام 2015، بفضل النمو الذي تقوده شركات القطاع الخاص وشبكات الأمان الاجتماعي المقوّاة من بين عوامل أخرى، وتراجع الجوع بنسبة 25% في الفترة نفسها تقريبا لكن في السنوات الأربعة الأخيرة، كان عدد الأشخاص الذين يواجهون الجوع المزمن، أي الأشخاص الذين يذهبون إلى أَسِرّتهم جياعا كل ليلة، قد ارتفع من 796 مليون نسمة إلى 821 مليونا، وكذلك ارتفع عدد مَن يعانون الجوع الحاد، أي أولئك الذين يجدون أنفسهم جياعا فجأة بعد تناول ما يسد الرمق، بنسبة 70% خلال السنوات الأربعة الماضية، أي من 80 مليون شخص إلى 135 مليونا ويعاني نحو مليار إنسان إما من الجوع المزمن أو الجوع الحاد حاليا.

إن أكبر عامل يقود هذا التصاعد الأخير هو الصراع، إذ يعيش 60% من الأشخاص الجياع حول العالم في بلدان تُمزِّقها الحرب من بين هذه الأماكن سوريا واليمن، ولم تتوقف سنوات الحرب عند مفاقمةِ الجوع، لكنها وضعت العراقيل أمام تقدُّم الأجيال القادمة أيضا، وقد لعب التغيير المناخي كذلك دورا كبيرا في الدفع بجماعات سكانية معيّنة إلى هاوية الجوع، لا سيما في بلدان مثل أفغانستان وجمهورية الكونغو الشعبية، حيث تزاوج التردّي المناخي بالصراعات الدائرة مفاقما حالة انعدام الأمن الغذائي.

مع تزاوج جائحة "كوفيد-19" بهذه الأزمات الموجود سلفا، تُشير تقديراتنا إلى أن عدد الأشخاص الذين سيعانون الجوع الحاد قد يبلغ نحو الضعف بحلول نهاية العام الحاليّ، أي إنه سيطول 265 مليون شخص، في حين سيعاني 300 مليون شخص آخرين نقص العناصر الغذائية، حيث ستفتقرُ أغذيتُهم إلى الفيتامينات والمعادن التي تبقيهم أصحاء، وفق تقدير أجراه "التحالف العالمي لتحسين التغذية" كما أن الفيروس يغذّي الجوع عبر تعطيل الاقتصادات العالمية والمحلية على حدٍّ سواء، وأكبر الأضرار ستكون من نصيب البلدان متدنّية الدخل والتي تمتلك أدوات أقلّ للتعامل مع الانهيار الناجم عن الجائحة.

لكن الدول التي كانت تتمتع باقتصادات ديناميكية آخذة بالنمو قبل التفشي بدأت تعاني من الآثار السلبية أيضا ومن البلدان التي تلقّت الضربة الأقسى تلك التي تعتمد على صادرات المواد الخام، ومنها نيجيريا، وجنوب السودان، وزامبيا، وبلدان تعتمد على السياحة مثل غامبيا والأردن، وأخرى مثل هاييتي والنيبال، حيث تُشكِّل التحويلات المالية التي تَرِدُ إلى البلاد من العمال المهاجرين نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي بينما أدّت الإغلاقات المحلية في هذه البلدان إلى تقليص مداخيل العديد من العاملين في هذه القطاعات، وزيادة مدة هذه الإغلاقات ستُلحق مزيدا من الضرر لا سيما إن لم تترافق مع توسعة شبكات الأمان الاجتماعي.

يتلقّى نحو 100 مليون شخص المساعدة سلفا من برنامج الغذاء العالمي، ويعتمد نحو 30 مليون شخص من هؤلاء على الولايات المتحدة لكي يظلوا على قيد الحياة بدون هذا الدعم، يخشى المحللون في برنامج الغذاء العالمي من أن 300.000 شخص حول العالم سيموتون جوعا بشكل يومي حتى ثلاثة أشهر قادمة، وغالبا ما سيحدث ذلك في البلدان التي تُمزِّقها الحربن وكما هو الحال في الصراع، فالأزماتُ الغذائية تُولِّد انعدام الاستقرار، حيث يتسرّب اللاجئون عبر الحدود، وفي بعض الحالات، يحوّل هذا الأمر المناطقَ الهشة سلفا إلى بؤر صراع محتملة وتُشير أبحاثنا إلى أن كل زيادة بنسبة 1% من معدلات الجوع داخل بلد معين تترافق مع زيادة بنسبة 2% في فرص الهجرة خارج ذلك البلد.

ارقام صادمة

حذرت منظمة أوكسفام، من تسبب "فيروس الجوع" في وفاة قرابة 12 ألف شخص يومياً بحلول نهاية العام نتيجة الجوع المرتبط بوباء "كوفيد – 19"، والذي من المحتمل أن يسبب وفيات أكثر من الوباء نفسه، وأوضحت المنظمة في بيان أن 121 مليون شخص إضافي أصبحوا مهددين بالمجاعة هذا العام، نتيجة التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للوباء، بما في ذلك البطالة الجماعية وتعطيل إنتاج الغذاء والإمدادات وتراجع المساعدات ولفتت إلى أن معدل الوفيات اليومية المرتبطة بـ"كوفيد – 19" بلغ في أعلى حصيلة مسجلة في شهر أبريل (نيسان) 10000 حالة وفاة في اليوم.

بهذا الصدد، قال المدير التنفيذي المؤقت لمنظمة أوكسفام، كيما فيرا، إن كورونا هي القشة الأخيرة التي تقصم ظهر البعير لملايين الناس الذين يعانون بالفعل من آثار الصراع وتغير المناخ وعدم المساواة ونظام الغذاء الهش الذي أفقر الملايين من منتجي الأغذية والعمال وكشف تقرير المنظمة عن أسوأ عشر مناطق يجوبها الجوع في العالم وحيث تزداد أزمة الغذاء حدة نتيجة الوباء، وتشمل اليمن والكونغو الديمقراطية وأفغانستان وفنزويلا وإثيوبيا وجنوب السودان وسوريا والسودان وهاييتي كما يسلط التقرير الضوء على الأماكن التي تعد بؤر ناشئة، وهي الدول ذات الدخل المتوسط مثل الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل.

وبحسب غوتيريش الذي نشر تقريرا خاصا بتداعيات الجائحة في أميركا اللاتينية، فإن إجمالي الناتج المحلي في المنطقة سيسجل تراجعا بنسبة 9.1 في المائة، هو الأسوأ منذ قرن واعتبرت الأمم المتحدة أن التداعيات الاقتصادية ستكون أكثر تدميرا نظرا إلى أن الجائحة تضرب المنطقة التي تسجل منذ سبع سنوات نموا ضعيفا، وفي توقيت لا تزال فيه اللامساواة قائمة مع عدم تأمين التغطية الصحية أو مياه الشرب لملايين الأشخاص، وتتوقع الأمم المتحدة ارتفاع معدلات الفقر بنسبة سبعة في المائة في العام 2020 أي زيادة قدرها 45 مليونا ترفع العدد الإجمالي للفقراء إلى 230 مليونا، أي ما نسبته 37.2 في المائة من سكان أميركا اللاتينية والكاريبي كذلك، ستزداد معدلات الفقر المدقع بنسبة 4.5 في المائة، أي زيادة قدرها 28 مليونا ترفع العدد الإجمالي لمن هم ضمن هذا التصنيف إلى 96 مليونا (15.5 في المائة من سكان المنطقة).

وحذرت الأمينة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي أليسيا بارسينا بأن هؤلاء "ستتهددهم المجاعة" واعتبرت الأمم المتحدة أن على الحكومات في إطار تصديها للأزمة ومساعدة الفقراء توفير مداخيل أساسية طارئة وإعانات لمكافحة المجاعة وأوضحت المنظمة أن هذا الأمر يعني توفير ما معدله 140 دولارا في الشهر للفرد وطالب غوتيريش المجتمع الدولي بـ"توفير سيولة ومساعدة مالية" لدول أميركا اللاتينية والكاريبي و"تخفيف ديونها".

إن التصدي للجائحة الغذائية والمساعدة في استئصال الفقر والجوع لن يتطلب الاستثمار العام في الحماية الاجتماعية فحسب، ولكنه سيستلزمُ أيضا تحرُّكا أكبر من الأعمال التجارية الخاصة من خلال الاستثمارات المباشرة وعقد الشراكات بين القطاعين العام والخاص في قطاعات مثل الزراعة وتُفيد دراسة مشتركة بين برنامج الغذاء العالمي ومنظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة والصندوق الدولي التابع للأمم المتحدة للتنمية الزراعية بأن استثمارات إضافية بقيمة 265 مليار دولار سنويا، أي ما يُشكِّل 0.3% من الدخل العالمي المتوقع، ستكون كفيلة بالقضاء على الفقر والجوع بحلول عام 2030 قد يبدو ذلك المبلغ ضخما جدا، لكنه في متناول الدول الغنية، والمؤسسات، والأفراد.

........................................................................................................................
المصادر
- الشرق الاوسط
- Halab Today TV
- الجزيرة
- الدستور
- البوابة فيتو
- اليوم السابع
- الدستور

اضف تعليق