هناك دول تمتلك ثروة نفطية؛ وهناك دول لا تمتلك ثروة نفطية. وقد يتبادر إلى الذهن أن الدول النفطية هي دول غنية، وأما الدول غير النفطية هي دول فقيرة. ولكن ليس الأمر كذلك دائما. فبعض الدول النفطية هي دول غنية ومتطورة بالفعل، مثل الولايات المتحدة وروسيا، وبعضها دول غنية؛ ولكن ليست متطورة مثل السعودية؛ وبعض دول الخليج، وبعضها الآخر مازالت تعد من الدول الفقيرة؛ رغم ما تمتلكه من ثروة نفطية هائلة، مثل العراق؛ والجزائر؛ وفنزويلا؛ وغيرها.

فليس شرطاً أن تمتلك دولة ما موادا وخامات أولية كي تساهم في تقدمها، فأكثر مناجم الذهب والألماس توجد في أفريقيا، ولكن القارة الأفريقية تضم أفقر الدول؛ وأسوأ الاقتصاديات في العالم. ورغم تفوق فنزويلا على السعودية وروسيا وكندا في احتياطاتها النفطية، فهذه الدولة تملك فقراء أكثر من أي دولة في أميركا اللاتينية (بما في ذلك البرازيل التي تفوقها كثيراً في عدد السكان).

بينما يوجد الكثير من الدول التي تمكنت من صناعة نهضتها دون امتلاك احتياطيات نفطية، في الوقت الذي يمثل فيه النفط أحد أهم المصادر لتوليد الطاقة التي تعد بدورها أهم ركائز البنية التحتية. فهناك على سبيل المثال عشر دول من أكبر الاقتصادات العالمية التي لا تمتلك احتياطيات نفطية –تقريباً- على أرضها، وتعتمد على الاستيراد لتوفير احتياجاتها، لكنها في المقابل حققت نموا ونهضة يشهد لها العالم، مثل: اليابان؛ وألمانيا؛ وفرنسا؛ وإيطاليا؛ وتركيا؛ وسويسرا؛ وغيرها.

لقد اكتسبت منطقة الشرق الأوسط أهمية عظيمة في مجال الطاقة منذ النصف الأول من القرن الماضي، عندما بدأ إنتاج النفط تجارياً في كل من العراق؛ والمملكة العربية السعودية؛ والكويت؛ وإيران. حيث إن إنتاج النفط في هذه البلدان ساهم بشكل كبير ومباشر في تنمية اقتصادات دول الغرب الصناعي المتقدم، لكنه لم ينعكس إيجاباً على اقتصادات بلدان الشرق الأوسط، منذ بدء الإنتاج حتى الربع الثالث من القرن الماضي.

إذ رغم أن أكثر من ثلاثة أرباع احتياطات العالم من النفط توجد في منطقة الشرق الأوسط (62.47 بالمائة من احتياطات العالم في الوطن العربي) إلا أنه لا يوجد ضمان أن عائدات الدول المنتجة للنفط ستظل كافية لتمويل الاستيراد الضروري لتلك الدول كونها دول مستوردة؛ فسعر النفط يمكن أن ينخفض في كل وقت، كما هو الحال الآن. ولا يوجد ضمان أن الدول المنتجة للنفط لن تضطر إلى خفض إنتاجها من النفط بسبب ظهور منتجين جدد في سوق النفط العالمية، أو بسبب انخفاض الطلب العالمي على النفط أو لأسباب أخرى، كما يحدث الآن بسبب انتشار جائحة كورونا.

وكذلك لا يوجد ضمان أن الأبحاث العلمية الحديثة لن تسفر عن اكتشاف أو اختراع مصدر طاقة جديد منافس للنفط، فدول الغرب الصناعي المتقدم، أي المستهلك الرئيسي للنفط، تعد منطقة الشرق الأوسط منطقة غير مستقرة، فهم يتوقعون حدوث حروب وثورات وانقلابات في المنطقة تؤدي إلى انقطاع النفط عنهم، وعليه؛ التخلص من الاعتماد على نفط منطقة الشرق الأوسط في الغرب يعد هدفاً استراتيجيا.

فإذا كان الأمر كذلك، وأن الدول المنتجة للنفط يمكن أن تصاب في الصميم، وينهار اقتصادها فجأة من دون سابق إنذار نتيجة اعتمادها على النفط كمورد أساسي لموازنتها السنوية، فان السؤال هنا ماذا يمنع الدول النفطية من الوصول إلى قائمة الدول الغنية، ثم الدول المتطورة والمتقدمة، فالمعروف أن من يمتلك ثروة ما يكون بإمكانه أن يستثمرها في مشروعات اقتصادية مدرة للربح، فالثروة إذا ما استثمرت تنتج حتما ثروة أخرى، فتتراكم ثروات البلد عام تل عام، وينعم شعبها بالوفرة المالية والرفاهية؟

(أولا) أعتقد أنه يمكن للدول النفطية أن تكون دولا غنية، وشعوبها شعوب غنية لمجرد أن يكون لديها ثروات معدنية في باطن الأرض، وأهمها النفط، فالنفط حتى هذه الساعة مازال يقال عنه إنه عصب الحياة، حتى أن الدول غير النفطية الصناعية يمكن أن تٌشل حركتها الصناعية إذا ما تعثر وصول النفط إليها في ظرف 30 يوما، لأن جميع مصانعها تستخدم مشتقات النفط، وتنتج البضائع والسلع الأخرى من النفط.

و(ثانيا) أن جميع الدول النفطية وغير النفطية لديها موارد غير نفطية كثيرة، مثل الموانئ والمطارات والمنافذ الحدودية، والسياحة الترفيهية والدينية والتاريخية، والزراعة والصناعة، والتكنلوجيا ووسائل النقل الحديثة، وأجور الخدمات العامة، وغيرها. ويمكن لها أن تعمل على تنميتها واستثمارها، ومن ثم الحصول على الثروة والرفاهية المطلوبين. فالدول غير النفطية لها اقتصاد قوي من خلال استثمار مواردها غير النفطية، ويمكن أن تقوم الدول النفطية بهذا النوع من الاستثمار أيضا، ففرص الدول المنتجة للنفط أوسع من فرص الدول المستهلكة له في الوصول إلى الثروة والرفاهية.

فعلى سبيل المثال، يٌعد النفط عصب الاقتصاد العراقي، فهو يٌشكل 45% من الناتج المحلي الإجمالي، و93% من إيرادات الموازنة العامة، وبينما تسهم الصادرات النفطية في 98% من تدفقات العملة الأجنبية، وهو ثاني أكبر منتجٍ للنفط في (أوبك) بعد السعودية بإنتاج 4 ملايين برميل يوميًا، وقبل احتدام حرب النفط أعلنت بغداد أنها تخسر في اليوم 100 مليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي جراء تداعيات فيروس (كورونا) خاصة أنّ الصين -المتضرر الأكبر من الفيروس في ذلك الحين- تمثل سوقًا حيوية للنفط العراقي.

وهو ما يُنذر بأزمة اقتصادية وشيكة في بلدٍ يواجه عجزًا ماليًا يُقدر بنحو 40 مليار دولار. وينتظر العراق حاليًا باعتباره أكبر البلدان العربية المتأثرة بحرب النفط عدة أزمات ممثلة في وقف النمو، وزيادة الديون، وتضاؤل الاحتياطيات، والعجز الأوسع الذي سيطول تعليق المشاريع التنموية، والاقتراض من الخارج، واستيراد السلع الغذائية. وبحسب العراقيين (العراق ليس لديه اقتصاد، نحن دولة ريعية فقط، نبيع النفط ونعيش على عائداته)

المشكلة الأساسية تتمثل بان الكثير من الدول النفطية، وعلى رأسها العراق يعتمد في المقام الأول على البترول والغاز مصدرا رئيسيا للدخل، وأن السياسة المالية (الإنفاق الحكومي) في هذه الدول غير متوازنة، والإنفاق الحكومي يتأثر بسرعة كبير بتغييرات الأسعار، فعندما تكون أسعار البترول مرتفعة (في أيام الرخاء) يتم الانفاق بصورة مبالغ فيها، وحين تنخفض الأسعار يقل الإنفاق.

فلماذا تعتمد بعض الدول النفطية على النفط فقط في واردتها السنوية مثل العراق؟ ولماذا لا تقوم هذه الدول باستثمار أموال النفط في تنمية مواردها الأخرى، مثل الزراعة والصناعة، والنقل، والسياحة والاتصالات والخدمات العامة مثل الماء والكهرباء؟

لعل اعتماد هذه الدول على نفطها دون اللجوء إلى الموارد الطبيعية والبشرية الأخرى سببه الأول هو السياسات القائمة في البلد، وروح هذه السياسات يعتمد على فلسفة توفير الدعم المالي (الإنفاق الحكومي) على العديد من القطاعات الخدمية، فالعراق مثلا يخصص ما يزيد على 90% من واردات النفط على رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين والأمنيين، وعلى دعم بعض القطاعات الخدمية مثل الصحة والكهرباء والماء والسكن، والسلع الغذائية وغيرها، فمع أن الخدمات العمومية التي تقدمها المؤسسات الحكومية لا تتوفر فيها الحد الأدنى من مواصفات ومعايير الجودة مع انها تدعم بمبالغ كبيرة جدا، ولا يكاد تتقاضى الحكومة أي عائد مالي جراء تلك الخدمات وذلك الدعم. ويوما بعد يوم تقل واردات النفط، بينما تزداد نفقات الحكومة على مؤسساتها الخدمة شبه المعطلة.

ولم تلتفت الحكومة العراقية بما فيه الكفاية لمصادرها الطبيعة والبشرية التي يمكن أن تسد جزء من مصروفاتها (العبثية) المأخوذة من واردات النفط ومشتقاته. فلم تٌشغل جل مصانعها الرئيسة، والتي جرى تشغيلها مازالت تعاني الخسارة تل الخسارة، نتيجة سوء التخطيط والإدارة، ونتيجة كثرة موظفيها، ونتيجة رداءة بضائعها وسلعها، ونتيجة فتح الحدود العراقية على مصراعيها لجميع ما هب ودب من البضائع والسلع التي تنتجها دول الجوار أو التي تستوردها خصيصا للعراق.

ولم تبذل جهودا واقعية إزاء المنافذ الحدودية التي تدعم الواردات النفطية من خلال الرسوم الجمركية والضرائب وغيرها، فمازالت الحدود البرية يعبث بها العابثون ويجنون أضعاف ما تجني الدول، ومازالت المطارات تتلاعب بها الشركات الأجنبية والمستثمرون الفاسدون. ومازالت الموانئ العراقية السبعة تحت قبضة مجموعات منظمة وغير منظمة تتربح أضعاف ما تتربح الحكومة.

فقد أشار تقرير حكومي موثق قدم للسيد رئيس الوزراء السابق من لجنة شكلت لغرض النظر في أوضاع الموانئ العراقية وحالات الفساد أن أموال الموانئ تقسم قسمين قسم للفاسدين من الإداريين والمكاتب الجمركية والشركات الأجنبية، وقسم يذهب إلى وزارة المالية، ولكن الفرق بينهما أن أموال الفاسدين تذهب بالكامل لهم بحسب حصة كل منهم، بينما أموال الدولة تدفع منها الرواتب والنثريات والتقاعد والصيانة...

ولكي يمكن للدول المصدرة للنفط ومنها العراق أن يستعيد عافيته ويحقق نوعا من الوفرة المالية، وبعضا من الازدهار فعليه أن يقوم بالآتي:

1. أن يأخذ العراق قرارا سياسيا واقتصاديا بالتحول من دولة منفقة وداعمة لكل شيء إلى دولة مشرفة ومنظمة لجميع القطاعات الخدمية أو أغلبها، ويمكن أن يجري ذلك على شكل مراحل زمنية مدروسة، وفي محافظات ومناطق محددة يمكن الاستفادة من دروسها الإيجابية والسلبية. فحين تغيب الرؤية الإستراتيجية ويجتمع الفساد مع سوء الإدارة يدخل البلد في دائرة مغلقة من البؤس والمعاناة، مهما بلغ عدد المناجم وحقول النفط.

2. أن يلتفت العراق التفاتة جدية، ويحصي موارده الطبيعة والبشرية غير النفطية، ويضع خطة مرحلية متكاملة للاستفادة القصوى من تلك الموارد لتعزيز وارداته النفطية. فمثلا إذا كانت الحكومة توفر الماء الصافي فعليها أن تجني واردات الماء، وإذا كانت الحكومة توفر الكهرباء، فعليها أن تجني واردات الكهرباء، وإذا كانت الحكومة توفر دعم لبعض السلع الأساسية فعليها أن تحصر هذا الدعم بالفئات الهشة فقط.

3. أن يضبط العراق واردتها غير النفطية بطريقة الإلكترونية تقلل نسبة سوء الإدارة والفساد المالي، وهي عملية ليست صعبة جدا، بل يمكن تحديد أسعار الخدمات الحكومية تحديدا عاما، وتحديد طرق الدفع الإلكتروني بحيث لا يصل الموظف المسؤول عن الخدمة أي مبالغ مالية يمكن أن يتلاعب فيها، فالثروة الطبيعية لا تضمن ثراء أي أمـة في ظل انتشار الفساد؛ والمحسوبية؛ وسوء الإدارة...

4. أن عملية التحول الهيكلي من اقتصاد متخلف إلى اقتصاد نام لا تقوم إلا باتحاد ذراعي التنمية الاقتصادية، وهما التخصيص والاستغلال الكفؤة للموارد الإنتاجية بما يكفل تعظيم الاستثمار مادياً (تكوين رأس المال الثابت) واجتماعياً (تكوين رأس المال الاجتماعي).

.......................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

16