أعجب من دول وشعوب لا تجعل موضوعة (التنمية الاقتصادية) كل سياساتها؛ واستراتيجياتها؛ وبرامجها، وأمقت كثيرا دولا؛ وشعوبا؛ وأفرادا، يجعلون اقتصادهم موضوعا ثانويا أو هامشيا، تحت مبررات أمنية؛ سياسية؛ فكرية؛ عقائدية؛ واقتصادية، أثبتت التجربة البشرية فشلها تماما، فلا العقل؛ ولا المنطق؛ ولا الدين، ولا الدنيا؛ ولا الآخرة، ولا شحة الموارد الطبيعية، ولا قلة الثروة، ولا غير ذلك يمكن أن تقف حائلا دون أن نجعل تنمية اقتصادنا محور حياتنا كلها، لأن الاقتصاد القوي سبب قوي لعزة الأفراد، كما هو سبب أساسي لسيادة الدول.

إن كثيرا من الأفراد الذين تمكنوا من بناء اقتصاد قوي لصالح مستقبلهم، ولم يعودوا بحاجة إلى الآخرين في تلبية متطلبات حياتهم إلا بمقدار التفاهم والتعاون لتنمية هذا الاقتصاد وتطويره، هم أكثر من غيرهم، من الأفراد الآخرين، يشعرون بالكرامة؛ والعزة؛ والفخر. وينظرون إلى الحياة نظرة إيجابية؛ ومتفائلة، ويعدون أنفسهم؛ وذويهم؛ ومجتمعهم بمستقبل واعد.

كذلك الدول التي تمكنت من بناء اقتصاد قوي لها، هي أكثر من أي دولة أخرى، تشعر أنها تتمتع بالسيادة الوطنية، وأنها تملك قرار نفسها، دون إملاءات من دول أخرى وإشارات، بينما تظل تلك الدول الضعيفة اقتصاديا تحت ظل عبودية الدول القوية، وإن زعمت أنها دول حرة، فالسيادة، أي الاستقلال، لا تتحقق بالكلمات الرنانة، ولا بالصراخ الكثير في وجه الدول الكبرى، إنما تتحقق بالتنمية الاقتصادية، وتحقيق الثروة الوطنية.

للأسف قد يخدعك الآخرون، فيقولون لك إن اقتصادك قوي، وأن بلدك بلد غني، وأن الثروة عندك لا تعد ولا تحصى، فتصدق ذلك، لا لشيء إلا لأنك لا تريد أن تصدق أنك بلا تدبير، وبلا اقتصاد، وبلا أموال وبلا ثروة...

إذا كنت تريد أن تعريف الحقيقة؛ فانظر إلى جيبك، فان وجدته فارغا، فاعلم أنك لا تملك شيئا، وأنظر إلى حسابك المصرفي؛ فان وجدته صفرا، فاعلم أنك لا تملك رصيداً لغدك، وأنظر إلى بيتك؛ فان وجدت نفسك لا تستطيع أن توفر حاجات أسرتك؛ فاعلم أنك أعجز الناس...

ذات الأمر، يمكن أن يقال للدول التي ترى أنها تملك ثروة ومالا وسيادة، فلتنظر الدولة إلى مدارسها ومعاهدها وكلياتها؛ فان وجدت أبناءها لا يستفيدون من علومها، ولا يستخدمون ما تعلموه في مدارسها في التطوير والإبداع والإنتاج؛ فهي دولة جاهلة؛ مهما كثرت مدارسها. ولتنظر الدولة إلى مستشفياتها ومختبراتها الطبية؛ فان وجدت أن مستشفياتها عاجزة عن تقديم خدماتها الصحية لمواطنيها؛ فهي دولة مرض وموت، لا دولة شِفاء ولا حياة، مهما تعددت مستشفياتها. ولتنظر الدولة إلى ثروتها البشرية؛ فان وجدت شبابها متسكعين على أرصفة الشوارع دون عمل؛ فهي دولة لا مستقبل فيها، ولا أمل... مهما تحدثت عن مستقبل واعد... لأن المستقبل الواعد إنما هو نتيجة لمقدمات، وحيث إن المقدمات لم تتكون بعد؛ فان النتائج لا يمكن تصور ولادتها، لأن ظهور النتائج دائما مرتبطة بمقدماتها.

سيظل الأفراد والشعوب والدول يدورون حول أنفسهم في فلك هذه الحياة، يستجدون قوتهم من فتات الطبيعة، تماما كما يفعل الشحاذون في الطرقات والتقاطعات، ويرضون لأنفسهم أن يعيشوا على هامش الحياة فقراء وتعساء وأذلاء، مع أنهم قادرون على العيش بطريقة أفضل تضمن لهم حياة كريمة ومرفهة بقليل من إجراءات التنمية الاقتصادية.

ولكن السؤال الأهم هنا؛ هو كيف يمكن للأفراد والشعوب والدول أن يسلكوا طريق التنمية الاقتصادية، وأن يجعلوا المحور الاقتصادي عنوانا بارزا من عناوين حياتهم، إن لم يكن هو العنوان الأوحد، فيعيشوا حياة الكرامة والعزة بدلا عن حياة الفقر والاستكانة، فالقضية ليست بهذه السهولة، والغنى لا يأتي بعصا سحرية، وإلا لا أحد من الأفراد أو الشعوب أو الدول يرضى أن يعيش فقيرا وذليلا، يستجدي من الآخرين قوته، وملبسه، ومركبه، ولكن ما باليد حيلة، فإننا منهمكون وعاجزون ومفلسون، ولا شيئا أمامنا ولا وراءنا، ومن كان حاله هكذا؛ فالأولى له أن يرضى بالعيش على ظاهر هذه الأرض أفضل من الرقود في باطنها؟

نعم؛ صحيح إن الغنى والثروة لدى الأفراد والدول لا تتحقق بالرغبات والأمنيات، ولا تتحقق من لا شيء، بل هي تحتاج إلى مكونات ومستلزمات ومقدمات لتحقيقها، فالأرض لا تخضر لأننا نريدها أن تخضر، والمصنع لا ينتج لأننا نريده أن ينتج، والسيارة لا تتحرك لأننا نريدها أن تتحرك، والفوز في كرة القدم لا يتحقق لأننا نريد أن نفوز ما لم نجر التمارين كل التمارين، كذلك الغنى والثروة والكرامة والعزة لا تتحقق لأننا نتمنى أن نكون أغنياء وأثرياء، وأن نعيش بكرامة وعزة، ولا شيء في هذه الحياة؛ لا القليل منها ولا الكثير ؛ يتحقق لمجرد أننا نتمناه.

ولكن أحذورا الفخ الكبير الذي وقع ويقع به الأفراد والجماعات والدول دائما، وهو أنهم يتصورون أنهم لا يملكون شيئا البتة، وليس عندهم شيئا يمكن أن يحقق لهم الرفاهية، ومن لا يملك شيئا لا يحقق في الحياة شيئا. وحيث إننا لا نملك شيئا؛ فالأولى لنا؛ إما أن نعيش حياة الكفاف؛ وإما أن نعتمد على غيرنا في كل شيء في حياتنا، لأن هذا قدرنا وذلك مصيرنا... وهذا هو الخطأ الاستراتيجي الذي نرتكبه في حياتنا أفرادا وشعوبا ودولا.

في الواقع ليس هناك آدمي على وجه الأرض لا يملك شيئا، وليس هناك أمة لا تملك شيئا، وليس هناك دولة لا تملك شيئا، نعم قد تتفاوت الملكيات والقدرات والإمكانيات والمواهب والخبرات، ولكننا قطعا نملك شيئا ما يميزنا عن الآخرين، ونستطيع أن نستثمره لصالحنا ولصالح مستقبل أبناءنا. قد يكون ما نملكه نحن سببا في رخاءنا، ورخاء آخرين ابتاعوه منا، وقد يكون ما يملكه الآخرون سببا في غناهم وسببا في رفاهيتنا. وهذه سنة الله في العباد والبلاد.

أتقولون إننا لا نملك شيئا، وإننا مغلوبون على أمرنا، فما بال ثروة العقل التي تمتلكونها على سبيل الحصر، أليست هي من مكنت الأغنياء من الغنى، والأثرياء من الثروة، والأعزاء من العزة، والكرماء من الكرامة؟

إن التعقل والتفكير والتخطيط ثروة كبيرة يمتلكها بنو البشر، وبها هم قادرون على تغيير نمط حياتهم نحو الأحسن والأفضل والأجود، ولا أحد يمنع الآخرون من التفكير والتخطيط لبناء مستقبل واعد له، إلا أن أكبر عائق يواجه الإنسان هو نفسه التي تمنعه من التعقل والتفكير والتدبر، فتضع بينه وبين رفاهيته حاجزا كبيرا يحول دائما بينه وبين مستقبله. فالتعقل والتخطيط ثروة بإمكانك استثمارها كما استثمرها غيرك فسعد بها، وبإمكانك تركها في صندوقها فتصدأ، فتكون كمن يملك ثروة كبيرة ولكنه لا يستطيع أن يشتري بها لقمة تسد جوعه!

أتقولون-أيها الشباب- أنكم لا تملكون شيئا، تستعينون به على أيامكم، فما بال الصحة؟ أليست الصحة نعمة وثروة كبيرة؟ إن الصحة بعد العقل ثروة لا يمكن لأحد أن ينكرها، وكل فرد يتمتع بالصحة الجديدة يكون أقدر من غيره على تنمية ذاته، وتحقيق أهدافه. فلا ينبغي هدرها، وإنما علينا استثمارها، كما نستثمر بعض رؤوس أموالنا في المصارف والبنوك، وعلينا أن لا نتركها فريسة للزمن يأكل منها قوتها ويترك لنا ضعفها، وحينذاك لا ينفع ندم النادمين، حيث قال رسول الله (ص) وآله وسلم: (اغتنمْ خمسًا قبل خمسٍ، شبابَك قبل هرمكَ، وصحتَك قبل سَقمِكَ، وغناكَ قبل فقرِك، وفراغَك قبل شغلِك، وحياتَكَ قبل موتِكَ) أي أفعل خمسة أمور قبل أن تحدث خمسة أمور أخرى.

أتقولون إن بعض الدول فقيرة؛ لأنها لا تملك ثروة طبيعية، كما تملك دول أخرى غيرها، وإنها إنما تخلفت عن ركب التنمية الاقتصادية؛ لأنها لا تمتلك مقومات النمو والتطور؟ لا أبدا، في الواقع؛ إنها كذبة كبيرة قيلت فصدقتها الدول الفقيرة نفسها، وابتلعت الشعوب طعمها، فغدت سقيمة ومريضة، لا تنهض بأعباء نفسها وأبناءها، فتركها من تركها من أبناءها فاستراح منها وتنكر لها، وعاش فيها من عاش في ضنك وضعف، يندب حظه...

أتعلمون أن كثيرا من الدول تمتلك ثروات طبيعية كثيرة، ولكنها مازالت دولا فقيرة تستجدي عيشها من دول أخرى أقل منها بشرا وثروة؟ أتعلمون أن كثيرا من الدول لا تمتلك أي ثروة طبيعية أو تكاد لا تمتلك ثروة طبيعة، ولكنها تقف اليوم في مصاف الدول الغنية الآخذ بالنمو والتطور والوفرة، وتصدر منتجاتها الإلكترونية إلى أسواق العالم كله؟ إن موضوع (التنمية الاقتصادية) لا يرتبط دائما بالثروة الطبيعية بل هو مرتبط دائما بالثروة البشرية، وطرق البحث عن حياة أكثر رخاء وأكثر جودة.

لذلك يمكن القول إن هناك مجموعة من العناصر البشرية والطبيعة التي يمكن للدول الاستثمار فيها، وتحقيق طفرة في التنمية الاقتصادية، وتحقيق الثروة التي يحلم بها أبناؤها، وهي:

1. الاستثمار في البشر: في كثير من الأحيان، مازلنا نسمع من القادة قولهم (سنحقق النمو لاقتصادنا أولا، ثم سنستثمر في شعوبنا) لكن الاستثمار في البشر هو استثمار في النمو الاقتصادي. وتكشف أبحاث جديدة أن رأس المال البشري -رصيد المعرفة التقنية، والمعارف، والمهارات في بلد ما - هو جزء أهم بكثير من ثروة الأمم مما كان مفهوما سابقا.

حيث يعد الاستثمار في العنصر البشري في مختلف دول العالم غاية لتحقيق التنمية الاقتصادية، ولذلك تنفق الدول المتقدمة من 2 إلى 3% من إجمالي موازنتها العامة على البحث والتطوير. وتشير الدراسات إلى أن كل دولار يستثمر في التدريب يعود على المؤسسة بعائد يقدر بثلاثين دولارا، وأن الشركات الناجحة تنفق 5% من ميزانية الأجور على التدريب.

2. الاستثمار في الهواء والفضاء: بعد أن أصبحت الأرض والموارد الطبيعية والأشجار والصخور والتربة وغيرها سلعة تشترى وتباع، وبعد أن التحقت بهذه العناصر الحيوية، المياه النظيفة الصالحة للشرب كسلعة معبأة تشترى وتباع في الأسواق منذ فترة غير بعيدة، أي منذ منتصف القرن العشرين، سيكون الهواء والفضاء بذلك العنصر الأخير من عناصر الطبيعة المختلفة التي تسلعت.

فهل تستطيع أن تدعي دولة ما أنها لا تملك هواء ولا فضاء لكي تستثمره لصالح شعبها ومستقبلها؟ الجواب كلا، لأن الهواء هو العنصر الأكثر انتشارا من العناصر الطبيعة الأخرى. والاستثمار في الهواء والفضاء له صور متعددة منها الهواتف النقالة، والقنوات الفضائية، والأقمار الصناعية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وغيرها.

3. الاستثمار في المياه: يعد الاستثمار بالمياه من الاستثمارات المهمة لكل دولة، فمنذ خمسين عاما، كان سكان العالم أقل من نصف ما هم عليه الآن، ولم يكونوا أثرياء، لذلك فقد كانوا يستهلكون سعرات أقل، ويأكلون لحوما أقل، وهكذا كانت حاجاتهم من الماء لإنتاج الغذاء أقل، وكانوا يأخذون من الأنهار ثلث ما نأخذ الآن.

ولكن مع زيادة سكان الأرض، ومع تزايد حاجاتهم إلى المياه، فان المنافسة على الموارد المائية المحدودة أصبحت شديدة في كثير من المناطق، وهناك الكثير من أحواض الأنهار ليس بها مياه كافة للوفاء بالمتطلبات. وعليه؛ يعد الاستثمار في المياه من أهم الاستثمارات التي يمكن أن تقوم بها الدول، لاسيما تلك الدول التي تمتلك انهارا.

وهناك طرق مختلفة للاستثمار في المياه، تبدأ بشراء أسهم الشركات التي تصنع الأنابيب والمضخات والعدادات والفلاتر وغيرها من المعدات والبنية التحتية، إلى الاستثمار في مرافق المياه وشركات الخدمات البيئية التي تنظف وتطهر وتوزع المياه.

4. الاستثمار في الشمس: بات الاستثمار في الطاقة الشمسية بمثابة البديل الأقوى لطاقة مستدامة، وعالم أقل كلفة وتلوث، وذلك على خلفية الأزمة المتصاعدة في الطاقة في العديد من الدول، ومع توقع نفاذ الوقود الأحفوري في وقت قريب، ومع الارتفاع المضطرد في أسعار الطاقة، لاسيما الطاقة الكهربائية أصبح من الضروري استخدام تقنيات الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية الأقل كلفة على المدى البعيد، والأكثر توفراً ونظافة للبيئة.

فعلى مدار السنوات الست الماضية، نمى قطاع الطاقة الشمسية بحوالي 50% سنويًا، وهو معدّل أسرع من أي مصدر آخر للطاقة، كما هبطت أسعاره بنسبة 80% منذ العام 2005، ليصبح أقدر على منافسة النفط والغاز والطاقة النووية، وهو نمو دفع وكالة الطاقة الدولية إلى رفع توقعاتها بشأن الطاقة الشمسية، التي تمثل حوالي 1% من الطاقة في العالم اليوم، لتصبح 27%بحلول عام 2050.

5. الاستثمار في النباتات والأشجار: توجد النباتات والأشجار في مناطق الكرة الأرضية كافة، فلا يوجد منطقة تخلو من هذا النوع من أنواع النباتات والأشجار، وأي دولة تريد أن يعيش مواطنوها في بيئة صحية، فعليها أن تفكر في الاستثمار في النباتات والأشجار، فهي مصدر غذاء الإنسان والحيوان، وتحفظ توازن البيئة، وتقلل من التصحر، ناهيك عن أنها تعد مدخلاً صناعية رئيساً في العديد من أنواع الصناعات. وهكذا فان الاستثمار في النباتات والأشجار يمكن أن يوفر حزمة من الفوائد تعادل قيمتها أكثر من ضعفين إلى ثلاثة أضعاف الاستثمار المستهلك في زراعتها ورعايتها.

6. الاستثمار في الأرض والحجر: إنما جعلت الاستثمار في الأرض والحجر آخر أنواع الاستثمارات المهمة التي يمكن أن تقوم بها الدول، لأن الدول تقوم بالفعل بالاستثمار في أراضيها، إما بالزراعة وإما بالصناعة وإما بالتجارة، وتعمل على استخراج ما في باطنها من كنوز ومعادن ونفط، وتعمل على استخراج أحجارها وصقلها للاستفادة منها في عمارة المدن.

...........................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
هـ/7712421188+964
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0