بعد أن فرغ النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، من حرب الخندق، توجه الى استراتيجية جديدة لتوطيد دعائم الدولة الاسلامية الفتية، باجتثاث اليهود من المدينة بعد ما تبين غدرهم ونكثهم للعهود ومآزرتهم للمشركين ضد الاسلام، فشهدت تلك الفترة غزوات عديدة استهدفت حصون ومناطق اليهود هناك، منها غزوة "بني قريضة"، وبما أن اليهود لم يكونوا تلك القوة العسكرية التي تصمد أمام المد الاسلامي الجارف، فكانت النتائج هزائم منكرة لهم.

هذه الهزائم العسكرية، تولّد – كما في جميع الحروب- في الكوامن ضغائن وأحقاد وعقد نفسية إزاء المنتصر، بيد أن النقطة المضيئة في هذه البرهة التاريخية والمنعطف الحضاري، ما أوجده النبي الأكرم، بالحد من تنامي هذه المشاعر السلبية لدى اليهود إزاء المسلمين، بل والحضارة الاسلامية بشكل عام، فما الذي صنعه النبي، وما هي الخطوة الذكية لتحقيق ذلك؟.

قرار شجاع وتاريخي منقطع النظير، اتخذه باختيار بنت قائد الجيش اليهودي، حيي بن أخطب، لتكون إحدى زوجاته، بمعنى أنه يتخذ من أمة وأسيرة حرب زوجة له، فتتحول حرّة طليقة ومعززة مكرمة، حالها من حال النساء العربيات الحرائر.

بيد أن المكرمة العظيمة التي لم تكن لتغب عن بال النبي الأكرم، في إضفائها على "صفية" أنها تجلس الى جانب النبي في نفس يوم الانتصار، وقبل أن يبيت المسلمون ليلة واحدة، حتى يسلمّوا عليها بـ"السلام عليك يا أم المؤمنين"!.

فما كانت النتيجة من كل ذلك؟، سد كل الطرق أمام أي ظاهرة كراهية ونزاع بين المسلمين واليهود على أساس الدين، علماً أن اليهود، قبل ذلك مكروهون من المسيحية لاسباب تاريخية ودينية، واتهامهم بالخيانة والمسؤولية عن اعتقال السيد المسيح وصلبه، حسب اعتقاد المسيحيين، حتى إن أدبيات الكراهية التي يحرص اليهود على نشرها وتكريسها في الفكر العالمي وفي ثقافات الشعوب، وأنهم مستهدفون ومظلومون، لا ترقى بأي شكل من الاشكال الى المساس بالاسلام كدين، و ادراجهم ضمن الشعوب والأمم التي أمعنت في إذلالهم وتحقيرهم، علماً أن هذا الشعور ناتج عن خصال وطباع سيئة ذات جذور حضارية قديمة تعود الى عهود الانبياء والرسل.

والمفارقة المحزنة؛ ما نشهده في الوقت الحاضر من انتشار ظاهرة العدواة والبغضاء والكراهية بين ابناء الأمة الواحدة ومن ثم بين ابناء الشعب الواحد وحتى المجتمع الواحد، علماً أن الجميع نلاحظه ينشد السلم والتعاون والمحبة وسائر القيم الاجتماعية الفاضلة، بل نلاحظ الحكام المستبدون، والذين نطلق عليهم بالطغاة والديكتاتوريين، فانهم طالما يتحدثون عن صياغة المجتمع المتجانس والمتعاون، ربما خدمة لاهدافهم وطموحاتهم السياسية.

المشكلة تكمن في عدم الالتفات الى تأثير هذه الظاهرة على سلوك الافراد وثقافة المجتمع، لان الجميع مدرك لوجود هذه الظاهرة في بعض النفوس، بينما الألسن تلهج بالمفاهيم والقيم الايجابية لتطابقها مع الفطرة السليمة لكل انسان.

مثال بسيط جداً من صعيد الواقع الذي نعيشه، ما رأيته من أب الى جانب طفله الصغير ذو السنتين تقريباً، في محفل اجتماعي، والى مقربة منهما طفل آخر ذو سبع سنوات، وما أن وقعت عينا الطفل الكبير على قرينه الصغير ولاحت منه ابتسامة خفيفة مقرونة برسالة أثيرية مشفوعة بالود والحنان، حتى انبرى الأب لأن يدعو الطفل الصغير لأن ينهض لضربه...!! من باب المزاح طبعاً، وربما من باب تشجيع طفله أو دوافع وتفسيرات اخرى، بيد أن المحصلة من هذه الواقعة البسيطة والعابرة، أن طرقت اسماع الطفلين الفاظ من قبيل؛ الهجوم والضرب والاستقواء وغيرها، بدلاً من الود والحب.

واذا نريد حقاً، العيش بأمان وسلام وازدهار في ظل ثقافة السلم والمحبة والأخوة وغيرها من المفاهيم والقيم الايجابية، علينا البحث ليس فقط عن نقائض هذه المفاهيم، وإنما عوامل صناعة هذه النقائض المدمرة، فثمة اسباب وعوامل عديدة منها ما يتعلق بالفرد وما يتعلق بالمجتمع، ربما تكون منها؛ طغيان الذاتية وحب الأنا، وايضاً حب السلطة والتسيّد، وايضاً التعصّب للانتماءات الاثنية، سواء الطائفية او العشائرية او حتى السياسية.

ولعلها لا تكون صدفة محضة، وأنا أبحث عن مفردة "العداوة والبغضاء" في القرآن الكريم، أن أجدها في ثلاث مواضع وفي سورة واحدة وهي "سورة المائدة" التي يصفها بعض العلماء والمفسرين بأنها "سورة الحضارة"؛ بدايةً جاءت في الآية (14) بحق المسيحيين: {وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ...}. وفي الآية (64)، جاء دور اليهود: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ...}. أما المسلمين، فان العداوة والبغضاء لم تنزل عليهم، ولم تكن قدرهم بالمرة، إنما وضعوا أمام حقيقة ومعادلة باهرة في حياة الانسان، عندما يبين أحد عوامل نشوء هذه الظاهرة المشينة في الآية الكريمة (90): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ...}.

وفي الختام؛ نحن بحاجة الى قرارات شجاعة من سنخ القرارات الشجاعة التي اتخذها الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، في فجر الحضارة الاسلامية، وتجاوز أطر التفكير الضيقة والطموحات الشخصية، و إيلاء الهم والصالح العام الأهمية الاكبر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0