مرت ثلاثة عقود على سفر حياتي. ولا زلت أتذكر منظر الفه كل ساكني منطقتنا البسطاء. منظر جيراننا أم جميل وأبو جميل العجوزين وهو يتشابكان الأيادي في ذهابهما وايابهما ويتناغمان كحمامتين عاشقتين. كان هذا المشهد الجميل مثار استغراب ولغط الكثير ممن يشاهدهما. فما الذي جعل عجوزين قاربا السبعين، بإن يعمّر ويتجدد حبهما العفوي ويتصرفا بسجيتهما دوما كعاشقين.

منظر أم وأبو جميل كان يثير الحنق والبغضاء للفاشلين من الأزواج التعساء. اما الذين تكللت زيجاتهم بالسعادة والهناء، فكانوا لهم مثلا تمنوه. فلو أطلت عليهم مطالع السعود فنالوا نزرا يسيرا من أيكة السعادة والوئام والتي استظل بها هاذين الآدميين.

ولأشد مايثير حنق نساء الحي ويشعل فضولهن وقوف أم جميل في عز الظهيرة أو في زمهرير الشتاء تتوارى خلف ستارة الباب لتطل بنظرات خاطفة لامتداد الشارع الطويل تترقب شريك عمرها وهو يعود من مشاويره اليومية البسيطة. وقد يطول بها الوقوف ساعات وساعات إلى إن تكتحل عينيها لرؤياه. أو يدلف عليها الدار فجأة بسعاله الحاد ومشيته المتثاقلة وأجمل تعابير الحب والهيام تتراقص على شفتيه الذابلتين. فتستكين روحها وتهدأ ظنونها التي اقضها غياب أبو جميل القصير. وكم تذمر أبو جميل من جلسائه ورفقته وهم يسردون قصص باهتة عن القطيعة والنفور والتجني على حلائلهم فكانت وصيته لهم (رفقا بالقوارير).. ردا يسيرا وناجعا لهم وعلى من اسمعوه همزا ولمزا. وتندروا على هذه الصبابة الدائمة والحميمية المتجددة مع رفيقة عمره..

لم تطل الأيام إلا وشجرة الحياة تسقط منها ورقة أبو جميل اليانعة، ليلبي نداء ربه ويخطف داعي الحتوف روحه وهو على كرسيه يناجي وجه محبوبته، وجه القارورة السبعينية التي لم تطق حياة يابسة بعده، حياة لا طعم فيها ولا بهجة. لتثبت في موتها في اليوم الرابع من جنازته.. بان خصلة الوفاء ليست عصية ولا مستحيلة على القلوب الكبيرة.

أسوق هذه الملحمة الخالدة للحب والهيام وكنت قبل أيام في زيارة لمدينة قريبة، دعاني لكي أكون شاهدا لزواج ابنته في محكمة الأحوال الشخصية، أثار انتباهي مع المنتظرين امام باب القاضي امرأة خمسينية، تسندها ابنتها. وتساءل الجميع عن تواجد هذه السيدة في مثل هذا المكان؟؟؟ عرفنا لاحقا من إن زوجها وهي في أرذل العمر يضربها!!! وأقام دعوى تفريق بينهما لأسباب واهية.

تذكرت حينها حكاية القوارير.. وأسفت من إن لون الحياة سيكون رماديا. وتستحيل نظارتها الى هشيم يابس، إن جفت ينابيع الرحمة، وتقطعت أوصال المودة، وانا على يقين بان تعاليم السماء ورقي المدنية ويد الإنسانية سترفع وتعلي القوارير التي استضعفت. وان أنموذجا على غرار أم جميل وبعلها جديرة بان تلثم وتقبل كروح مطهرة او كصرح قاروري مقدس.

وأيها الذكوريون رفقا بالحمائم ولاتكسروا القوارير.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0