إنسانيات - مجتمع

هل هناك شخصية عراقية؟

بقلم: منقذ داغر وميشيل كيلفاند

يقول علماء الاجتماع ان الأفراد الذين يعيشون في مجتمع معين يتشابهون في بعض الخصائص التي تميزهم عن غيرهم من أبناء المجتمعات الأخرى. وإننا بالرغم مما نلاحظه بين أفراد المجتمع الواحد من تباين وتفاوت، نراهم مشتركين في صفة عامة تجعلهم يختلفون عن غيرهم في فوارق شخصية واضحة.

بحسب علماء الاجتماع إن الشخصية هي نتاج المجتمع الذي يعيش فيه الفرد. وعلى الرغم من إدراكه أن هناك فروق شخصية فردية بين أفراد المجتمع الواحد، الا انه يؤمن بأهمية الخصائص التي تميز كل مجتمع وتجعله يطبع أفراده بصفات سلوكية معينة. بل انه يؤمن اكثر من ذلك، ان نمط التفكير الفردي يتأثر كثيرا بثقافة المجتمع الذي يعيش فيه الفرد.

لقد خضع مفهوم الشخصية الوطنية أو الجماعية إلى انتقادات كثيرة منذ أواسط القرن العشرين بسبب المشاكل الكثيرة الناجمة عن تبني هذا المفهوم علميا، وأكثر هذه الانتقادات تمحورت حول موضوعين رئيسيين:

أولا: الانتقادات العلمية

وجهت كثير من الانتقادات إلى مفهوم الشخصية الجماعية أو الشخصية الوطنية كونه يتبنى مفهوما تنميطياً للسلوك الانساني لا يستند الى منهجية علمية رصينة. أن معظم ما كتب حول الشخصية الجماعية أو الوطنية استنادا إلى انطباعات وملاحظات شخصية للكتاب، لم تبنى على منهجية علمية حقيقية ولم يتم اختبارها ميدانيا.

ان أبحاث كثيرة تم أجراؤها أثبتت عدم وجود علاقة بين سمات الشخصية النمطية للشعوب وبين السمات الشخصية الفعلية لأفراد ذلك الشعب. كما وجدت الكثير من الفروق الفردية الناجمة عن اختلاف الجنس أو العمر أو المنطقة الجغرافية لأفراد المجتمع وتم تجاهلها من خلال قولبة شخصية أفراد ذلك المجتمع ككل في نمط معين. واستنادا الى دراسة علمية تجريبية، فقد توصل أحد الباحثين إلى استنتاج مفاده ان ما يعتبر سمات للشخصية الوطنية، ما هو في الواقع الا مجموعة تعميمات نمطية نادرا ما تكون صحيحة او دقيقة.

ثانيا: الانتقادات الأخلاقية

ذكرنا سابقا إن تاريخ الكتابة عن شخصية الدول والمجتمعات في العالم، هو تاريخ يرتبط مع الحروب والغزوات التي خاضتها الدول ضد بعضها البعض وكان الكتاب يحاولون دائما تبسيط الامور لجعلها ميسرة، في حين إن البحث في انماط الشخصية الوطنية أو الجماعية يتطلب معرفة دقيقة و عميقة بثقافة تلك المجتمعات . والادهى ان معظم تلك الكتابات كانت تتم بواسطة رحّالة أو مستشرقين أو أجانب لا ينتمون لتلك الثقافة. واحياناً كانت تُكتب من قبل اشخاص يكنون العداء لذلك الشعب، أو يرون أنفسهم أكثر ثقافةً وتحضراً منه.

لذا جاءت كثير من الكتابات عن الشخصية الخاصة بشعب ما او أمة ما، مليئة بالتمييز العنصري، او الوصمات الاجتماعية الى الحد الذي جعلت باحثاً مشهوراً مثل روبرت كابلان Kaplan يتساءل في مقال كتبه عن معنى كلمة (أمريكيين) وما يتضمنه من مفارقات منهجية واخلاقية. والحق ان شعوبنا العربية والاسلامية عانت جميعها من كثير من الوصمات stigmas الاجتماعية التي وصمت بها بسبب كونها عربية او مسلمة او بدوية. الخ. بناءً على ذلك فقد غادر كثير من العلماء والباحثين مفهوم الشخصية الوطنية او الجماعية منذ مدة، على الرغم من انه لا زال شائعاً على صعيد غير المختصين وكثيرا ما يستخدمونه دون وعي بالمشاكل المنهجية والاخلاقية التي يتضمنها.

هذه الانتقادات جعلت من مصطلح الشخصية الوطنية مصطلحاً غير مرحب به علمياً على الرغم من شيوعه إعلامياً. لذا فضلنا في كتابنا الذي عرض لأهم النتائج التي توصلنا لها بخصوص المجتمع العراقي استخدام مصطلح أكثر موثوقية وأقل انحيازاً هو مصطلح الثقافة الاجتماعية.

أنه يعني مجموعة القيم الفردية والمعايير الاجتماعية والافكار والعادات والتقاليد واساليب الحياة والتفكير والسلوك والآداب والفنون التي تميز مجموعة ما او مجتمع معين وتعطيها الاحساس بهويتها المجتمعية وشخصيتها المميزة ، وهي تتغير تبعاً للتفاعل مع البيئة التاريخية والجغرافية والاقتصادية والمادية التي تتواجد فيها تلك الثقافة.

ان الثقافة الاجتماعية بهذا المعنى هي نتاج تراث مجتمعي يجري تناقله عبر الاجيال ويمثل عملية برمجة لعقول افراد تلك المجموعة بحيث يصبح الاطار المحدد للنتاج المستقبلي. بناء على ذلك طرحنا تساؤلاً عن ماهية الثقافة الاجتماعية للعراقيين؟ وكيف نشأت ثم تطورت؟ وما هي خصائصها التي تؤثر في سلوكنا المعتاد؟ هذه الأسئلة وسواها هي ما سنلخص اجاباتها عبر هذه السلسلة من المقالات.

* منقذ داغر: مدير الشرق الأوسط في كالوب الدولية للأبحاث.
* ميشيل كيلفاند: أستاذة الثقافات الاجتماعية المقارنة في جامعة ستانفورد.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق