إنسانيات - مجتمع

عبث بالأطفال وإساءة للبلاد

اتسعت ظاهرة التسول بشكل لافت، وتفنن أصحابها في ممارستها، قولا وفعلا، فما عاد يخلو منهم سوق او تقاطع او محطة لتعبئة الوقود او سيطرة أمنية او أي مكان آخر يشهد تجمعا للناس او ازدحاما للمركبات، ولا أظن ان جميع المتسولين من المحتاجين، فالتسول كما يبدو تحول الى مهنة تدر على ممتهنيها أموالا تفوق التي يمكن أن يحصلوا عليها من أي عمل آخر، لذلك ازدادت أعدادهم نساء ورجالا وأطفالا وبأعمار مختلفة، ومنهم من تستغرب ممارسته للاستجداء، فهم بأعمار وأجساد تتيح لهم تحمّل أعباء العمل المعتادة، وبينهم فتيات في مرحلة المراهقة ويتسمن بقدر من الجمال، ما يخشى وقوعهن تحت اغراءات الشباب او الذين لا تضبط سلوكهم قيم انسانية او دينية.

بعض النساء يتسولن وفي أحضانهن أطفال لا تتجاوز أعمارهم الأشهر في أجواء قاسية جدا صيفا وشتاء، وغالبيتهم في وضع يثير الريبة، فهم نيام على الدوام، وكأنهم قد اعطوا حبوب منومة او شيئا من هذا القبيل، مع ان ليس من حق المتسولات التصرف بالأطفال بهذه الطريقة التي تتنافى مع القيم الانسانية حتى وان كان الأطفال أبنائهن، وأشك في ذلك، فلا يمكن لأم حقيقية أن تكون بهذه القسوة اطلاقا، أطفال أبرياء يعذبون بوحشية، وليس من الأخلاق التفرج على مأساتهم من دون ايقافها.

ان حماية حقوق الطفولة مسؤولية الدولة قبل أن تكون مسؤولية الأهل، فالأطفال أبناء الدولة، وهي الأم الحنون كما نفترض، وهذا ما معمول به في الدول التي تقدس الطفولة، وتُعاقب الأهل على أي سلوك يتجافى مع حقوقها، ذلك ان الدولة تضع من بين الاحتمالات أن تكون الأسرة جاهلة او غير حريصة، او ان الآباء يعانون من أمراض نفسية او عقلية ما يعرض الأبناء الى التعنيف او الحرمان من الدراسة، او اجبارهم على أعمال لا تُناسب قدراتهم، او رميهم في الشوارع للتسول، وبتنا نرى في الواقع ونسمع من وسائل الاعلام مثل هذه الحالات في مجتمعنا التي وصلت الى قتل الأبناء او رميهم في الأنهار.

يبدو ان الجهات المعنية قد فقدت السيطرة على هذه الظاهرة، ولا تعرف كيفية التعامل معها، وهذا ما أعلن عنه مسؤول كبير في حديث لراديو سوى قبل ما يقرب الشهر، واتضح من حديثه عدم وجود اجراءات محددة للقضاء عليها، الأمر الذي يؤدي الى تفاقمها أكثر مما هي عليه الآن، ما يسيء لبلادنا ويزعج الناس.

ان الكثير من المتسولين يوجدون قرب السيطرات الأمنية، وعند التقاطعات المرورية مستغلين ازدحام المركبات، على مرأى من رجال الأمن والمرور الذين يتعذر عليهم ابعادهم او حجزهم او اي اجراء آخر، اذ لم تصدر أوامر من الجهات العليا بهذا الشأن، الأمر الذي يستغربه المواطنون.

أرى ان الأمر ما عاد مناسبا السكوت عليه وتركه سائبا، خصوصا وان حديثا يتداول بين الناس بأن التسول تقف ورائه جهات منظمة، تتنقل بالمتسولين من مكان لآخر، وتوزعهم وتجمعهم بتوقيتات معينة، وأظن ان الجهات الأمنية على دراية أكثر منا بهم، مفترضا ان لديهم قاعدة بيانات وافية عن هذه الجهات وأماكن سكناهم وطريقة تنقلهم والأطفال والنساء الذين يتسولون بهم، ومستوياتهم المعيشية، والأمر نفسه بالنسبة للمتسولين غير العراقيين، اما اذا كانت هذه المعلومات غير متوافرة، فالمصيبة أعظم كما يُقال، وهذا تقصير واضح لا يُقبل معه أي عذر.

ومع تفهمنا لحالة عوز بعض العوائل في ظروف صعبة تمر بها، لكن معالجة ذلك من واجبات الجهات المسؤولة عن الرعاية الاجتماعية التي يجب أن توفر لهم ما يعينهم على تجاوز محنتهم، اما الذين يتخذون من التسول مهنة ولا تجبرهم ظروفهم المعيشية على ذلك، فلابد من اتخاذ أشد العقوبات بحقهم لإساءتهم للبلاد والتفريط بالأطفال والفتيات وتضييع مستقبلهم وتعريضهم للمخاطر. أرجو ألا ينسى المعنيون ان التسول جريمة يُعاقب عليها القانون.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق