{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ}

عندما نريد المساعدة لإصلاح خطأ ما في المجتمع، او السعي لتغيير ظاهرة او حالة خاطئة، فان السؤال الذي يقفز أمامنا فوراً: ما أنت؟! وما يؤهلك لتقدم ما ليس لديّ؟!

سؤال يستبطن الاستنكار –الى حدٍ ما- بيد انه يعبر عن طبيعة البشر النازعة الى التفوق والتكامل، وهي بحد ذاتها ايجابية، إنما يصرّ البعض على أن تكون صفة الداعية الى الحق والصواب ما يفوق بكثير صفات البشر العاديين، بل وتفوق الصفات الحقيقية مثل العلم الذي نعده معياراً أساس في زماننا الحاضر، فالمريض لا يتوجه الى العلاج إلا الى الطبيب المختصّ، والبناء لا يشيّده إلا المهندس، وفي الأزمان الماضية كان الناس يعيبون على الانبياء والمرسلين أنهم بشر عاديون، كانوا يقولون: إن كنتم تتحدثون عن السماء، يفترض ان تكونوا من جنس الملائكة بينما إنتم "تأكلون الطعام وتمشون في الأسواق"، طبعاً؛ ساقوا هذه الذريعة للتنصّل من نداء السماء بالتوحيد والعمل الصالح، فجاء الجواب القاطع: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ}، مع الفارق بأنّي {يُوحَى إِلَيَّ}، بمعنى إن علمه ومعرفته مصدرها السماء، ومنهم؛ خاتم الانبياء، صلى الله عليه وآله، الذي كان بشراً مثل أي بشر آخر من حيث الظاهر المادي، سوى بعض الخصائص مثل اليقظة في النوم ومخاطبة الملك جبرائيل وغيرها كثير، بيد أنه كان يبكي ويبتسم، ويتزوج، ويغضب، كما أكد هذه الحقيقة هو بنفسه لمن حاول الترهبُن وملازمة الكهوف للعبادة، ربما بنية الاستزادة من التديّن والصلاح، وهو ما أغلق عليه الباب مؤكداً الانطلاق نحو التغيير من قاع المجتمع بما فيه من عالم، وجاهل، ومنافق، وكافر، وغني، وفقير، ثم أعقبه أمير المؤمنين، عليه السلام، بما هو أقرب الى النفوس، بأن تدنّى في مأكله وملبسه ومسكنه وكل مظاهر حياته الى أبسط إنسان يعيش معه في تلك الفترة.

البحث الدائم عن الشخصية المتميزة

ظهر مصطلح التميّز في بلاد شهدت تحديات التنمية والنهضة العمرانية، فراحت تشجّع افراد المجتمع للظهور بشكل اكثر من طبيعي في ميدان العلم والعمل لتحقيق الأفضل، او لتحقيق السرعة في تحقيق النتائج المطلوبة، ثم تحول المصطلح الى قمة جميلة ينشدها الجميع؛ من الطفل الصغير، مروراً بالمرأة وحتى الشيخ الكبير، فالجميع يرغبون أن يكونوا متميزين على الآخرين! لاسيما نشهد هذه النزعة المستحدثة لدى الشباب وطلبة المدارس، كما نجدها قبل هذا في الجامعات، ولدى المهنيين، وايضاً في ميدان العمل التجاري.

فمن يؤشر على خلل معين في أي مكان، سيُنظر اليه من عناوين عدّة؛ ربما أولها منظره وهندامه، ثم مهنته المرموقة، ومكان عمله، وحتى سيارته! قبل علمه وفهمه، فمن يفتقد لكل هذا لا يتعب نفسه في الحديث عن الإصلاح والتغيير حتى وإن حمل معه البدائل السحرية.

نسمع ونقرأ في حكايات أيام زمان كيف أن طفلاً صغيراً أنقذ مدينة بأكملها من الغزو بحكمة قالها أمام قائدٍ غازٍ، أو أن رجلاً بسيطاً أبهر العلماء بفكرة أنقذت حياتهم، او حلّت عقدة مستعصية، علماً أن في تلك الأزمان كان المتميزون موجودين بيد أن الناس أخذوا بالحكمة والكلمة النافعة أينما وجدت، ولا بأس بها إن وجدت في العالم والثري والقائد الكبير.

العبرة بالنتائج

النظرة السطحية للأشياء، والتقييم المادي يحجب الرؤية الى العواقب والنتائج مهما كان الواقع سيئاً، وربما يكون الاستسهال سيد الموقف، كما نلاحظ الحال في بلاد مأزومة و مكروبة مثل العراق، مع ذلك؛ لا يرى أحد غضاضة من الاستمرار، وحتى تبرير الواقع بمحامل شتّى.

و للاستفادة من تجارب الماضين، فان الانبياء والمرسلين كانوا أكثر من نبهوا الى هذا الجانب المهم في مشروع الإصلاح والتغيير، فقد أبلغوا مجتمعاتهم بعواقب عدم الاستجابة لنداء السماء، وهو نداء الرحمة بامتياز، وأنهم بعصيانهم وكفرهم وتكذيبهم، ينفون هذه الرحمة من حياتهم لتسحتيل جحيماً ونكداً، وقد تكون العقوبة مادية كما خسف الله بالأقوام السابقة فأضحت أثراً بعد عين، وتكون معنوية ايضاً، كما هو حال بني اسرائيل حتى اليوم، الذين يعيشون الخوف والقلق في جميع نواحي حياتهم، ولن يتخلصوا من هذه العقدة مهما فعلوا وبلغوا، والسبب –كما يكشف لنا القرآن الكريم- إصرارهم على اختيار القائد لهم وفق معايير تنسجم و مزاجاتهم و رغباتهم.

إن حل أية مشكلة في الحياة اذا كان صعباً فهو ليس بالأمر المستحيل بوجود الإيمان والإرادة والعزيمة، بل ويكون سهلاً في بلد مثل العراق الحائز على فرص التطور والتقدم أكثر من غيره، وهو محسودٌ دائماً بين دول وشعوب العالم بما لديه، كما هو مرصود ايضاً من دول كبرى متصارعة في العالم على النفوذ والهيمنة، تخشاه من اليقظة والنهوض، وحتى هذه الدول التي تفرض رأيها وقرارها على العالم بدأت مشوارها من الحكمة والعقل وليس من قوة المال والسلاح التي جاءت في المرحلة اللاحقة للاحتفاظ بالنتائج والمنجزات.

اضف تعليق