التطرف من أخطر العوامل التي تهدد السلم المجتمعي. اقول هذا رغم علمي بان كلمة "التطرف" ومثلها كلمة "الاعتدال" تحيلان الى مفهومين نسبيين. لكني اكتفي بالقول انه كلما وجدت الف وباء وجيم، فان الباء هي الاعتدال، والف وجيم هما التطرف، فاذا وجدت جيم وحاء وخاء فان حاء هي الاعتدال وجيم وخاء هما التطرف. وهذا المعيار النسبي ربما ينطبق على معظم الحالات الاجتماعية والسياسية الفردية والجماعية، الدينية واللادينية، الاسلامية والعلمانية.

بهذا المعنى، يمكنني القول ان المجتمع العراقي عانى ويعاني من التيارات السياسية والاجتماعية المتطرفة الامر الذي هدد ويهدد السلم الاهلي وفتح ويفتح الباب على مصراعيها امام التوترات الاجتماعية والصراعات الاهلية والنزاعات المسلحة. وهي حالة عرفتها وعانت منها الاجيال العراقية التي عاصرت النظام الجمهوري منذ قيامه في عام ١٩٥٨ على الاقل. ولا اتحدث عن الاجيال التي سبقت هذا التاريخ لأني احتمل انها انقرضت او على وشك الانقراض الان.

ففي هذا المجتمع نشأت حركات متشددة ومتطرفة تنتسب الى الاسلام، كما نشأت حركات متشددة ومتطرفة تنتسب الى العلمانية، وكلاهما تصادران الاخر، ولا ترى له حق الوجود والحياة. فتذهبان الى اخر الطريق في القسوة، ثم استعمال العنف الذي يتضمن مفردات القتل والسحل والتصفيات الجسدية.

ان سبب ذلك هو التخلف الذي يمثل الخلل الحاد في المركب الحضاري ومنظومة القيم الحافة به في المجتمع العراقي. وربما تكون البداوة من مفردات التخلف ومظاهره. وهذا التخلف هو الذي يجعل "المتطرف" يأخذ "جرعةً زائدة" كما يقول صديقنا العزيز الشيخ مهند الساعدي. والجرعة الزائدة تجعل صاحبنا يذهب الى الف او جيم بدلا عن باء.

ومع ان دراسات علم الاجتماع تقول ان الوضع الطبيعي هو ان يكون "المعتدلون" عادة اغلبية في المجتمع وان المتطرفين اقلية، فاننا نستطيع ان نلاحظ صوت التطرف يعلو على صوت الاعتدال في الشارع ومنصات التواصل الاجتماعي وغرف المناقشة club house حيث صراخ اصحاب الجرعة الزائدة يصم الاذان بالشعارات الرنانة والاحكام المسبقة والتعميمات المطلقة التي تتنافى مع صيغ الاعتدال والوسطية والمرونة. والاصوات المتطرفة ترفض التسويات الوسطية للامور الخلافية، ولا ترى للحق الا وجها واحدا، ولا تنظر الى الحقيقة الا من زاوية واحدة، ولا تتفهم نسبية الاشياء والافكار والمواقف، وهو موقف عقلي يحرم اصحابه من فرصة رؤية الصورة الاوسع والتواصل المعرفي مع الاخرين، بل التعايش معهم بود وسلام وتعاون.

وكما قلت انفا، فان السلم الاجتماعي يتطلب الاعتدال في كل شيء، والاعتدال احدى مفردات منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري التي تشكو الغياب، فاتحة المجال لنقيضها اي التطرف.

وغني عن البيان ان اية محاولة للاصلاح الاجتماعي وتعزيز فرص التعايش السلمي وتحقيق السلم الاجتماعي والاندماج المجتمعي يجب ان تتضمن معالجة الخلل في منظومة القيم، اي التطرف والتشدد، واشاعة مفاهيم الاعتدال والوسطية والنسبية ومساحات الاشتراك، او "الكلمة السواء" كما في قوله تعالى:"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ"، او قوله تعالى:"وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ". وهذه كلمة تشمل كل الموجودين في الدائرة الاجتماعية المشتركة "ماعدا من اخرجه القانون منها، او اخرج هو نفسه منها"، كما يقول الاخ العزيز عامر الخزاعي، حيث لا يصلح هذان الصنفان للتعايش السلمي مع الاخرين.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق