إنسانيات - مجتمع

متى تفقد نفسك؟

التصرف على الطبيعة دون تكلف او تقليد او تعقيد هي سمة فطر عليها الانسان منذ النشئة الاولى قبل ان تدخل العوامل المساعدة على التغيير في الشخصية وتمسخها، فلا اجمل من البساطة في السلوك والحديث واسلوب الحياة، وجمال الانسان يكمن فيما يتركه من انطباع مريح على من حوله، على عكس التقليد والزيف او الظهور بشكل مختلف عن الحقيقة والطبيعة التي يكون فيها الشخص متناسياً لطبيعته ومغيب لها وهذا هو التصنع الذي بموجبه يقوم الفرد بلبس قناع مزيف لذاته وهي دلالة على انه غير معترف بقدراته ومميزاته وواقعه.

التصنع هو مرض اجتماعي ذو جذور نفسية فابتعاد الانسان عن عفويته وتلقائيته والتصرف بتكلف بعيداً عن واقعه لأسباب معنوية ومادية مفقودة بالنسبة له، وقد اصبح التصنع ظاهرة عريضة الانتشار في المجتمع فأصبحنا نمثل ادوار غير واقعية ولا تعبر عن حقيقية شخصيتنا، كأي ممثل يمنح له دور في مسلسل او فلم تلفزيوني لكن الفرق ان ممثلي التلفاز يدركون انهم يقومون بسلوكيات معينة فرضها عليهم طبيعة العمل لايصال رسالة او هدف معين وتنتهي هذه السلوكيات بانتهاء الدور مما يسهل عملية عودتهم الى طبيعتهم المعهودة، اما المتصنعين في اغلب ادوارهم الحياتية او جميعها فأن عودتهم الى فطرتهم بات صعب ومعقد وهو ما يوصلهم الى فقدان هوياتهم او انصهارها في هويات اخرى.

لا يحبذ الكثير من الناس التعامل مع المتصنعين اللذين يتكلمون بطريقة ثقيلة ورسمية او شبه رسمية او يضمنون احاديثهم كلمات انكليزية او فرنسية او تركية او ما شابه لا تضيف ولا توضح لمعلومة بل للتحذلق ومحاولة تقديم المتحدث لنفسه على انه مختلف عمن سواه حتى في طريقة الحديث ومستوى الصوت والتوقف بين عبارة واخرى، فيتحولون الى مثل الديك الذي يقلد الطاووس في مشيته فلا يستطيع اجادة مشيته ولا يمكن من العودة الى مشيته القديمة.

لم يقف مرض التصنع عند حدود الكلام او بعض الحركات الجسدية بل وصل الى التظاهر الى امتلاك السلطة والمال والنفوذ، فما ان يدور حديث عن حاجة لشخص عند مسؤول كبير او مدير في دائرة خدمية او رئيس جامعة مثلاً حتى ادعى احد المتصنعين معرفة هذه الشخصيات وانه ذو تأثير عليه وهو من سيتوسط لقضائها، الا ان النفوذ المزعوم هذا ينتهي بانتهاء الجلسة ليقوم بها بعدها في المراوغة والتسويف لتغطية كذبه ومبالغته، لذا يكون المتصنعون على قلق وخشية من افتضاح امرهم او ان يعلم الاخرون الحقيقة المخفية عند اقامتهم لعلاقات مبينة على الوهم والخداع وهو سبب في ان ينفر منه المحيطين به.

من الاسباب التي تدفع الناس للتصنع في معظمها اسباب نفسية، فالمتصنع يكون لديه شعور بالنقص وان المحيطين (مكان اظهار التصنع) هم اعلى منه منزلة فيلجئ الى معاملتهم بالشاكلة التي تظهره ذو قيمة ومكانة مماثلة لهم او اعلى منهم، او ان يكون الفرد غير واثق من نفسه فيرى ان سلوكياته بسيطة مما يجعله يهرب من شخصيته الحقيقية ويندمج في شخصية مخالفة لها للتخلص من عقدة النقص في داخله، ومن الاسباب الاخرى للتصنع هو السعي للوصول الى وظيفة معينة او الحصول على هدف معين مثل تصرف بعض طلبة الجامعات بحمل مفاتيح سيارات فخمة او حمل اكثر من هاتف لجذب انتباه الجنس الاخر له وبهذا الخداع يصل الى اهدافه المريضة.

كما يظهر بعض الافراد بمظهر الكريم المبادر في اقامة الولائم و توجيه دعوات الى مطعم او مكان ترفيهي ولعل الدافع من وراء هذا السلوك هو التخلص من الاثار النفسية للحرمان الذي عاشه في فترات سابقة من حياته، وقد يصنع بعضنا لأسباب مرضية عقلية ومثل هؤلاء الاشخاص المصابين بهذه الامراض يتصنعون حوارات و مظاهر يحاولون لفت الانتباه بها.

حتى نغادر التصنع علينا ان نتجاوز اسبابه بوجود الوعي الكامل لنتائجه السلبية، فمن المهم ان ندرك ان لا احد يستحق ان نغير طبيعتنا من اجله مهما كبر حجمه او صغر، والظهور بطبيعتنا لا بوجوه واقنعة تتغير مع الحاجة، فمن يقبلنا على مانحن عليه هو من يستحق ان يبقى ضمن دائرة علاقتنا واهتمامنا اما الاخرين غير المتقبلين لنا فعليهم المغادرة وليس علينا التحول من اجلهم، فقناعتنا بأننا على حقيقنا اجمل شكل يمكن ان تبدوا به هو من يقودنا الى البساطة، كما ان صراحتنا وتواضعنا هما من تجبرا الاخرين على احترامنا فلكل شخص اسلوبه الذي يميزه وهو من يعطيه القوة والقبول، كما الوضوح وعدم الانغماس في شخصيات غير شخصياتنا بعيداً عن التزلف والتصنع يمنحنا الرضا عن انفسنا والتصالح معها، بهذه الاسباب نتخطى التصنع ونقلل من اتساع دائرته.

ختاماً ان التصنع مرض اجتماعي يرهق صاحبه ويفقده اكثر مما يعطيه من المزايا فاكثر الاشياء خسارة هي خسارتك لعفويتك، فأنت كما أنت أفضل بكثير من ذلك الذي تتعب نفسك من اجله.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0