تعرضت الكثير من المجتمعات لكوارث طبيعية وبشرية وحروب وازمات نفسية وفكرية ثقافية واقتصادية نتج عنها تفشي الفساد بأنواعه والنزاعات والجريمة والتكفير المتبادل بين بني البشر ومن ضمنهم المجتمع العراقي الذي بدأت نار العنف والحقد والتناحر تلهب حياته مما زاد في حجم معاناة الانسان، وبالتالي تدهور المجتمع اخلاقياً وسلوكياً كنتيجة لغياب القيم الإنسانية والدينية ومنها قيمة التسامح بين الافراد.

كم الوعي الذي تمتلكه الشعوب له بالغ الاثر في ترسيخ قيمة التسامح او اطفاءها رغم ان ذات الفرد وكينونته معجونة بالقسوة والعدوان والعنف وفقا للرأي النفسي الذي يقول ان الانسان يولد مزود بنزعتي الشر والخير معاً وقوة البيئة هي من تحدد أي المنحيين سينحى، كما الثقافة تسبب في اذكاء هذه القيمة العظيمة التي توفر للفرد والمجتمع سلوكية تنظم المجتمع وتحافظ على تماسكه واستقراره.

يعد التسامح لب عملية الضبط الاجتماعي المتحكم بسلوك الافراد عند ممارستهم لسلوكيات مخالفة لمن حولهم، فالتسامح يستقر في ضمير الانسان ويشعره بالارتياح حين التخلي عن التعصب والتطرف، وتختلف العلاقة بين الفرد وقرينه تبعاً لنمط الشخصية والمعرفة ونوع الدين ومستواه وثقافة، ويعرف الانتروبولوجيين الثقافة على انها المعاني والمعتقدات والعادات والقيم والقوانين التي تتنمى لدى الفرد بالاكتساب من جماعته التي يعايشها.

التسامح سلوك اجتماعي شخصي يصدره الانسان بغرض الابتعاد عن الوقوع في خطيئة الهجوم والتعدي على حقوق الاخريين المختلفين معه بمعنى استعداد الفرد ان يترك للأخر التعبير عن حرية أفكاره وثقافة لا ان يخالفه او يتصدى له وحتى يقمعه او يتخذ موقف منه.

علماء النفس يشيرون الى الاثر الذي يتركه التسامح على الرضا مما يؤدي الى علاج العديد من الاضطرابات النفسية والانحرافات السلوكية ، ففي دراسة نشرتها مجلة (دراسات السعادة) اكدت وجود علاقة بين العفو التسامح من جهة وبين السعادة والرضا من جهة اخرى، و تشير الدراسة الى ان الفرد الذي يعتاد التسامح يكتسب دفاعات مناعية نفسية تقييه التوتر النفسي وتقلل من احتمالية اصابته بضغط الدم او داء السكري وكذا الحال فيما يخص القلق والاحلام المزعجة الذي يسببه التفكير في الرد على الاساءة، فنسيان موقفاً غير محبذ بالنسبة لك افضل بكثير من ان تضيع وقتك وتتعب دماغك في التفكير بطريقة انتقام معينة تنتصر فيها لنفسك.

تتسم الشخصية المتسامحة نفسياً بالصبر على مجاهدة النفس والهوى وهذه السمة من ابلج الدلائل غلى قوة الشخصية التي تمتلك زمامها بثقة، ويقول علماء الصحة النفسية ان التسامح ذو اثر ايجابي على صحة الانسان النفسية ويعد من اكثر العلاجات فاعلية لما يسمى بالأمراض (النفس جسمية) التي هي أمراض عضويّة تعود لأسباب نفسيّة، كما يعالج مشاكل الاضطراب والسلوك مثيلة الاكتئاب المخاوف المرضية، ويدفع الفرد باتجاه تعلم مهارات التكيف لمواجهة الازمات النفسية وابعاد الافكار غير العقلانية وتشكيل افكار عقلانية محلها، كما يرفع من دافعية الانسان للإنجاز وتحسن صورة الفرد عن ذاته التي هي بمثابة المحرك لكل السلوكيات الايجابية .

تقول النظرية المعرفية: ان مستوى الصحة النفسية للإنسان وتوافقه مع نفسه ومجتمعه يرتبط بما يتبنى من افكار واراء وتوجهات فاذا تبنى افكار غير منطقية مثل رفض التصالح او التسامح فأنها تؤدي الى اصابته بأمراض واضطرابات والعكس يصح.

ومن بين اهم الاسباب لعدم تقبل التسامح وانخفاض ارصدته في المجتمع هو تأجيج خطاب الكراهية عبر بث افكار وعقائد فاسدة تسهم في تأجيج الصراعات واشعال فتيل الازمات بين المحيط الخارجي لدول ضد دول او في الداخل بين مكونات المجتمع الواحد، ويشكل ضعف الشخصية وانخفاض المستوى الثقافي والمعرفي سبب هاما من اسباب عدم الاعتذار والتغاضي في المشاكل والاختلافات، ويمثل اعتقاد الكثير من الناس ان التسامح ضعف وخنوع مبررين ذلك باحتمالية ان يعاد ارتكاب الاخطاء ذاتها سبب اخر لرفض التسامح، كما يعد ضعف المستوى الديني احد اسباب عدم الرضوخ للتصالح والتسامح لتصحيح الاختلالات التي تحصل لسبب او للأخر.

ومن اهم العلاجات التي تسهم في انماء التسامح بين الناس هي دور الاسر التي هي اول خلية اجتماعية نفسية قادرة على تربية الطفل على التسامح والصفح باعتبارها البيئة الاولى التي تنشئه وتهذب سلوكياته، ثاني وسط ثقافي يعيشه الفرد هو المدرسة وهي الاخرى من تقع عليها مسؤولية تعزيز قيم التسامح والمحبة وتجاوز الاخطاء من خلال المناهج الدراسية وتعامل المدرسين والتعامل مع بعضهم البعض ومع طلبتهم باعتبارهم نماذج لطلبة وهو ما يعرف بـ( النمذجة)، كما علينا عدم تقبل التحريض او الاستماع الى خطاب التعنيف والتطرف الديني والسياسي الذي يتاجر به من لا يعرفون معنى للإنسانية ولا للتعايش فهماً، كما جب ان تمارس المؤسسة الدينية المعتدلة دورها في ترسيخ هذه الثقافة والابتعاد عن الخطاب والسلوك المتعصب الذي قتل ويقتل المئات في هذا العالم سنوياً.

في الختام قارئنا الكريم نقول: العصبية القبلية والدينية وسواهما من اسست لثقافة التناحر والتضاد والكراهية والاقصاء سيما في السنوات الاخير، فليس منطقياً ابداً ان يقوض التباين في الرؤى والمتبنيات مساحة السلم المجتمعي وهو ما يعيق العيش بأمن نفسي ووئام كما ينشد كل لبيب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1