تميزت بعثات الانبياء منذ ادم او ادريس او نوح الى محمد (ص) بانها عملية تراكمية لبناء منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري واصلاح حالات الخلل التي تحصل فيه، والقران الكريم، وهو الكتاب السماوي الاخير، يقدم وثيقة متكاملة لهذه العملية الكبرى التي استمرت عدة الاف من السنين.

يبدأ القران الكريم ببيان عناصر تكوين المجتمع البشري وهي: الانسان والارض والعلاقة بين الانسان والانسان، وبين الانسان والطبيعة. وهذا ما نصت عليه الاية التالية في سورة البقرة: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً".

فالانسان هو العنصر الاول والفاعل في بناء الجماعة البشرية، ومركزه في الارض هو: خليفة الله في الارض. وهذا المنصب ليس مخصصا لشخص واحد يدعيه، انما هو لعموم البشر، مع الاحتفاظ بوضع استثنائي خاص للمعصومين. والخليفة هو من يقام مقام المستخلِف. وللاستخلاف ثلاثة معاني هي: (١) الحلول مكان الله في الزمان وهذا غير ممكن. (٢) الحلول مكان الله في المكان، وهذا غير ممكن. (٣) القيام بمقام الله. ولله مقامان: (١) الخلق والتدبير، وهذا غير ممكن ايضا. (٢) الحكم والتشريع، وهذا هو المقصود بالاستخلاف. ولهذا فهم السيد الصدر من هذه الاية ان الله سبحانه وتعالى اناب البشرية في قيادة الكون واعمار الارض، ومنه يتفرع حق البشرية في حكم نفسها بنفسها، وعدم جواز الاستيلاء على الحكم بدون رضا الجماعة البشرية، والانفراد به واحتكاره من قبل فرد او جماعة.

ويؤكد القران على ان الارض (بكل افاقها) هي ميدان استخلاف الانسان وحركته ونشاطه، كما في اية سورة الاعراف: "قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ".

وتقوم العلاقة بين الانسان والانسان على اساس العدل والمساوة والحرية والتعاون والتسامح والعيش المشترك والحوار والسلم والقبول بالاخر. وجامع ذلك كله قوله تعالى في سورة النحل: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"، وقوله تعالى في سورة المائدة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ".

وهدف علاقة الانسان بالارض هو الاستمتاع بخيراتها وثرواتها، بالعدل والانصاف. وتقوم هذه العلاقة على اساس العلم والعلم. ومن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ"، وقوله تعالى في سورة الملك: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ".

وهذه العلاقة المعنوية قد تكون ثلاثية الاطراف: الانسان والانسان والارض، وقد تكون رباعية الاطراف: الانسان والانسان والارض والله. وتثير العلاقة الرباعية اشكالية هنا، فكيف يكون الله، الكائن المطلق المتعالي على الزمان والمكان، طرفا في علاقة مع اطراف نسبية محكومة بالزمان والمكان؟

والجواب: ان دخول الله على العلاقة الرباعية ليس علاقة عددية، وانما علاقة قيمية.

وبهذا تتشكل منظومة القيم الحضارية العليا الحافة بالمركب الحضاري و التي بشر بها القران الكريم. وفي مقدمة هذه القيم: التوحيد ونفي الشرك، استخلاف الانسان، الحرية والمسؤولية، العدل، المساواة، التعاون، التعايش، السلام، القبول بالاخر، الحوار على كلمة سواء، الدعوة والموعظة بالتي هي احسن، كما ذكرنا اعلاه. ولكل من هذه القيم ماهية واحدة، ومصاديق متنوعة، وقوانين تنفيذية متحولة بحسب الزمان والمكان.

ولم تسر البشرية في تمثلها لهذه القيم على خط واحد، فقد حصلت انحرافات عديدة على طول التاريخ البشري، مما يؤدي الى حدوث خلل في المركب الحضاري، وهنا يأتي دور الانبياء والاوصياء والمصلحين من اجل اصلاح هذا الخلل، وهذا جوهر ما نفهمه من قول النبي شعيب في سورة هود:"إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ"، وقول الامام الحسين: "انما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي".

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

10