عندما كانت ايران تخوض الحرب مع العراق في ثمانينات القرن الماضي، كانت معالم ما يسمى اليوم بالتيار الإصلاحي تظهر وتكتمل في الساحة ليواجه "التيار المحافظ"، ومن أبرز نقط الاختلاف؛ اعتقاد الاول بأنه يعيش في دولة متكاملة تحتاج الى التقويم والتسديد والبناء، فلا بأس بالانتقاد والإشارة الى مواطن الخلل أينما كانت، بينما التيار الآخر كان يعتقد آنذاك بانه يعيش تحديات الحرب وظروفاً استثنائية على الجميع صبّ جهودهم وطاقاتهم في بوتقة هذه الحرب وأن "لا يعلو صوت على صوت المعركة"، وأي حديث بخلاف هذا يمثل نوعاً من الاختراق في جدار الامن والاستقرار، وهي النظرية القائمة حتى اليوم.

هذا السجال، إن كنا حديثي العهد فيه، فان العالم الغربي ذو التجربة الطويلة في ممارسة الديمقراطية يعرف جيداً كيف يُقرن الإصلاح نظرياً بحلول وبدائل عملية من الواقع الاجتماعي يخرجه من الإطار السلبي، ويجعله في عيون الناس مصدر إلهام للنهوض والتقدم، ولاستخراج الطاقات وصقل الكفاءات والمهارات لتكون بديلاً عن السياسات الفاشلة للحكومات القائمة.

المحاسبة والمسائلة والغايات الايجابية

في ظروف استثنائية مشابهة لظروف الحروب، يعيش العراق، وسائر دول العالم، جائحة "كوفيد19" الذي يحصد يومياً المئات من أرواح البشر، على أن بلداً مثل العراق في تركيبته السياسية، يستدعي المزيد من الدعوات للمسائلة والمحاسبة والمتابعة المشددة لتحقيق قدر أكبر من النجاح في مواجهة هذه الأزمة الصحية الرهيبة، فنحن نتحدث عن إدارة الازمة صحياً، وضرورة توفير المستلزمات والمعدات اللازمة، وايضاً مراكز الحجر الصحي وغيرها، كما نتحدث عن ملفات رديفة ذات تأثير مباشر، مثل؛ الملف الاقتصادي وكيفية توفير الحكومة للسيولة النقدية في ظل انخفاض اسعار النفط، مع الاعتماد الكلّي للعراق في موارده المالية على تصدير النفط، ثم المشكلة المتفرعة والاكثر تعقيداً؛ قرارات حظر التجوال وإغلاق الأسواق وشبكة النقل، ليكون عدداً لا بأس به من المواطنين من الكسبة واصحاب المهن الحرة من ذوي الدخل المحدود حبيسي الدار الى جانب افراد عوائلهم وقاية للعدوى من "كورونا المستجد"، هذا فضلاً عن الحديث المسهب والمتواصل عن الفساد والمحاصصة، لاسيما وأن ظهور الوباء تزامن مع مخاض الحكومة البديلة عن الحكومة المستقيلة، وهو المخاض العسير الممتد منذ حوالي شهرين.

لاشك في ايجابية ونبل الدعوات للمحاسبة والمتابعة في وقت الأزمات للمساعدة في الانجاز الصحيح والخروج من الازمة بأقل الخسائر، وهو ما يعضد الجهود الحكومية المبذولة، إنما العبرة في أن يعضد هذا التوجه النظري، توجه عملي يلامس أرض الواقع، فالجهود الحكومية المحدودة اساساً بخبرات بسيطة، و امكانات ضئيلة، مع وصمة الفساد الكبيرة، تحتاج الى قوة رديفة من الواقع الاجتماعي الذي يعيش الوباء لحظة بلحظة، وأي تصاعد في أرقام الاصابات، او حصول وفيات، فانه أول المتصدعين.

هنا؛ يتدخل علماء النفس الايجابي لبلورة رؤية متكاملة لحالة نفسية تنطلق من قاعدة ايجابية لتنتج الأمل والتفاؤل، وتحفز الناس على استخراج طاقاتهم الخيّرة لمواجهة هذه الازمة، وقد تحدث مصطفى حجازي –عالم الاجتماع المصري- في كتابه "إطلاق طاقات الحياة" عما أسماه "العجز المتعلَّم" يتسهدف شريحة الشباب بالدرجة الاولى ويقعدهم عن الحركة الايجابية المنتجة، فالاجواء الاجتماعية تتدخل سلبياً لتكريس حالة العجز ومشاعر الضعة في نفوس البعض، إن كانت صغيرة في الكوامن، تقوم بتضخيمها وتحويلها الى مواقف وأحكام تخرج للواقع الخارجي.

إن الإمعان في إثارة الأخطاء وتضخيمها، ثم تحويلها الى أمر واقع يعيشه الجميع، من شأنه تغييب الايجابية عن الخطاب الإصلاحي، والأخطر منه؛ تغييب فرص عديدة للاسهام المؤثر في عملية الإصلاح هذه، وإلا فان الإصلاح والتقويم الذي نراه في قالب المعارضة في العالم الغربي "المتحضر"، إنما يثبت نجاحه بنجاح الاسهامات المجتمعية المساندة والمتفاعلة مع هذا المسار، وليس الامر مجرد شعارات أو خطاب سياسي او إعلامي لتسجيل حضور في الساحة.

المفتاح السحري

ربما يكون الاعتماد في مشروع الإصلاح على المال والقدرات الذهنية والعضلية، والبعض يتوقع توفر هذه الشروط، أو يعرب عن تذمره من فقدانها، مع تراشق الاتهامات مع الجهات الحكومية والمسؤولين في الدولة بمسؤوليتهم في هذا الضياع المتمثل حالياً بوجود اعداد كبيرة من حملة الشهادات العليا دون عمل واستفادة من كفاءاتهم العلمية، وايضاً عدم الاستفادة الكاملة من الموارد الطبيعية، ومن الطاقات الانتاجية مما يحمي البلد من احتمال تفاق الازمة الاقتصادية مع احتمال امتداد غمامة الوباء لفترة طويلة من الزمن.

ولكن هل هذا كل شيء؟

سماحة المرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه- في كتابه؛ "لكل فرد حركة وفلسفة التأخر" يضيف بنداً جديداً لعلم النفس الايجابي الذي أسهب فيه علماء الغرب بحثاً وتأليفاً منذ سنوات، ويسلط الضوء على "تثقيل الحياة" وأن الحياة بحد ذاتها يسيرة "إنما المجتمع والدولة يسهمان في عرقلة سير الحياة بشكل سهل".

هنا؛ يقفز سؤال كبيرة؟!

كيف يتوصل الفرد والمجتمع ايضاً، الى سهولة الحياة، وأن حقيقتها اليسر وليس العسر؟ بل كيف يكون إيجابياً في تفكيره؟

سماحة المرجع الشيرازي يسبر أغوار النفس الانسانية ليصل الى مركز التحكم بها ويصفه القرآن الكريم بـ "الفطرة" وهي عبارة عن قاعدة بيانات في تكوين كل انسان تدفعه دائماً الى فعل الخير والحَسن، ونبذ كل ما هو قبيح وسيئ، كونها فطرة سليمة نقية تصاحب نقاء خلقة الانسان، على أن "كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه وينصرانه"، يقول رسول الله، صلى الله عليه وآله، وهذا النقاء في الفطرة الانسانية وفي القاعدة الاساس لتفكيره وتصرفاته، يمثل "أعظم قابلية للناس"، كما يقول سماحة المرجع الشيرازي، في سياق حديثه عن القدرات الكامنة في النفوس والتحذير من مغبة التنكّر لما لدى الناس من فرص وامكانات قابلة للنمو والاستثمار، وهو بالضبط؛ الخطأ الذي يسقط فيه الكثير من اصحاب الخطاب الإصلاحي ممن يستهدفون الأداء السياسي قبل البناء الاجتماعي فتأتي خطواتهم متعثرة غير مؤثرة وغير مفيدة للمجتمع، وتحديداً؛ لحل الأزمات التي تعيشها الجماهير، كأزمة الوباء العالمي الخطير حالياً.

من أجل توجيه السلطة التنفيذية، بل وحتى التشريعية والقضائية ايضاً الى خطوات وقرارات تحقق أفضل النتائج في مواجهة وباء "كورونا المستجد" علينا التوجه فوراً لاستنهاض كل الطاقات الايجابية في المجتمع، لاسيما عند شريحة الشباب ذو الهمّة العالية والقدرات الذهنية والعضلية المتوثبة ودفعها لابتكار أروع الطرق والاساليب لتفادي الآثار السلبية لحظر التجوال على محدودي الدخل، وايضاً لنشر الوعي الصحي، وثقافة المسؤولية والتكافل الاجتماعي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3