حدث ذات مرة، في آخر عقد من القرن الفائت، أن شعر مواطن بآلام في جسده، فراجع إحدى العيادات الشعبية من غير أن يتوقع مفاجأة تنتظره هناك . أجرى الفحوص والتحليلات المختبرية، فأكدت نتائجها على إصابته بعجز في الكلية وتصلباً في الشرايين وزلالاً والتهابات و.. كل مايخطر في البال من أمراض!!

خرج الرجل من العيادة الشعبية حاملاً تحليلاته مرفقة بها عشرة أقراص دوائية فقط ( لتخدير أعصابه طبعاً )!

هل كان يحلم؟

وضع يده اليمنى على وجهه ورأسه وصدره، ليتأكد أنه يقظ تلمسَّ ضفاف الصحو، وثمة هاجس كان ينمو في أعماقه كبركان لايهدأ، دفعه الى مراجعة طبيب في عيادته الخاصة . وحينما فحصه أكد َّ له على تعارض نتائج الفحص مع نتائج التحليلات ! ونصحه بإجراء تحليلات جديدة .

حمل الرجل تحليلاته المرعبة عائداً الى العيادة الشعبية نفسها والى الطبيب الذي وصف له الأقراص العشرة، فسأله إن كان مصاباً، بالفعل، بكل تلك الأمراض التي أظهرتها التحليلات ؟ أجابه الطبيب ببرود زاد من حرارة أعصاب الرجل : إن نتائج التحليلات في عيادتنا غير صحيحة دائماً !!

لم يدر ِ الرجل ماذا يفعل ؟ أيضحك ام يبكي وقد أدرك أن أجهزة الفحص الطبية في تلك العيادة مصابة بأعراض الشيخوخة المبكرة او بالأحرى مصابة بالخرف الفني المبكر وربما بالشيزوفرينيا شأنها شأن العديدين من البشر

، وإلاّ ماالذي دفعها لتحول جسد الرجل الى خزانة للكلى العاجزة والشرايين المتصلبة والأحشاء الملتهبة و.. سلسلة طويلة من الأجزاء العضوية المريضة التي تؤدي بلا شك الى ارتفاع ضغط دم وأعصاب الجسد المثقل

بها . التقط الرجل نفساً عميقاً مصحوباً بالتنهد، وخطر بباله أنّ أطباء تلك العيادة ربما يوزعون الأمراض بالقرعة بين المراجعين!

غادر الرجل العيادة شاكراً الله تعالى على انتهاء الالتباس على خير والخروج بسلام من سيناريو تشخيص طبي مخطوء وخبرة طبية عالية ( كادت من علوها ترتطم بسقوف العيادة )!!

تلك الكوميديا السوداء ظلت في ذاكرتنا على مدى السنوات اللاحقة لحصولها لاسيما إن التشخيص المخطوء علّة ابتلي بها الكثيرون على أيدي بعض الاطباء وفي بعض المستشفيات والعيادات، كذلك الأجهزة الطبية بات بعضها قديماً اومحدوداً وبما لايسد الحاجة الفعلية الى التشخيص الدقيق والعلاج الوافي، لكن اليوم نستذكرتلك الحادثة بشعور مرير مختلف إذ نتساءل لو إن أي مواطن عراقي يذهب الآن الى مستشفى او عيادة لإجراء فحوص وتحليلات، فكم مرضاً سيكتشف أنه مصاب به بالفعل، بعد كل سنوات الحروب والمعاناة في مختلف شؤون الحياة اليومية من ضعف الجانب الأمني وكثرة الانفجارات التي زادت من تلوث البيئة، وشيوع الفساد الإداري الى جانب تردي الخدمات وغياب الكهرباء ومعه الماء في كثير من الأحيان فضلاً عن الزحام وضجيج المولدات وغير ذلك من أمورمتعبة في البيت والشارع ومقر العمل تتلف الأعصاب وتؤذي الصحة العامة عموما ً.

لا نقصد التشاؤم ودفعكم الى الخوف والقلق، لكن واقع حياتنا يدفعنا الى التكلم هكذا متسائلين عن الحلول والمعالجات . فهل ثمة ما ينقذ أجسادنا وأنفسنا من الأمراض العضوية والنفسية الناجمة عن ضغوط الحياة الصعبة وفي مقدمتها عدم احترام المسؤول للمواطن وحاجاته؟!

ومتى يحين موعد الالتفات الى حقوق الإنسان في عيش راغد وحياة يتوفر فيها أبسط مستلزمات الحفاظ على الأعصاب من الضغط وعلى الجسد والنفس عموماً من الأمراض التي قد تصيب الفقير والكادح والتعيس بالجملة ؟! لنبحث معاً عن العلاج الشافي لكل آلامنا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0