نستعير او نقتبس، بتصرف، عبارة المستشرق الفرنسي جاك بيرك: "التراث هو الماضي يحاور الحاضر عن المستقبل"، ونحن نتناول أهمية التواصل الإيجابي بين حاضرنا وماضينا، لإحياء التراث او الموروث ونحن نسير نحو المستقبل، ونقصد بالإيجابي هنا الخروج من الإتكاء على الماضي وحده، فالإحياء ليس ترديدا ببغاويا لمايجري توارثه عبر الأجيال او نوماً في أحضان مامضى من غير استيقاظ، او تفاخراً بحضارة وإنجازات حققها الأجداد ليتكئ عليها الأحفاد من غير أن يقدموا شيئا يذكر، شأنهم شأن التنابلة يستلقون تحت النخلة بانتظار سقوط التمر الى أفواههم.

ولايعني إحياء التراث اوالموروث والتواصل معه وتناقله عبر الأجيال نكوصاً للوراء او تقوقعاً فيه بمعنى الدوران الأعمى في مدارات الماضي وتفعيل كل مافيه ليكون سمة الحاضر، فثمة موروثات قد لاتناسب أن يحياها الناس الآن كبعض التقاليد المتخلفة على سبيل المثال، او المفاهيم التي تتقاطع مع نبض التقدم ولغة العصر الذي يشهد ثورة تقنية في جميع مناحي الحياة.

ويتحاور الحاضر مع الماضي عبر صيغ احترامه وتقديره له بكل مافيه من صور الحضارة كبناء صروح وابتكارات واختراعات وطرائق تفكير مثيرة للإعجاب وجماليات فنون وادب وشعر وقيم سامية تدعو للدهشة، الى جانب الاستفادة من تلك الإشراقات التي تضيف مايفيد الأجيال ويبني البلد ويصعد من إنجازاته ليكون لنفسه صورة بهية تجمع بين ألق مضى وحاضر يزهو بالعم والبناء ومستقبل يبنى بالعقول النيرة.

وبهذا لايعني التمسك بالتراث او الموروث نسيان بناء الحاضر، كما قد يتصور البعض حين يسمع كلمة تراث او موروث، كأنه سُبة او ارتداد سلبي عشوائي للوراء او لم تعد له قيمة نظرا لماعاناه الإنسان في بلدنا ومايعانيه، حتى قد يخطر في البال أنّ المواطن لم يعد معنيا بتاريخ بلاده وهو مشغول بسبل عيشه ويدور في فلك المتاعب والهموم والتضحيات، ولكن على هذا الإنسان إدراك حقيقة أنّه هو من يبني ويصنع حضارة، وليس بإمكانه ذلك إن لم يشعر بانتماء حقيقي لبلده، ويتجلى هذا الانتماء من خلال احترامه لمافي تاريخه من جماليات وبطولات . نعم في الماضي أمور قد لاتدعو للتباهي، لابأس، فللحضارة عدّة وجوه .. بناء وحروب، ولكن مهمة إنسان الحاضر أن لايكرر أخطاء حصلت في الماضي، وإنما يتحاشى تكرارها، مع أهمية أن يتوقف ويتأمل في مقدرة جده على أن يصنع مايخلده التاريخ، كاختراع الكتابة الذي أضاء ثقافات العالم، ورصف الأحجار في أبنية لاتزول كما تتداعى او تتصدع أبنية اليوم، وكإنّ بناة الأمس وضعوا أرواحهم في تلك الأحجار كي نشعر بها ونحن نتأمل نتاجهم.

إنّ من أساليب التحاور مع الماضي الحضاري والتراثي الشعبي والثقافة الشعبية ليبعثه الحاضر اليه بشكل إيجابي صانعا مصابيحَ جديدة للمستقبل، على سبيل المثال، الإهتمام بالكتاب بصفته خير جليس وتقديسه وقراءته والحفاظ عليه وتنشئة الأبناء على قيمة القراءة الواعية، وحماية الوثائق من السرقة والضياع، والحفاظ على الممتلكات الأثرية والتاريخية من التصدع والتشويه والضياع بسبب التوجه نحو الربح التجاري.

أحيانا، يكون التحاور بين الماضي والحاضر وإحياء الموروث عبر سلوكيات بسيطة لاتتطلب منا الكثير، إذ تنطلق من أخلاقيات عالية هي التي تدفع بصاحبها نحو بناء الحاضر والمستقبل، وحيث إنّ الإنسان قيمة عليا، فإنّ أخلاقه هي التي تبين مدى إنسانيته ووعيه في التعامل مع كل شؤون الحياة ومنها نظرته للماضي، وكيفية تعامله معه ومع تراثه اوموروثه .. إغمض عينيك وتأمل ماضيك، وافتح يديك لتتلقى منه ماينفع حاضرك، واترك مايسيء او يعرقل استمرار تعالي الصرح نحو أعالي المستقبل .. ذلك هو التحاور الخلّاق بين إتجاهات الزمن الثلاثة.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
احبائي
من ماضينا ناخذ دائما العبرة والحكمة لإصلاح الحاضر
ومانزرعه في الحاضر نامل ان نصنع به لنفسنا واولادنا المستقبل الباهر
الإستعماردمر مقدرات ماضينا ويتآمر بقوة على حاضرنا بشكل سافر فاجر
فاللهم ياعزيز ياجبار اذا التجانا اليك بصدق انصرنا على اهل البغى واجعلهم في الجانب الخاسر
احبائي
دعوة محبة
ادعو سياددتكم الى حسن الحديث وآدابه.....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات....مركز ثقافة الالفية الثالثة2019-02-14

مواضيع ذات صلة

1