قد يرى البعض، ان الكتابة عن هكذا موضوعات، يمثل نوعا من الترف، لاننا نعاني مشاكل كثيرة، ينبغي التصدي لها. لكني اجد ان كتّاب مقالات الراي، معنيون بشكل مباشر برصد الشارع، وتقييمه من جوانب مختلفة، كونه المرآة التي تعكس ايقاع الحياة بعفوية ومن دون تزويق، وهذا ماظل يحرضني على التصدي لبعض الظواهر التي تناولتها في اكثر من مقال.

لقد كتبت سابقا عن ظاهرة اجتماعية مسيئة للذوق العام، ومعبرة عن حالة عنف رمزي غير مسبوق ، جاء متساوقا مع ظاهرة العنف التي شهدناها بعد الاحتلال، او كانت اسقاطا له .. الظاهرة تمثلت بعبارات قاسية ومسيئة، يكتبها البعض على الحيطان، تدعو الى عدم رمي النفايات في غير محلها، والعبارات مثل (لاترمي الزبالة هنا ياكلب !) او (لاترمي الزبالة هنا يا ساقطة).. الخ ، من هذه العبارات التي صارت جزءا من مشهد واسع، تميز بكثرة الشعارات والكتابات التي اكتسحت الاماكن البارزة وبشكل كيفي كنوع من (حرية التعبير)!

ووسط هذه الفوضى التي اخذت تكرس واقعا غير حضاري، شوّه صورة العاصمة، وجدنا انفسنا اليوم مضطرين ليس للتذكير بما كتبناه سابقا، بل للتطرق لظاهرة اخرى مشابهة، تتمثل بكتابة عبارات على الزجاج الخلفي للسيارات، او خلفيات السيارات، لاتعبر فقط عن ثقافة متدنية لكاتبيها، بل تمثل تجاوزا علنيا على المشاعر العامة، وبشكل بات يؤذي صورة بغداد ومدنيتها ومكانتها، كعاصمة تمثل وجه البلاد وقلب الثقافة فيها، ولا اريد ان استعرض العبارات التي يصعب حصرها، والتي تبدا ب (خلي يولن) ولاتنتهي عند (وين مااكضه ادجّه)!! اما العبارات الخادشة للحياء التي يصعب تدوينها، فحدث ولاحرج، وعشرات العبارات الاخرى، التي بعضها يعكس مواقف شخصية، يريد اصحابها تعميمها على الناس بطريقة مخجلة ولاتنم عن اي قدر من الذوق، او احترام مشاعر الاخرين .

ان هذه الظاهرة تستدعي وقفة حازمة من مسؤولي المرور وكذلك الداخلية للحد منها لانها باتت مستشرية بشكل لافت وغير مسبوق .

لقد كنا نقرا العبارة الشهيرة (السياقة فن وذوق واخلاق) ونجد ترجمتها في الشارع الى حد كبير، وعلى الرغم من كونها تحمل نفسا شعاراتيا، الا انها اضافة الى قوانين المرور الصارمة الاخرى، منحتنا شارعا حضاريا الى حد مقبول، تمثل باحترام قواعد المرور واخلاقيات استعمال الشارع، لان ذلك جزءا اساسيا من حضارة ومدنيّة اي شعب، وهو مشهد نفتقده اليوم للاسف، ليس في الشارع وحده ، بل في مختلف مناحي الحياة، اذ بدلا من ان تكون كثرة السيارات وسهولة الحصول عليها علامة على تقدم البلاد. نرى ان الامر صار يعكس حالة مناقضة لذلك، حيث اصبحت استباحة الشارع من قبل الطارئين ومحدثي النعمة، عبئا على بغداد وصورتها الحضارية التي لم يكن هذا المشهد وحده شاهدا على تدهورها ، بل ان فوضى المرور وعدم نظافة الشوارع واختفاء الارصفة، هي الصورة المتكاملة المعبرة عن تخلف بغداد عن مثيلاتها من العواصم المجاورة التي كان اهلها يتمنون ان يكون لهم مثلها او مثل بعضها!!

ان هذه الظواهر الشاذة تحتاج الى معالجة عاجلة ، لاننا على يقين من ان انضباط الشارع يعطي انطباعا لدى عموم الناس ، بان الحياة نفسها منضبطة على المستوى الاجتماعي وذلك يسهم في تعزيز ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها التي يمثل الانضباط ابرز علاماتها نحن نكتب فهل من مجيب؟!!

................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1