من طبيعة حركة الأفراد وعموم المجتمع أنها تفضي بالنتيجة إلى تصادم الإرادات أو على الأقل تزاحمها، وهو أمر محتوم تفرضه التركيبة التكوينية للإنسان، لذلك تم وضع الضوابط الأخلاقية كي تنظّم هذا الحراك المحتدم بين الإرادات، فالطموح بالتقدم واعتلاء القمم في الدرجات يتلبّس جميع الناس، وكل فرد يرغب أن يكون في المقدمة دائما، ولو لا هذه السمة البشرية لما تطور العالم من عصر الغاب والصيد والعشوائية إلى عصر الحقوق والقانون والإنسانية، لذلك فإن خطوات انتقال الإنسان من مرحلة متأخرة إلى مرحلة متقدمة ينبغي أن تحكمها قواعد أخلاقية وقوانين تنظم احتكاك الإرادات وتزاحمها، لأن الكل يريد أن يتقدم على غيره وهو أمر مشروع، لكن هذا التفوق لابد أن يتم بطريقة مقبولة ومشروعة.

الشعوب أيضا تسعى إلى التفوق، والأخير هو محصلة تفوق الأفراد، ونتيجة لذلك تحدث مقومات الانتقال إلى مرتبة أفضل، أو قد يحدث العكس، ففي تمحيص المزايا والإخفاقات لدى الشعوب والأمم، سنلاحظ توافر المزايا الجيدة لدى المتقدم منها، وتوافر الإخفاقات لدى المتخلفين، وهذه هي أسرع وأبسط مقارنة يمكن أن تحدث بين شعبين، أحدهما ينعم بمزايا التطور الدائم، والآخر يتخبط في وحل الإخفاق والتأخر، أما المزايا فهي معروفة ويمكن الحصول عليها من خلال المعرفة والإطلاع، وغالبا من يتحدث المتأخرون عنها ويشيرون إليها ويضربون الأمثلة عنها، بمعنى أن هناك من يتحدث كثيرا عن مزايا التقدم ولكنهم لا يعملون بها، وعلى العكس منهم هناك من يتحدث قليلا عن مستلزمات ومقومات التطور، ولكنهم يعملون كثيرا بها، بل جل حياتهم تنضبط تحت سطوة وقوة هذه الصفات التي تميل إلى الإنجاز أكثر بكثير من التشدّق الفارغ بالتطور والأفضلية من الآخرين.

عملك يتكلم نيابة عنك

لذلك نلاحظ أن الأفراد الأكثر تحقيقا لذواتهم، والأكثر إنجازا من غيرهم، هو قليلو الكلام ولا يتبجحون كثيرا بما قدموه من منجزات، بل يتركون الكلام لأعمالهم نفسها، فهي التي تتحدث نيابة عنهم بالأدلة والشواهد، وكثيرا ما نسمع من المفكرين والفلاسفة والعلماء، أن الكلام من دون عمل يبقى في حيّز العدم، لا فائدة منه إلا في الاجترار اللفظي الذي لا يغني ولا يشبع، فيما يكون العمل ممثلا أمينا ولسانا سليما للفكر والكتابة والكلام أيضا، لهذا قيل إن الأعمال أعلى صوتا من الأقوال، وقال العلماء، لا تتكلم، دع عملك يتحدث بدلا عنك، وهكذا تنجح الأمم والشعوب عندما يكون العمل مرافقا بل متقدما على الكلام، وهذا لن يتحقق إلا في حالة احترام التفوق والإنجاز الفعلي والاستعاضة به عن الكلام الفارغ م الانجاز.

وإذا أردنا أن نطرح التساؤل التالي، هل الفرد لدينا يتحلى بالانجاز والتفوق، أم أنه يميل إلى الثرثرة والكلام أكثر مما ينجز واقعيا وفعليا؟، على مستوى الأمم نظن أننا غادرنا مرحلة الإنجاز والتفوق بصمت، وأصبحت من صفت الماضي، أما حاضرنا فهو خال من المنجز الفعلي، وهذا الرأي لا يدخل في باب جلد الذات، أو الشعور بالدونية إزاء الآخر المتقدم، بل هي حقائق يفرزها الواقع ويضعها أمام أبصارنا بكل وضوح، ولا شك أن من علامات وبوادر ثقافة الانجاز والتفوق هو المنجز الفعلي، تُرى هل لدينا ثقافة انجاز شائعة في المنهج السلوكي اليومي لمجتمعنا، وهل نرعى المتفوقين المبتكرين الموهوبين كما يجب؟، نعم يوجد لدينا متفوقون موهوبون، هذا جزء من الصفات التي تنعتنا بها كثير من الأمم الأخرى، ولكن هل الحكومات والمسؤولون يرعون هذه الطاقات ويوفرون لها أسباب ومنطلقات المضي نحو التطور المتصاعد؟.

الجواب الشافي سنجده في سلوكنا الواقعي إزاء التفوق والمتفوقين، وإهمالنا لقضية مهمة تتعلق بالإنجاز نفسه، وأعني هنا المسؤولين الحكوميين أولا والمنظمات المدنية ثانيا، والتجمعات الثقافية والدينية ثالثا، والأفراد رابعا، وبهذا يتضح أنه من المفترَض أن الجميع من دون استثناء هم مسؤولون عن إشاعة ونشر ثقافة الانجاز في السلوك اليومي للمجتمع، مضافا الى ذلك ومقرونا بها رعاية المتفوقين بأقصى ما يمكن أن تكون عليه الرعاية، لكي يتم استثمار تفوقهم لصالح المجتمع والدولة، لكن الحقيقة المؤلمة أن من يتصدّر إدارة شؤون الموهوبين والمتفوقين لا يعبأ بما ينجزوه، ولهذا الإهمال ضرر مزدوج، قتل الموهوبة ومنجزاتها، ونشر ثقافة الإهمال والإحباط كسلوك رسمي اجتماعي سائد!.

السياسة الاقصائية للكفاءات

هذا لا يتحدد بالعراقيين حصرا، بل قد تكون منظومة سلوك قتل المواهب شائعة عربيا، فما نلاحظه على العرب عموما والعراقيين على وجه الخصوص، أنهم طاردون للمتفوقين وللكفاءات، فالمتفوق الذكي المبتكِر الموهوب، عندما لا يجد الرعاية التي يحتاجها ويستحقها، لا يبقى ساكنا مستكينا خاضعا لرحمة الإهمال الحكومي والمؤسساتي والمدني أيضا، بل سرعان ما يبحث عن سبل وطرق ووسائل تكفل له إظهار مزايا وعطايا موهبته وتفوقه إلى حيّز الواقع، وفي هذه الحالة لا يكون أمام المتميزين الموهوبين سوى المهاجر، فهي التي ستمثل البديل المناسب لهم، فيضطر هؤلاء الموهوبون وأصحاب الإنجازات الجيدة والكفاءات المتفانية إلى مغادرة المجتمع الذي ينتمون إليه، ويغادرون دولتهم الأم، ويبحثون عن شعوب ودول أخرى تعرف قيمة التفوق والموهبة، وتنتشر في سلوكها ثقافة الاهتمام بالعقول والمواهب النافرة، وهناك سوف يجد المتفوقون العرب والعراقيون مجالا واسعا لطرح أفكارهم وأعمالهم واثبات تفوقهم وتحقيق ذواتهم، فتتحقق استفادة المتفوق لذاته، فيما تستثمر تلك الدول الحاضنة لمواهب أبنائنا والمتفوقين منهم من ذوي الكفاءات، قدراتهم المتنوعة لصالح تلك الدول، وليس لصالح الدولة أو الأمم التي أنجبتهم، وهذه السياسة الإقصائية للكفاءات والمواهب المتفوقة ليست حبيسة التاريخ الماضي وإنما لا تزال موجودة في واقعنا الحالي.

أما لماذا أصبحت الدول العربية طاردة للمتفوقين وأصحاب الكفاءات، فهذا أمر واضح وأسبابه أكثر وضوحاً، لان المتفوق يشكل خطرا على أنصاف الموهوبين الذين يحتلون المناصب والوظائف بالتزوير والتملق والتسقيط، خاصة أننا كعرب وعراقيين نعيش في ظل حكومات هي نفسها لا تحب التفوق، إلا إذا كان يعمل في تثبيت السلطة وحمايتها، لهذا مطلوب أن تنتشر ثقافة الانجاز كسلوك جمعي يحبه الجميع ويلتزمون به، ويروجون له، كذلك على الدولة والجهات المعنية أن تحمي المتفوقين وتأخذ بمواهبهم وقدراتهم، وعلى الجهات التشريعية المعنية أن تشرع ما يكفي من بنود وخطوات لدعم المبتكرين وحماية الكفاءات من خطر الهجرة، وما أحوج العراقيين والعرب في المرحلة الراهنة الى احتضان المتفوقين، في ظل تسارع منقطع النظير نحو التقدم والتطور والابتكارات اليومية الهائلة على المستوى العالمي، إذاً هناك مهمة كبيرة يجب أن تتصدى لها الدولة والنخب والمجتمع عموما، تعيد للمتفوق هيبته، وتجعل من سياسة رعاية المواهب والكفاءات أمرا واقعا وعدم السماح بهجرة العقول المتميزة خارج مواطنها الأصلية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0