أخذت المخدرات بتصنيفاتها المتعددة (المخدرات الطبيعية، والمخدرات المصطنعة، والمخدرات الكيميائية)، تشكل آفة وتهديد حقيقي للأمن الإجتماعي في العراق، لتزايد رقعة إنتشارها كظاهرة غريبة لم يألفها العراقيون من قبل بهذا الشكل لإعتبارات دينية، وإجتماعية، وقانونية.

حيث تروج في ظل أزمات العراق الحالية جهات كثيرة بشكل خفي لمواد مخدرة غريبة على المجتمع العراقي، أبرزها مادتي الحشيش، والكوكايين، الأمر الذي أدى إلى تفاقم حالات الإدمان وبالذات بين أوساط المراهقين، وفي كثير من الأحيان تستغل شبكة المخدرات (خاصة التجار منها) هؤلاء المراهقين بعد إدمانهم كوسطاء في بيع الحبوب المخدرة لأنهم لا يمتلكون ثمن الحبوب بسبب الفقر وحاجتهم للمخدرات بسبب الإدمان.

لذا نرى اليوم إنتشاراً وتجارةً للمخدرات في العديد من المحافظات العراقية وربما هناك من يريد أن يجعل العراق ممرا لتهريب المخدرات إلى أوروبا الشرقية عن طريق تركيا، وتشير أجهزة الأمن ومكافحة الجريمة في العراق بين الحين والآخر إلى العثور على بضاعات تحتوى على كميات هائلة من المؤثرات العقلية والحبوب المخدرة بأصنافها المختلفة عبر منافذ عدة أبرزها البصرة، وديالى، وفي الكثير من الأحيان يستطيع تجار المخدرات أن يمرروا بضاعتهم من الحبوب المخدرة ثم تهرب بعد ذلك إلى باقي المحافظات ومن ضمنها محافظات شمال العراق وربما تهرب عن طريق العصابات المخدرات إلى تركيا وإلى أوروبا.

وبحسب تقارير حديثة لمكتب مكافحة المخدرات التابع للأمم المتحدة، أكدت أن هناك ممرين رئيسيين لدخول المخدرات نحو العراق الذي تحوَّل إلى مخزن تصدير تستخدمه مافيا المخدرات، مستفيدة من ثغرات واسعة في حدود مفتوحة وغير محروسة، فالعصابات الإيرانية والأفغانية تستخدم الممر الأول عبر الحدود الشرقية التي تربط العراق مع إيران.

أما مافيا تهريب المخدرات من منطقة وسط آسيا فتستخدم الممر الثاني وصولاً إلى أوروبا الشرقية إضافة إلى ذلك هناك الممرات البحرية الواقعة على الخليج الذي يربط دول الخليج مع بعضها. وأضافت التقارير أن العراق لم يُعد محطة (ترانزيت) للمخدرات فحسب، وإنما تحوَّل إلى منطقة توزيع وتهريب، وأصبح معظم تجار المخدرات في شرق آسيا يوجهون بضاعتهم نحو العراق، ومن ثم يتم شحنها إلى الشمال، حيث تركيا، والبلقان، وأوروبا الشرقية، وإلى الجنوب والغرب، حيث دول الخليج، وشمال أفريقيا.

ساهم كل في ذلك تهاون في الجانب الأمني، والمخابراتي، وغياب الوعي السياسي، والتساهل من بعض المسؤولين الإداريين، والأمنيين في هذه المحافظة أو تلك أو على هذا المنفذ أو ذاك لأسباب تتعلق لحسابات سياسية، ودوافع إقتصادية، ومالية أو حتى ضغوطات حزبية أو برلمانية تمارس على القيادات الإدارية، والأمنية، يساعد في ذلك إمتلاك العراق حدود طويلة مع بعض دول الجوار، وقسم كبير منها غير مؤمنة، وتفتقد للمراقبة المخابراتية، وهي حالات عادة ما تسجل في دول العالم الثالث خاصة تلك التي تعاني من ضعف في تطبيق القانون في التعامل مع شبكة المخدرات من تجار المخدرات، والمهربين بالدرجة الأولى، والمتعاطين بالدرجة الثانية.

من هنا ضرورة أن تأخذ مؤسسات الدولة التنفيذية والأمنية (أجهزة وزارة الداخلية، وجهاز المخابرات العام)، الدور الأساسي في مكافحة شبكة المخدرات (المزارعين، والتجار، والمتعاطين) بكافة الوسائل: المراقبة، والمتابعة، وإنزال العقوبات، وبما ينسجم مع القانون، إلى جانب تفعيل المؤسسات الرقابية والقضائية، وتشريع تعليمات قانونية تنسجم وخطورة هذه الظاهرة.

كما أن هناك مؤسسات أهلية لها دور كبير في شيوع ثقافة مضادة للمخدرات منها مؤسسات المجتمع المدني، والأسر، والإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي، ودور المرجعيات الدينية، والقائمين على الجانب التربوي، إلى جانب دور الجامعات العلمية، وتشخيص مراكز الأبحاث بأن تقوم كل مؤسسة بدورها وبحدود صلاحياتهم بالتعامل الأخلاقي، والقانوني، وبوطنية صارمة مع شبكة المخدرات (التجار والمتعاطين) كونها أخذت تشكل ظاهرة خطيرة تهدد الأمن الإجتماعي في العراق لكون ظاهرة المخدرات لا تخص المتعاطي فقط، وإنما تؤثر سلباً على مقومات المجتمع ككل، من خلال آثارها المدمرة على الجوانب الإقتصادية والإجتماعية والأسرية، وتؤدي إلى شيوع ظواهر سلبية مدمرة كالقتل، والإنتحار، والإغتصاب، والسرقات، لما تتركه الحبوب المخدرة في نفسية المتعاطي المدمن من حالة صحية مأزومة.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2017Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1