لانعني بالمواطنة في هذه السطور، اشتقاقها اللغوي من كلمة الوطن او المنزل الذي يولد ويقيم به الانسان، انها ما اكتسبته من معاني من خلال التجربة والممارسة طيلة عقود طويلة في مجالها الغربي، اي انتقالها من خانة المفهوم المجرد الى خانة التطبيق العملي طيلة مسارها الطويل، واصبحت بالتالي تعني: صفة المواطن الذي له حقوق وعليه واجبات تفرضها طبيعة انتمائه إلى وطن. وهذه المواطنة لاتنفصل عن اطر قانونية تنظم العلاقة بين الحقوق والواجبات والتي تضمن معنى المساواة بين من المواطنين داخل الدولة الواحدة...

وتحيل المواطنة باعتبارها مفهوم قانوني إلى شرطين:

1 – شرط الدولة الوطنية: وما يستتبع ذلك من إقامة مجتمع وطني يقوم على اختيار إرادة العيش المشترك بين أبنائه.

2 – شرط النظام الديمقراطي: ومتطلباته للتوازن بين الحقوق والواجبات، بين الخاص والعام، بين الخصوصيات والشمول.

وباختصار، " فالمواطنة مفهوم تاريخي شامل ومعقد له أبعاد عديدة ومتنوعة منها ما هو مادي قانوني، ومنها ما هو ثقافي سلوكي، ومنها أيضا ما هو وسيلة أو غاية يمكن بلوغه تدريجيا، لذلك فإن نوعية المواطنة في دولة ما تتأثر بالنضج السياسي والرقي الحضاري" أنظر بهذا الشان بشير نافع، سمير الشميري، علي خليفة الكواري ( " المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية " مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2001 ص 27 ).

واضح إذن، أن المواطنة، خيار ديمقراطي اتخذته مجتمعات معينة، عبر مراحل تاريخية طويلة نسبيا، فهي كما قال المفكر المصري السيد ياسين: " ليست المواطنة جوهرا يعطي مرة واحدة وللأبد " انظر السيد ياسين " المواطنة في زمن العولمة " الدار المصرية للطباعة. القاهرة. السنة 2002 ص 22.

تتمثل المواطنة في الابعاد التالية:

* البعد القانوني للمواطنة.

* البعد السياسي للمواطنة.

* البعد الاداري للمواطنة.

* البعد الاجتماعي للمواطنة.

وهناك اربعة قيم محورية ترتكز عليها المواطنة هي:

أولا- قيمة المساواة:

وتتجسد في الحقوق مثل حق التعليم، والعمل، والجنسية، والمعاملة المتساوية أمام القانون والقضاء، واللجوء إلى الأساليب والأدوات القانونية لمواجهة موظفي الحكومة بما في هذا اللجوء إلى القضاء، والحصول على المعلومات.

ثانيا- قيمة الحرية:

وتتجسد في العديد من الحقوق مثل حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، وحرية التنقل داخل الوطن، وحق الحديث والمناقشة بحرية مع الآخرين حول مشكلات المجتمع ومستقبله، وحرية التأييد أو الاحتجاج على قضية أو موقف أو سياسة ما، حتى لو كان هذا الاحتجاج موجها ضد الحكومة، وحرية المشاركة في المؤتمرات أو اللقاءات ذات الطابع الاجتماعي أو السياسي.

ثالثا- قيمة المشاركة:

التي تتضمن العديد من الحقوق مثل الحق في تنظيم حملات الضغط السلمي على الحكومة أو بعض المسئولين لتغير سياستها أو برامجها أو بعض قراراتها، وممارسة كل أشكال الاحتجاج السلمي المنظم مثل التظاهر والإضراب كما ينظمها القانون، والتصويت في الانتخابات العامة بكافة أشكالها، وتأسيس أو الاشتراك في الأحزاب السياسية أو الجمعيات أو أي تنظيمات أخرى تعمل لخدمة المجتمع أو لخدمة بعض أفراده، والترشيح في الانتخابات العامة بكافة أشكالها.

رابعا - المسئولية الاجتماعية

التي تتضمن العديد من الواجبات مثل واجب دفع الضرائب، وتأدية الخدمة العسكرية للوطن، واحترام القانون، واحترام حرية وخصوصية الآخرين.

المواطنة في المجتمعات العربية في وقتنا الراهن غائبة، وأهم أسباب هذا الغياب داخلي، ففشل الدولة العربية الحديثة في تحقيق التنمية الشاملة وضمان حماية قانونية واجتماعية لمواطنيها بأبعادها المختلفة، دفع إلى انتشار الإحباط والانهزامية لدى شريحة عريضة من المواطنين. فعدم إشباع الحاجات الأساسية للأفراد يؤدي إلى اللامبالاة على كافة الأصعدة، بل يدفع إلى الهروب من الوطن بحثا عن جنسية ووطن جديدين".

حول تلك المواضيع وغيرها نجدها عند الباحث الدكتور لؤي صافي في كتابه «الحرية والمواطنة والإسلام السياسي»، الذي يقارب فيه بين التصورات والقيم الأساسية في الخطاب الإسلامي المرتبطة بالحياة السيـاسيــة الديموقـــــراطية، والإطار المعياري الذي يشكل القاعدة التي تقوم عليها مفاهيم الحرية والمواطنة.

ويسعى المؤلف إلى ربط هذه المفاهيم والقيم بأطر المجتمع الحديث وعلاقاته السياسية والاجتماعية والدينية، وإلى رسم معالم العلاقة الحركية بين الديني والسياسي، بما يسمح للانطلاق من القيم الأخلاقية والدوافع الروحية والدينية لتأسيس مجتمع يضمن الحرية والكرامة والعدل لأبنائه كافة، من دون النظر إلى خصوصياتهم الدينية والعقدية والقومية.

ويشير المؤلف إلى أن النظام السياسي الذي ساد المنطقة العربية، هو امتداد لنــظام السلاطين الذين تمكنوا من السلطة والتحكم بالقرار السياسي باعتماد القوة والبأس. والنظام السلطاني لا يقتصر اليوم على الأنظمة الوراثية بل يكاد يشمل كل الجمهوريات العربية.

ويرى أن المواطنة تقوم على أساس إبقاء الخلافات في دائرة السجال السلمي والاحترام المتبادل بين القوى السياسية المتصارعة، والحيلولة دون انتقال الصراع السياسي إلى مرحلة التشكيك في النوايا أو التخوين أو الاتهام بالعمالة أو ما شابه ذلك من المواقف، التي تجعل الحوار مستحيلاً، وأن الوعي الصحيح بالمواطنة يقتضي عدم تحول الحوار السياسي إلى حالات اتهامية أو تناحرية أو تحريضية أو تشكيكية أو تجريمية، كما أن الشعوب التي تطورت سلكت سلوك المواطنة الناجحة بالوعي الفائق، بإبقاء الخلاف الناتج عن الحوار في دائرة الاحترام المتبادل لكرامة الخصم وحقوقه المدنية والسياسية.

ويرى د. صافي أن الدارس لتطور الأنساق الثقافية في التاريخ الإسلامي يلحظ وجود حركة مد وجزر بين نسقين أساسيين، يرتبط الأول بنوازع التعصب القبلي المؤكدة على أولوية التضامن القبلي والعرقي والمحلي، بينما يتعلق الآخر بالعالمية الإسلامية الساعية إلى بناء نموذج مجتمع مدني يقوم على تساوي البشر في الكرامة الإنسانية، وحقهم في اختيار قيمهم ومعتقداتهم ضمن إطار قيمي عام حددته "صحيفة المدينة" التي صاغها النبي الكريم صلى الله عليه واله وسلم بين المؤمنين والمسلمين في يثرب. إذ أعلن هذا العقد المدني عددا من الحقوق السياسية شملت كل أفراد المجتمع السياسي المسلمين منهم وغير المسلمين، مثل حماية المظلوم في المجتمع، وحرية الاعتقاد التي ترد في نص الصحيفة "لليهود دينهم وللمسلمين دينهم".

ولذلك فإن ميثاق المدينة أنشأ مجتمعا مدنيا عالميا قائما على الولاء التعاقدي بين أفراده وجماعاته، من خلال الالتزام بمجموعة من المبادئ الأخلاقية الكلية التي أخضعت الولاء العضوي للجماعات السكانية المختلفة (من مسلمين ويهود ومشركين) للولاء التعاقدي.

غير أن النزعة القبلية ما لبثت أن عادت بلبوس جديد في خضم الفوضى التي أعقبت مقتل عثمان بن عفان. وهكذا تحول التمزق القبلي لمجتمع الجزيرة العربي إلى تمزق عقدي في المجتمع الإسلامي الفتي، وأدى ذلك إلى انقسام المثقفين المسلمين إلى عشرات الفرق والمذاهب.

بيد أن نظرة متمعنة إلى أطروحات المثقفين الإسلاميين -برأي المؤلف- تدعونا إلى تصنيفهم ضمن تيارين رئيسيين، يتعلق الأول بمثقف السلطة الساعي إلى ترويج الأفكار والمعتقدات التي تضفي الشرعية على نظام سياسي يقوم على تسلط العشيرة على المجتمع، والذي وجد في مقولة الجبرية (الإرادة الإلهية) أساسا ينطلق منه لتحقيق مهمته. وبين مثقف الأمة الذي أنكر مقولة الجبر، وسعى إلى تأكيد الحرية الإنسانية ومسؤولية الفرد على كل أفعاله بغض النظر عن أصوله العرقية أو القومية، أو انتمائه العقدي أو الديني. واستطاع بذلك تحقيق نهضة حضارية عالمية ساهم فيها العربي والفارسي والهندي والبربري والكردي والتركي، كما ساهم فيها المسلم والنصراني واليهودي.

في فصل (الإسلام والدولة) نعثر على حفريات ومقاربة جديدة للعلاقة بين الدين والدولة داخل الحقل التاريخي الإسلامي والمعاصر. حيث يرى الكاتب أن إشكالية العلاقة بين الديني والعلماني إشكالية حديثة، ترتبط مباشرة بالتجربة التاريخية للمجتمعات الغربية التي سعت إلى وقف الاقتتال الديني بين الكنيسة الرومية والكنائس المنشقة إبان بروز حركات الإصلاح الديني في الغرب، وبروز الحاجة إلى فصل المؤسسة السياسية عن المؤسسة الدينية.

لذلك فإن الذاكرة الجمعية للمجتمعات الغربية بخصوص العلمنة تتصف بالإيجابية، في حين اتسمت الذاكرة الجمعية للمجتمعات المسلمة بالسلبية. حيث إن الحديث عن الدولة العلمانية يعني لدى الغربي مدخلا للكلام حول الحريات الدينية وحق الأفراد بممارسة أديانهم بعيدا عن تدخل الدولة، في حين أخذت تعني لغالبية المسلمين تسلط الدولة وتحكمها بحريات الناس، بما في ذلك حرياتهم الدينية.

ولذلك يعتقد د. صافي في أن الإشكالية بين الدين والعلمانية في تاريخنا الإسلامي تتعلق بطبيعة وفلسفة الدولة الحداثية التي هيمنت على المجتمعات السياسية المسلمة في العصر الحديث، التي تتمتع بصلاحيات واسعة في دوائر الحياة العامة، لا الدوائر السياسية والاقتصادية فحسب، بل الدوائر الثقافية والتعليمية والأسرية. في حين أن مثل هذه الصلاحيات الواسعة التي تمتلكها الدولة الحداثية لم يكن لها نظير في تاريخ المجتمعات الإسلامية.

ولذلك يرى الكاتب أن التحول من النموذج التاريخي إلى النموذج الحداثي، وسوء الفهم لطبيعة المؤسسات التاريخية هو المسؤول عن الدعوات المتهافتة إلى شرط قيام الدولة بتطبيق الشريعة، وذلك انطلاقا من رؤية ومنطق مغلوط يرى أن الدولة الغربية الحديثة تتميز بتطبيق القوانين الغربية مما وجب أن تطبق الدولة الإسلامية شريعتها الدينية. بينما كان واقع مؤسسة الدولة في العالم الإسلامي من الناحية التاريخية لا يشير إلى ارتباطها بمهمة التقنين والزام المجتمعات المحلية بقراراتها المركزية، إذ بقيت مهمة تبني القانون مرتبطة بالكتل الاجتماعية المحلية.

ولذلك كان من الخطأ ربط الشريعة الإسلامية التي تطورت وهي تسعى للحيلولة دون توسع سلطة الدولة المركزية بمؤسسات الدولة الحداثية ذات الصلاحيات الواسعة التي تخولها التقنين للمجتمع عبر مختلف دوائره.

وانطلاقا من هذه الرؤية فإن المطلوب -برأي الكاتب- يتمثل في إعادة النظر بصلاحيات الدولة، وعلاقتها بالقوانين ومؤسسات المجتمع. والبحث من جديد في العلاقة بين القانون والمؤسسات الاجتماعية، وآليات سن التشريعات وإلزام المجتمع المدني بها في زمان تتقارب فيه المسافات، وتتعدد مسارات الاتصال وقنوات الحوار والتبادل الثقافي والديني بين الشعوب والأمم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0