رغم زوال نظام صدام حسين، ورغم رحيل نظام زين العابدين في تونس، وحسني مبارك في مصر، ومعمر القذافي في ليبيا، وعلي صالح في اليمن، ورغم كل الحراك الجماهيري ضد الاستبداد والسلطويات المؤبدة في اكثر من بلد عربي، الا اننا لازلنا لم نلمس من الديمقراطية كنظام حكم وتبادل للسلطة الا اطيافها القليلة، والممثلة بصناديق الاقتراع.

منطقة الشرق الأوسط ليست المنطقة الوحيدة بين مناطق العالم التي ابتليت بالسلطوية والحكم المستبد. فالصين – وهي اكثر البلدان المتسلطة سكانا – تعتبر أيضا من بين الدول التي طال فيها امد الحكم المتسلط، وفي هذه الحالة الأخيرة نجد ان دولا اسيوية مثل فيتنام ولاوس وبورما تشاركها الامر نفسه، وفي قارة افريقيا كذلك نجد الكثير من الدول، وكذلك كوبا في أمريكا الوسطى. وهناك أيضا دول كثيرة غير ديمقراطية تنتمي الى الزمرة نفسها، غير انها حديثة العهد بالاستبداد، وتتصف بالاستقرار، وبخاصة الجمهوريات الجديدة التي تشكلت في اعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي. بيد انه في هذه المناطق الأخيرة، نكتشف ان الأنظمة غير الديمقراطية تتواجد جنبا الى جنب مع الدول التي مرت بتحولات ديمقراطية او التي مازالت تخوض عملية التحول الديمقراطي.

ان الذي يميز الشرق الأوسط ليس ببساطة ظاهرة السلطوية الدائبة والمستديمة، ولكن كثافة السلطوية وزخمها في ظل غياب أي حالة ناجحة من حالات التحول الديمقراطي.

يطرح كتاب (السلطوية في الشرق الأوسط.. النظم الحاكمة والمقاومة) والذي شارك في تحريره "مارشا بريبشتاين بوسوزني" و"ميشيل بينر انجريست" تساؤلا مهما ويحاول معالجته في فصوله المتعددة، والسؤال هو: لماذا استمرت الأنظمة الحاكمة المتسلطة في الشرق الأوسط كل هذه الفترة الطويلة، بينما افسحت الحكومات السلطوية السابقة في كثير من البلدان الأخرى الطريق للديمقراطية على مدار عدة عقود ماضية؟.

في معالجة فصول الكتاب لموضوعه، تم التركيز على المتغيرات حول دور الدولة من خلال تناوله للافراد الذين يمسكون بزمام السلطة السياسية في بلد من البلدان، فضلا عن الأجهزة والمؤسسات بالحكومة.. واما العوامل التي دارت حول المجتمع فتناولت السكان الذين يخضعون للحكم المطلق - المواطنون العاديون والأنشطة التي ينخرطون فيها - في الوقت الذي يتفاعلون فيه مع الحكومة.

يقسم الكتاب المداخل الكبرى التي يلاحظها في الادبيات المتخصصة في التحولات الديمقراطية الى فئتين: الفئة الأولى هي مدرسة "المتطلبات الجوهرية" والتي تفترض مجادلاتها ضرورات اقتصادية وثقافية أومؤسسية لكي تبدأ عملية التحولات التي تؤثر في السلطوية. والفئة الثانية هي "نموذج التحولات" وتعتبر عملية التحول الديمقراطي خيارا طارئا لنظام الحكم وممثلي المعارضة، ويمكن له ان يقع تحت تاثير مجموعة متنوعة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

بالنسبة للمجتمعات العربية، وفيما يتعلق بالمتطلبات الثقافية اللازمة للتحول الديمقراطي، يرى الكتاب ان مجموعة من المجادلات الثقافية اثبتت ان العقلية القبائلية والقائمة على النظام الاجتماعي الابوي الذي يتميز بسلطة الاب المطلقة على العشيرة تشكل عقبة تعرقل تطور القيم التعددية. ويقال ان النظام الاجتماعي يجعل المواطنين العرب عرضة لقبول الزعماء الذين هم مثل ابائهم او يرمزون اليهم، في حين ان المجتمع الذي تسوده القبيلة يعرقل الإحساس بالوحدة الوطنية، وهي التي افترض بعض العلماء انها مطلب جوهري من اجل نجاح التحول الديمقراطي. وفي الواقع فان الانقسامات الاثنية العرقية – التي تعرقل جهود الولايات المتحدة من اجل نشر الديمقراطية في العراق – دفعت الكثيرين من العلماء االى اعتبار ان الطائفية هي العائق الأساسي الذي يحول دون تحقيق الديمقراطية في المنطقة برمتها.

وهكذا فان الانفصامات الاثنية او العرقية تبرز كعامل مساهم في تكريس مرونة السلطوية في المنطقة وقدرة نظم المستبدين على التكيف بسهولة مع الطوارئ.

ثمة تفسير بديل حول السلطوية المستعصية في المنطقة قدمه المتخصصون بجلاء على انه تحد للمجالات الثقافية. ويركز هذا التفسير على الطبيعة الخصوصية لاقتصادات الشرق الأوسط. ان دولا كثيرة بالمنطقة، وبخاصة تلك الدول الواقعة ضمن شبه الجزيرة العربية والمجاورة لها، تستمد دخلا فخما من الصادرات الهيدروكربونية، وترتبط جيرانها من الدول الأكثر فقرا بالاقتصاد النفطي عبر الاعتماد على هجرة العمال وما يترتب عليها من حوالات مالية، او المساعدات المباشرة من دول الخليج العربية، او المكاسب المتحققة عن طريق تجارة الترانزيت.

وتفترض نظرية "الدولة الريعية" ان الحصول على مصدر غير انتاجي للدخل، يجعل من نظم الحكم في الشرق الأوسط نظما اقل اعتمادا على استخراج الثروة من شعوبهم من اجل تمويل الدولة، واكبر قدرة على كسب التأييد الشعبي عبر تقديمهم للامدادات السخية للخدمات الاجتماعية، وتوفير الوظائف الحكومية. ولما كانت المعارضة ضد فرض الضرائب القسرية هي المحرك وراء التحول الديمقراطي في الغرب، اذن فكل من الرعاية والمحسوبية وغياب العبء الضريبي الشاق عن كاهل شعوب بلدان الشرق الأوسط، يمكن ان يفسر فشل المواطنين في هذه البلدان في السعي الى الحصول على مشاركة أكبر في الحكومة.

يساهم الدخل الريعي في قدرة القائمين على الحكم السلطوي المستبد على الحصول على أجهزة امن ضخمة وفعالة. ان القدرة المالية امر جوهري من اجل مكافأة أولئك الافراد الذين يشتمل عليهم جهاز الدولة المتعسف. وتتميز منطقة الشرق الأوسط بالنسبة العالية للإنفاق الحكومي المكرس لقوات الامن وذلك مقارنة مع غيرها من المناطق.

توزعت فصول الكتاب على العناوين التالية:

الباب الأول: زمام السلطة وصولجانها.

الفصل الأول: نقصان ديمقراطية الشرق الأوسط في المنظور المقارن.

الفصل الثاني: مؤسسات متعسفة وزعماء متعسفون.

الفصل الثالث: الازمة السياسية وإعادة الاستقرار: العراق، ليبيا، سوريا، تونس.

الفصل الرابع: المتنافسون في ظل غياب الديمقراطية: تشتت الصفوة في ايران.

الباب الثاني: التحديات إزاء الحكم السلطوي.

الفصل الخامس: الانتخابات القائمة على تعدد الأحزاب في العالم العربي: قواعد الانتخابات وردود أفعال المعارضة.

الفصل السادس: النظم الحزبية وتشكل أنظمة الحكم الحالة الاستثنائية لتركيا في المنظور المقارن.

الفصل السابع: المعارضة والأزمات الاقتصادية في الأردن والمغرب.

الفصل الثامن: الامراء والبرلمانات وفرص الديمقراطية في الخليج.

الفصل التاسع: الكثير جدا من المجتمع المدني والقليل جدا من السياسة: مصر وأنظمة الحكم العربية المتحررة الأخرى.

الباب الثالث : الخلاصة

الفصل العاشر: المستقبل المتوقع للسلطويين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1