نحنُ اليومَ في امتحانٍ متعددِ الأشكالِ لوطنيتِنا وإنسانيتِنا ووعينا السياسيِّ؛ فالمصيرُ مشتركٌ والمركبُ إذا غرقَ فسنغرقُ جميعاً. وإنَّ عبورَ الهوياتِ الجهويةِ والطائفيةِ هو المدخلُ الحضاريُّ الوحيدُ للمستقبلِ، وعلى المثقفينَ أن يدركوا أنَّ الاختلافَ في الرؤى لا يبررُ بثَّ الكراهيةِ بين الشعوبِ، كي لا يبقى مركبُنا عالقاً بانتظارِ أن تبتلعَهُ أعاصيرُ الحروبِ...
قبل سنين عديدة، شاهدت رسماً كاريكاتيرياً معبّراً في جريدة عربية، يعكس فنياً اختلاف الساسة في إحدى الدول، التي كانت محور اهتمام الاعلام وقتذاك، فجاء هذا الرسم على شكل زورق له مقدمات متعددة أو بعدد الساسة الذين ركبوا به حتى بدا كما لو أنه نجمة ثلاثية أو رباعية، لا أتذكر بالضبط، وراحوا يجدفون كل إلى وجهة مختلفة عن الآخر!
وقد كان الزورق وفقاً لهذا التجاذب الذي جسّده الرسام بذكاء، متوقفاً في مكانه بينما هناك أعاصير تهب ما جعله مهدداً بالغرق! .
لا شك أن المرحلة التي تعيشها المنطقة صعبة جداً وخطيرة، وأن مصير شعوبها سيكون مرتهناً لنتائجها لمدة طويلة، ونأمل أن تكون لصالح الشعوب أو أقل ضرراً عليها، في هذه الظروف نحن في امتحان متعدد الأشكال، امتحان لوطنيتنا وامتحان لإنسانيتنا، وامتحان لوعينا السياسي، ولا مجال هنا لتصفية الحسابات أو المناكفات لأن مصيرنا مشترك والمركب إذا ما غرق فسنغرق جميعاً.
من حق الإنسان أن يعبر عن وجهة نظره في أي حدث يحصل، والاختلاف أمر طبيعي، لكن أن يتحول الاختلاف إلى خلاف ويفتح أبواباً للشتائم والتخوين والتشكيك بأخلاقيات الآخرين، فهذا أمر لا يمكن قبوله.
منذ أن اندلعت الحرب الأخيرة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ونحن نرى مواقع التواصل الاجتماعي تضج بمنشورات لا تخدم أي طرف ولا تضيف أي شيء، كونها لا تنطوي على قيمة معرفية أو معلومة، بل أصبحت الحرب مناسبة للبعض لبث سموم جهوية أو طائفية وكأنهم مهيئون مسبقاً لذلك.
أن يتعاطف أي إنسان مع أي شعب في العالم فهذا من حقه، وأن يتعاطف مع أي نظام سياسي فهذا من حقه أيضاً، لأن الأفكار والرؤى عابرة للحدود والأمكنة منذ الأزل، لكن مثلما ترى نفسك انظر للآخرين الذين يرون الأمور بعين غير عينك ويزنونها بعقل غير عقلك ويتعاملون معها بعاطفة غير عاطفتك .. ويبقى المهم والأساسي هو أن لا يسيء أحد لأي شعب من شعوب المنطقة بذريعة الاختلاف مع النظام السياسي فيه، لأن هذا يفتح أبواباً للكراهية التي لا تخدم أي طرف فينا، فنحن جميعاً في مركب واحد أو جعلتنا الأحداث في مركب واحد، أقصد هنا الشعوب وليس الأنظمة السياسية، وأن الحدث سينتهي عاجلاً أو آجلاً، لكننا سنبقى مثلما بقينا بعد أن مررنا بأحداث كثيرة سابقاً، حروب وخلافات ومناكفات سياسية طيلة العقود الماضية.
قد نعذر الإنسان البسيط أو قليل التعليم حين يتصرف باندفاع وعاطفة، لكن من الصعب فهم طروحات بعض المثقفين أو من المفترض أن يكونوا كذلك كونهم معروفين بنشاطهم الكتابي منذ سنين.
كل الذي نتمناه أن تنتهي هذه الحرب بما لا يجعل من تداعياتها ثقيلة على الجميع، فالمنطقة عاشت ويلات الحروب والأزمات، وأن هناك من يريد لشعوبها أن تكون ممزقة وبهويات جهوية متصارعة، بينما يرى المتنورون من أبنائها أن عبور الهويات الجهوية هو المدخل الحضاري الذي يفتح لنا جميعاً أبواب المستقبل، وهو ما ينبغي أن يعرفه المثقفون قبل غيرهم .. وأن يعملوا عليه أيضاً وبكل قوة، لا سيما في هذه الظروف، لا أن يجدّف كل منهم باتجاه مختلف عن الآخر ويبقى مركبنا عالقاً في البحر وينتظر أن تبتلعه الأعاصير!.



اضف تعليق