بدأت الثورة الصناعية في انكلترا، وكان نجاحها الأول يتمثل في إحداث ثورة في إنتاج الأقمشة القطنية باستخدام الماكينات الجديدة التي تعمل بقوة السواقي (النواعير)، ثم بعد ذالك بمحركات البخار، لقد ساعدت ميكنة إنتاج القطن على زيادة القدرة الإنتاجية للعمال بدرجة هائلة في مجال المنسوجات – في البداية – ثم بعد ذلك في الصناعات الأخرى، لقد كان الابتكار هو المحرك للاكتشافات التكنولوجية الحديثة في مجال الاقتصاد، والتي كان يتزعمها أصحاب المشروعات ورجال الأعمال الجدد الذين كانا يتلهفون لتطبيق أفكارهم الجديدة. وسرعان ما انتشر هذا الازدهار عبر منطقة شمال الأطلنطي ووصولا إلى الولايات المتحد، حيث لاحظ الناس الفرص الاقتصادية العظيمة التي أصبحت متاحة من خلال تبني وسائل تكنولوجية حديثة في إنجلترا، لقد كان ذلك إلهاما لهم لإنشاء مبتكراتهم الخاصة.

يمكننا أن نحاول فهم طبيعة هذه المبتكرات من خلال النظر إلى الأشخاص الذين تم منحهم حقوق براءة الاختراعات. تم وضع نظام براءة الاختراع – الذي يحمي حقوق الملكية بالنسبة للأفكار- في قانون الاحتكار الذي سنه البرلمان الإنجليزي في عام 1623، والذي كان يمثل، من ناحية، محاولة لمنع الملك من القيام بعملية المنح العشوائي " لخطابات براءة الاختراع" لأي شخص يريده – وأن يقوم بمنح حقوق حصرية – بشكل فعال- للقيام بتنفيذ أنشطة أو أعمال تجارية معينة. كان الشيء البارز حول الأدلة الخاصة بتسجيل براءات الاختراعات كانوا ينتمون إلى جميع أشكال وأطياف الحياة في المجتمع، وليس فقط الأغنياء والنخبة، ولقد كوّن الكثيرون منهم ثروات من براءات اختراعاتهم. فعلى سبيل المثال " إدسون" مخترع جهاز التسجيل الصوتي (الفونوغرام)، والمصباح الكهربي والمؤسس لشركة "جنرال إلكترك"، والتي ما زالت تمثل واحدة من كبرى الشركات العالمية، لقد كان "إدسون" هو الابن الأخير من بين سبعة أبناء، وكان والده –صامويل إدسون- قد عمل بمهن كثيرة، بداية من شق الألواح الخشبية لعمل السقف، والخياطة وحتى البيع في حانة. حصل " توماس" على قدر يسير من التعليم الساس، غير أنه أكمل تعليمه في البيت من خلال والدته.

بين عاميّ 1820 و1845 في الولايات المتحدة كان نسبة 19% فقط من بين أصحاب براءات الاختراعات من الذين ينتمي والديهم لطبقة المهنيين المحترفين أو ينتمون لعائلات كبيرة ومعروفة من مالكي الأراضي، وخلال نفس الفترة، كان قرابة 40% من أولئك الذين حصلوا على براءات اختراع، قد حصلوا فقط على التعليم الابتدائي أو أقل من ذلك، كما هو الحال بالنسبة لإديسون. وعلاوة على ذلك، فقد استغلوا في الغالب براءة الاختراع الممنوحة عن طريق فتح شركة، مثلما فعل إديسون أيضا. وكما كانت الولايات المتحدة أكثر ديمقراطية من الناحية السياسية – في القرن التاسع عشر- من أي دولة أخرى في العالم في ذلك الوقت، فإنها كانت أيضا أكثر ديمقراطية من الآخرين فيما يتعلق بمسألة الابتكار والاختراعات، لقد كان هذا حاسما وهمّاً بالنسبة لمسارها، حتى تصبح الدولة الأكثر ابتكارا من الناحية الاقتصادية في العالم.

فإذا كنت فقيرا ولديك فكرة جيدة، كان يمكنك الحصول على براءة اختراع، وهو الأمر الذي لم يكن في النهاية، مكلفا للغاية. ولكن الأمر كان مختلفا تماما أن تستخدم براءة الاختراع للحصول على المال. كانت إحدى الطرق، بالطبع، تتمثل في بيع براءة الاختراع لشخص آخر، وهذا ما فعله إديسون في البداية لكي يجمع بعض رأس المال، عندما باع جهاز التلغراف الآلي إلى شركة "ويسترن يونيون" مقابل مبلغ 10000 دولار أمريكي، غير أن بيع براءات الاختراع كانت تمثل فقط فكرة جيدة بالنسبة لشخص مثل إديسون، والذي كان ينلك أفكارا تتوارد لهنه بمعدل أسرع من قدرته على تطبيقها، (لقد كان له رقم قياسي عالمي لعدد 1093 براءة اختراع صدرت في الولايات المتحدة، وعدد 1500 براءة اختراع أخرى في أنحاء العالم). لقد كانت الطريقة الحقيقية لكسب المال من براءة اختراع تتمثل في أن تبدأ في مروعك التجاري الخاص، غير أنه لكي تبدأ مروعا تجاريا، فإنك تحتاج بداية لرأس المال، كما أنك تحتاج أيا للبنوك التي تقرك رأس المال اللازم. لقد كان المخترعون في الولايات المتحدة محظوظين لسبب آخر أيا. ففي خلال القرن التاسع عر، كان هناك توسع سريع، في مجال الوساطة المالية والمجال المصرفي، والي كان يمثل بدوره مُيسرا حاسما وهاما – شهده الاقتصاد- بالنسبة للنمو السريع ولقطاع التصنيع، وبينما كان هناك في عام 1818، عدد338 مصرفاً تمارس نشاطها في الولايات المتحدة، بإجمالي أصول تبلغ 160 مليون دولار أمريكي، فبحلول عام 1914، كان هناك 27864 مصرفاً،بإجمالي أصول تبلغ 27.3 مليار دولار أمريكي، كان أي مخترع مرتقب، في الولايات المتحدة، يتمتع بفرصة الحصول على رأس المال اللازم والمؤسسات المالية الأمريكية تعنى أن رأس المال كان متاحا للمخترعين بنسب فادة منخفضة بعض الشيء.

غير أن نفس الشيء لم يكن صحيحا بالنسبة للمكسيك. وفي الحقيقة، فإنه في عام 1919، وهو العام الذي بدأت فيه الثورة المكسيكية، كان هناك فقط اثنان وأربعون مصرفا في المكسيك، وكان اثنان من هذه البنوك تسيطر على قرابة (60) في المائة من إجمالي الأصول المصرفية هناك، وعلى خلاف الولايات المتحدة، حيث كانت المنافسة هناك شرسة بين البنوك، لم يكن هناك منافسة من الناحية العملية بين البنوك المكسيكية، لقد كان عدم وجود المنافسة هناك يعني أن البنوك كانت لديها القدرة على فرض نسب فائدة عالية جدا على عملائها، وأنها كانت تقصر عملية الإقراض على أصحاب الامتيازات والأثرياء من العملاء، والذين كانوا يستخدمون فرصة الحصول على الأموال من البنوك بعد ذلك في زيادة قبضتهم قبضتهم وتحكمهم في القطاعات المختلفة من الاقتصاد.

كانت الصيغة التي اتخذتها الصناعة المصرفية في المكسيك، خلال القرنين التاسع عر والقرن العرين، بمثابة نتيجة مباشرة لوضع المؤسسات السياسية للدولة في مرحلة ما بعد الاستقلال. إن الفوى التي سادت في حقبة " سانتا آنا"، تبعتها محاولة مخفقة من قبل الحكومة الفرنسية بقيادة الإمبراطور " ماكسيميليان" بين عامي 1864 و 1867، إلا أنهم تمكنوا من طرد الفرنسيين، وتم كتابة دستور جديد، غير أن الحكومة التي كلتها في البداية " بينيتو جوارييز"، ثم بعد وفاته كلها " سباستيان ليرد ودي تيجادا"، سرعان ما واجهت تحديات فرها أحد الضباط الشباب يدعى " بورفيريو دياز"، حيث كان " دياز" أحد الجنرالات الذين انتصروا في الحرب ضد الفرنسيين، وكانت لديه تطلعات للوصول إلى السلطة، فقام بتشكيل جيش متمرد، في نوفمبر (تشرين الثاني) 1876، والذي ألحق هزيمة بالجيش الحكومي في معركة " تيكواك"، وفي شهر آيار من العام التالي، جعل نفسه رئيسا منتخبا. استمر في حكمه للمكسيك، وفقا لنظام سلطوي بدرجة متزايدة وبشكل متواصل، حتى تم الإطاحة به عند اندلاع الثورة بعد أربعة وثلاثين عاما.

لقد بدأ "دياز" حياته مثل كل من " إيتربيد وسانتا آنا" من قبله – كقائد عسكري، حيث كان ها السلك الوظيفي معروفا بالتأكيد في مجال السياسة بالولايات المتحدة. لقد كان ايا اول رئيس للولايات المتحدة جورج واشنطن، واحدا من الجنرالات العسكريين الذين حالفهم النجاح في حرب الاستقلال. وأصبح " يوليسس إس . جرانت"، الذي كان واحدا من الجنرالات المنتصرين التابعين للاتحاد خلال الحرب الأهلية، رئيسا في عام 1869، وكلك " داويت دي. أيزنهاور"، القاد الأعلى لقوات التحالف في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، كان رئيسا للولايات المتحدة بين عامي 1953 و 1961. وعلى عكس " إيتربيد وسانتا آنا ودياز"، لم يستخدم أي من هؤلاء القادة العسكريين القوة للوصول إلى السلطة، كما أنهم لم يستخدموا القوة لتجنب التنازل عن السلطة. لقد التزموا بالمباد الدستورية، وعلى الرغم من أن المكسيك كان بها دساتير من القرن التاسع عر، إلا أنهم قد وضعوا بعض القيود والضوابط القليلة على ما كان قد يفعله كل من " إيتربيد و سانتا آنا و دياز"، حيث إن هؤلاء القادة كان من الممكن أن يتم الإطاحة بهم من السلطة تماما بنفس الطريقة التي وصلوا إليها بها: من خلال استخدام القوة.

لقد انتهك "دياز" حقوق الملكية الخاصة للشعب، من خلال تسهيله لعملية مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي، وقام بمنح وسائل الاحتكار والامتيازات لمؤيديه في شتى مجالات الأعمال والأنشطة التجارية، بما في ذلك المجال المصرفي. لم يكن هناك شيء جديد بالنسبة لهذا السلوك، وهو ما فعله بالضبط القادة الغزاة من الإسبان، وما فعله أيضا " سانتا آنا" متبعا نفس الخطى والمنهج.

إن السبب وراء امتلاك الولايات المتحدة الأمريكية صناعة مصرفية، كانت أفضل بشكل جذري، من حيث تحقيق الازدهار الاقتصادي للدولة، لم يكن له علاقة بالاختلافات والدفع في أولئك الذين كانوا يملكون المصارف، وبالفعل، فإن دافع الربح، الذي دعم وساند الطبيعة الاحتكارية الصناعة المصرفية في المكسيك، وكان موجودا في الولايات المتحدة ايا. غير أن ها الدافع نحو الربح تم توجيهه بصورة مختلفة كنتيجة لطبيعة المؤسسات الأمريكية المختلفة بكل جذري.

..................................................................................................................
* هذا المقال اقتباسي ملخص من كتاب (لماذا تفشل الأمم لـ دارون أسيموجلو و جيمس أ. روبنسون. ترجمة بدران حامد.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
الإحتكار لايدمر الإقتصاد فقط ولكن يدمر الإنسان
لذلك وضعت القوانين المحرمة له بشدة في كل مكان
وهناك دول تفرض ضرائب تصاعدية كبيرة كلما زاد الربح لتحقيق العدل والأمان
وعندما يصل الربح الى حد معين يكون كل الزيادة من حق الدولة لصالح الأوطان
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه...واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات...مركز ثقافة الألفية الثالثة2019-01-07

مواضيع ذات صلة

0