الجماعات المتخّيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها
المؤلف: بِندِكت أندرسن، ترجمة ثائر ديب
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
سنة النشر: 2014
عدد الصفحات: 384 من القطع المتوسط
الطبعة: الأولى عن المركز، الطبعة الإنجليزية الأولى صدرت عام 1983، والثانية عام 1991

 

حين تناقش مسألة القومية، غالبا مايتمحور الحديث حول تعريفات القومية. ومجرد انتشار هذه العادة، عند مناقشة مثل هذه المواضيع يوضح للاسف، مقدار الفقر النظري في الانتاج عن القومية. وكما سبق ان اوضح اشعيا برلين في مقالة مهمة له تناولت القومية، فان هذا الفقر النظري لايتلاءم مع كون القومية احدى اهم ظواهر العصر الحديث الاجتماعية والسياسية.

تبدأ غالبية الكتابات المعاصرة عن القومية بالإشارة إلى إعادة اكتشافها، مع انتشار النزعات الإتنية والقومية، في معظم أرجاء العالم في أعقاب تفكّك الاتحاد السوفياتي، وانتهاء الحرب الباردة. وإعادة اكتشاف القومية لا يغمط حقّ هذا المفهوم بالأساس، في كونه مبدأ ناظماً للعلاقات بين الدول، ومصدراً للشرعية السياسية، وإطاراً جغرافياً مسلّماً به للحياة اليومية. فنحن من خلال القومية نبني طريقة إدراكنا للواقع المحيط بنا، ونعتمد أسلوب تفسيره.

توجد الكثير من النصوص التى تنناولت قضية “القومية” بالبحث والدراسة، ولكن بندكت أندرسن، يرى أنها لم تنجُ -في الغالب- من عيبين قاتلين، أولهما: أن ضربا من المحلية ضيقة الأفق، وغير المدركة، لطالما حرّف التنظير في هذا الموضوع وشوّهه. وثانيهما: الميل بصورة غير واعية إلى تشخيص وجود القومية، فيتم التعامل معها معاملة الاسم العلم، (كما يمكن أن يُتعَامل مع “العصر”، فعلى الرغم من أنه لكل إنسان عصر، إلا أن العصر كاسم علم مجرد تعبير تحليلي)، ثم الميل إلى تصنيفها باعتبارها واحدة من الأيديولوجيات.

يقول مؤلف الكتاب: (في كل عام تقريبا تعترف الامم المتحدة باعضاء جدد.. وكثير من الامم القديمة التي كانت تحسب انها متماسكة تماما، تجد نفسها ازاء تحد تطلقه قوميات فرعية داخل حدودها، قوميات تحلم بان تخلع عنها هذه الفرعية في يوم من الايام.. والواقع واضح تماما: ان نهاية عصر القومية التي لطالما جرى التبشير بها، لاتلوح في الافق ولو من بعيد.. بل ان الانتماء الى امة هو القيمة التي تحظى باكبر قدر من الشرعية الشاملة في حياة عصرنا السياسية).

يستخدم الكاتب، للتدليل على الضعف النظري في دراسة القومية، مأزق التعريفات الذي يعبر عن شبه استحالة تعريف القومية، مع انها ظاهرة قائمة وموجودة يدركها الجميع لكنهم لايتفقون على تعريفها في الوقت ذاته.

يتضمن الإنتماء إلى القومية نوعاً من المساواة، كما قد تتحول إلى غطاء ديماغوجي شعبوي لإنعدام المساواة. هذه جاذبية القومية، هذه فرصتها، وهذا خطرها. لكن القومية ليست جماعة صغيرة يعرف الفرد أفرادها شخصياً، أو يعتقد أنه يعرفهم كإمتداد لشيء يعرفه بموجب قرابة الدم مثلاً كما يفترض بالجماعة العائلة المنتجة والقبيلة أو الحارة. القومية هي إذاً جماعة متخيلة، يتصورها المرء فينتمي إلى الآلاف والملايين من الناس المنتمين إليها أيضاً دون أن يعرفهم أو يرتبط بهم برابطة طبيعية، ولكنه قادر على تخيل رباط كهذا. وكونها متخيلة لا يقلل من إنتمائه لها، بل العكس، ربما يضطره التخيل، أو تضطره ضرورة التخيل إلى تقوية وشحذ هذا الإنتماء بخيار أرفع وبوسائل أرقى. قد ينتج الإنتماء المباشر (غير المتخيل) لجماعة مباشرة (غير متخيلة) تعبيرات فنية وجمالية في إطار الإنتماء قبل ممارسة المواسم والإحتفاليات والطقوس والشعائر وغيرها، ولكنه لا ينتج أدباً ولا موسيقى راقية مثلاُ ولا ينتج علاقات حقوقية...لا يعالج أندرسون هذا التأسيس النظري لحقيقة التخيل. وطبعاً لا يعالج في كتابه هذا كيف تزداد الجماعة المتخيلة أهمية وواقعية كلما تفككت الجماعة المباشرة المحلية. لأنه حين تتفكك جماعة الإنتماء المباشر تقوم الجماعة المتخيلة بالمهتمين: المهمة التعويضية عن الجماعات الحميمية الأهلية التي إندثرت، ومهمتها الحديثة المتمثلة بإقامة جماعة سياسية تسعى نحو الوحدة والسيادة بتأسيس الكيانية السياسية كما يتبين في ثنايا الكتاب.

تبدأ الفكرة الأساسية للكتاب من إعادة النظر في تعريف الأمة، وطريقة التعامل مع القومية.

يُعَرّف أندرسن الأمة بروح أنثروبولوجية، بأنها “جماعة سياسية متخيّلة، حيث يشمل التخيل أنها محددة وسيدة أصلا”. ويرى أنه ممّا يجعل الأمور أسهل، أن نتعامل مع القومية على أنها من قبيل “القرابة” و”الدين”، لا “الليبرالية” أو “الفاشية”.

فالأمة يجري تخيلها على أنها “جماعة” لأن الأمة يتم تصورها على الدوام كعلاقة رفاقية أفقية عميقة مهما يكن انعدام المساواة والاستغلال الفعليين السائدين. وهذه الأخوة في النهاية ما مكّن ملايين كثيرة من البشر، خلال القرنين الماضيين، لا من أن تقتُل وحسب، بل أن تموت راضية أيضًا في سبيل هذه التخيلات المحددة.

وهذه الميتات تضعنا وجها لوجه أمام المشكلة المركزية التي تطرحها القومية: ما الذي يمكّن التخيلات المحدودة التي عرفها التاريخ القريب (الذى لا يكاد يتخطى القرنين) من أن تولّد مثل هذه التضحيات الضخمة؟

يعتقد أندرسن أن بدايات الإجابة عن هذا السؤال تكمن في الجذور الثقافية للقومية، وهو ما يناقشه تحت عنوان “جذور ثقافية”.

يرى أندرسن أن القومية لا ينبغى أن تُفهَم عبر ربطها بالأيديولوجيات السياسية المتبناة بوعي، بل عبر ربطها بالمنظومات الثقافية الكبرى التي سبقتها، والتي ظهرت للوجود انطلاقا منها وضدها في آن معًا.

كان يجب أن تحدث تغيّرات أساسية في ثلاثة تصورات/منظومات ثقافية، كي يمكن تخيّل الجماعة القومية.

أولاهم: “الجماعة الدينية”. كان تماسك الجماعة الدينية، يشكّل أحد أكبر العوائق أمام إمكانية تخيّل الأمة ونشوء القومية، ذلك أنها تمدّ أعضاءها بتصور قوي متماسك عن العالم، يتقاسمه الجميع -مما يقويه أكثر بالتالي-.

لكن هذا التماسك غير الواعي راح يَضعف باضطراد بعد العصور الوسطى، لعدة أسباب، أولها: أثر عمليات استكشاف العالم غير الأوروبي التي عملت، في أوروبا بصورة أساس لكنها غير حصرية، على توسيع الأفق الثقافى والجغرافي فجأة، وعملت تاليًا على توسيع تصور البشر لأشكال الحياة الإنسانية الممكنة، مما ساهم في كسر مطلقية التصورات المتبناة عن الحياة والوجود، بكسر التوحّد بين الذات الجمعية الدينية، وبين “العالم”، وإدراك أنهم مجرد “نحن” وأن ثمّة “آخر” فى مكانٍ ما.

وثاني هذه الأسباب: تدنّي شأن اللغة المقدسة ذاتها على نحو تدريجي، فبعد أن كانت اللاتينية اللغة الوحيدة التي يتم تعلّمها، تم هجرها وحصرها أو حصارها داخل أسوار الكنيسة، وحدثت ثورة في التحول للغات المحلية، سوف يأتي التفصيل في الحديث عنها لاحقًا.

وثاني هذه المنظومات الثقافية “الملكية السلالية”، التي تحكم بالمصاهرة والقرابة والنسب، دولًا وبلدانًا وشعوبًا عدة في الوقت ذاته. يرسخ هذا النمط من الحكم، الاعتقاد بأن المجتمع منظّم حول وتحت مراكز رفيعة، كالملوك الذين هم أشخاص مختلفون عن بقية البشر، ويحكمون من خلال شكل من أشكال النظام الكوني (الإلهي)، وبذلك كانت ضروب الولاء البشرية تراتبية ومركزية الوجهة بالضرورة؛ لأن الحاكم، مثل الكتاب المقدّس، كان عقدة من عقد النفاذ إلى الكينونة ومتأصل فيها.

ثالث وأهم هذه المنظومات، منظومة “إدراك الزمن”. يرى أندرسن أن انهيار الجماعات واللغات والسلالات المقدسة كان يُخفِي تحته ما كان يعتري طرائق إدراك العالم من تغيّر جوهري عمِلَ، أكثر من أي شيء آخر، على جعل “التفكير” في الأمة ممكنًا. حيث نشأ مفهوم جديد للزمن، يفصل زمن التكوين والخطيئة والخلاص الديني عن الزمن اليومي المُعاش. زمن تاريخي جديد في الأذهان. وهو زمن فارغ متجانس، ويقصد بـ”فارغ” أي إنه يمكن ملؤه بالمعنى، حيث يمكن خلاله تخيّل ما يجري في الحاضر أفقيًا، مثل تخيّل أفراد جماعة يعيشون وتخيّل ما يقومون به في الوقت ذاته، أو تخيّلهم يفعلون الفعل نفسه في الوقت ذاته.

وهكذا يرى أندرسن أن إمكانية تخيّل الأمة لم يصبح ممكنًا تاريخيّا إلا بعد أن فقدت هذه التصورات الثلاثة الجوهرية، بالغة القدم، سطوتها البديهية على عقول البشر.

يمكن القول بأن هذا الكتاب الذي إشتهر في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته، في مرحلة صعود النقاش حول القوميات في وسط أوروبا وشرقها، يمكن القول بأن هذا الكتاب سد ثغرة كبيرة بين النظريات التي تعتبر القومية اثنية محدثة كما يعتبرها أمثال أنطوني سميث حالياً، وتلك التي تعتبرها مجرد إيديولوجية برجوازية كما يفعل ذلك منظرون ماركسيون، وثالثة تعتبرها نتاج المجتمع الصناعي كما في حالة إرنست غلنر، ورابعة تضع لها تعريفات جديدة منزوعة من سياق تاريخي ومعممة على العالم بأسره كما فعل جوزيف ستالين مثلاً في كتيب عن مسألة القوميات، وخامسة ترى فيها مجرد إختراع عابر، كما فعل إيلي خدوري في اليمن.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0