لا ينفرد العراق عن بقية بلدان المنطقة في كثرة أزماته، فبلدان عديدة تعاني من مشكلات سياسية وامنية واقتصادية، لكن ما يميز ازمات العراق ومشاكله عن غيرها، انها تراكمت وتعمقت بما تسبب بإحباط نفسي واجتماعي خطير.

فقد تعاني دول من حروب اهلية وانهيارات اقتصادية وازمات سياسية حادة، لكن النخب السياسية تسعى لمواجهة الانسدادات وايجاد البدائل الممكنة ضمن حراك اجتماعي-سياسي تنظمه الدساتير الديمقراطية، وقد يتم الانقلاب على الديمقراطية وتلجأ الجماعات السياسية الى منطق القوة للاستيلاء على السلطة وتعطيل الحياة السياسية الدستورية.

وهي ظاهرة مدمرة جربتها بلدان كثيرة ولم تحصد من جرائها الا القليل، أخطر ما في النظم الديمقراطية هو تحولها الى جهاز يعيد انتاج سلطات تنفيذية وتشريعية لا تستطيع مواجهة المشكلات اليومية للمواطن وتقوم بتدوير هذه المشكلات بما يوحي للمواطن العادي ان لا أمل في النظام السياسي لاجتراح الحلول ولا قدرة للقوى السياسية على تجاوز مشكلاتها ووضع حد لتعارضات مصالحها.

الحالة العراقية تمثل نموذجا لهذه الظاهرة، فمع سقف عالي من التوقعات وبعد عهود الاستبداد والحروب والحصارات الداخلية والخارجية، تولدت لدى المواطن العادي امال عريضة بحياة رغيدة وبمرحلة سياسية يلتقط فيها انفاسه ويعوض ما فاته، وعندما يجد نفسه محاطا بكم كبير من المشكلات وضغط يومي من الخطابات السياسية والاعلامية التي تشعره بالعجز والاحباط مضافا لها تدني قدرات جهاز الدولة وتراجع امني وضياع سلطة القانون وتعملق الفساد وتنامي سلطة العشيرة، فان حصاد ذلك سيكون خطيرا على الحالة النفسية للفرد تزيده احباطا وتفقده الثقة بالزعامات والاحزاب بل بالنظام السياسي وبالمستقبل، وتجعله يفكر بخلاصه الفردي وبهموم يومه بلا افق مفتوح ولا امل منشود.

المواطن العراقي الذي تفتك به آلة الموت الارهابية وتحبطه تراجع سلطة القانون والنظام، بحاجة الى خطاب سياسي واعلامي لا يزيده اكتئابا ولا يشعره بالفشل، ان نقد الواقع وتفكيك الظواهر وتعرية كل شيء امر ضروري لمواجهة فساد الحال، لكن ذلك ينبغي ان يقترن بمشروع يستنهض الهمم ويرسم خطوات العمل الجاد للخروج من المشكلات واصلاح واقع الحال، ما يجري عمليا هو خلاف ذلك، فبدلا من العمل على تطوير النجاحات واستثمار طاقة الشعب بأولويات وطنية ملحة، فان الصراع السياسي والخصومات المتعددة الاشكال بددت ثقة الناس بالقوى السياسية واشاعت حالة اللامبالاة والعجز بما سيدفع الى المناداة بفشل العملية السياسية وضرورة البحث عن بدائل في وقت حرج وظرف عصيب.

على القوى السياسية ان تعيد النظر ببرامجها وشعاراتها وتعيد تحليل وقراءة مشكلات العراق بواقعية وبلامراهنات واحلام كبيرة وتتوجه للمواطن العادي لتقنعه بخطوات الخروج من المأزق، ولتكون الانتخابات والديمقراطية طريقه للتغيير دون الحاجة الى التفكير بخيارات العنف ومنطق القوة.

* إبراهيم العبادي، باحث وكاتب وعضو ملتقى النبأ للحوار

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0