يظهر ان مواقف الرئيس الاميركي دونالد ترامب وادارته تجاه إيران ودورها الاقليمي نابعة من انتقاده لطريقة تعامل سلفه باراك اوباما حيال إيران -لاسيما فيما يتعلق بالملف النووي الايراني والعقوبات الاقتصادية -وانتقاده للكثير من السياسات الداخلية والخارجية.

اراد الرئيس ترامب الخروج الى مساحة أكثر صراحة وظاهرية في التعامل مع الدولة التي يعدها محور الشر في منطقة الشرق الاوسط وما التصريحات والتوتر الاخير الا دليل على ذلك. فالتوتر في العلاقات الايرانية الاميركية عادت الى سابق عهدها التي ما انفضت ان تكون متوترة دائما منذ عام 1979 لغاية توقيع الاتفاق النووي مع مجموعة (5+1) والشروع برفع العقوبات الاقتصادية في عهد الرئيس السابق باراك اوباما.

لم يقتصر انتقاد الرئيس ترامب لسلفه على طريقة التعامل مع ايران حول الملف النووي بل تعداها الى ملفات العراق والملفات الشرق الاوسطية الاخرى.

قدر تعلق الامر بالملف العراقي، يٌفهم من تصريحات ترامب ان ايران قطفت ثمار الجهود الاميركية في العراق وبالتالي تحملت الولايات المتحدة التكاليف ولم تحقق اهدافها من جانبين: الاول، استقرار البلاد. والثاني، ابعاده عن النفوذ الايراني الذي تغلغل عبر دعم الجهات الفاعلة من غير الحكومة. وهو ماجاء به تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 2 شباط الجاري، " ان ايران تتوسع بسرعة أكثر فأكثر في العراق حتى بعد أن أهدرت الولايات المتحدة هناك ثلاث تريليونات دولار. وهذا كان جليا منذ وقت طويل".

ومع ان الرئيس ترامب يهدف بالدرجة الاساس الى القضاء على داعش وهذا ماتهدف له الادارة الايرانية ايضا في الامد المتوسط، الا ان ادارة ترامب تريد تحقيق ذلك بأدوات اميركية خالصة ربما تتطلب مساعدة حلفائها التقليديين في المنطقة كدول الخليج العربي وتركيا، ولكن بعيدا عن -ما يسميه بعض اعضاء الادارة الاميركية- الاذرع الايرانية وهي اغلب فصائل الحشد الشعبي.

بالمقابل ردت ايران على هذه التصريحات وغيرها عبر مستشار المرشد الاعلى للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي الذي اكد في مقابلة خاصة مع الجزيرة على "حتّى لو قرّر ترامب تنفيذ تهديداته فإنّ ذلك لا يُشكّل مصدر قلق لنا، لاقتناعنا بأن واشنطن لا تجرؤ على تنفيذ تهديداتها العسكرية ضد إيران، لأنها تدرك جيّدا أن إيران وحلفاءَها في المنطقة سيرُدُّون ردا قاسيا".

يبدو ان البيت الابيض في طور بلورة قرار استراتيجي اميركي حول السياسة التي سيتم اتباعها مع ايران. والعراق – ومن خلال التصريحات – يشكل ملف مهم وحساس لدى طرفي التوتر الذي شهد تصعيدا خلال المدة الماضية بعد تولي الادارة الاميركية الجديدة مهامها.

هذا الامر يجعل الحكومة العراقية في حرج شديد في التعامل مع ايران او التعامل مع الولايات المتحدة على حد سواء فكلا الطرفين ينظران لمصالحهما بالدرجة الاساس ولايعدون العراق غير ساحة للتنافس والصراع – حاله حال سوريا واليمن -لاسيما بعد الاخفاق السياسي العراقي الكبير في بناء مؤسسات الدولة وتثبيت اسسها وتحديد هويتها وثوابت سياستها الخارجية.

وعليه يعد العراق من المتأثرين من التصعيد بين الولايات المتحدة وايران. فالأخيرة هدفها ابعاد او تحديد النفوذ الاميركي من الجار القريب عليها، والولايات المتحدة تبحث في انهاء الخطر الذي تمثله إيران في المنطقة وهذا ماتضمنه بيان البيت الابيض حول اتصال الرئيس ترامب برئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي والذي جاء فيه ان الجانبين –ترامب والعبادي– ناقشا خطورة إيران في منطقة الشرق الاوسط ككل.

خيار الحكومة العراقية:

يدرك صانع القرار العراقي ان العلاقات الاميركية–الايرانية غالبا ماتشهد توتر وتصعيد يجري التعبير عنه بالتصريحات المتشنجة وقد يصل الى درجة المناورات العسكرية، الا انه غالبا ما يجدا المساحة الكافية للتراجع، والتعامل بوسائل وأهداف براغماتية مفيدة، وبالتأكيد على حساب أطراف إقليميين آخرين. وفضلا عن ذلك، عليه ان يدرك ان السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عهد الادارة الجديدة تبنى على اساس المصالح الأمريكية بالدرجة الاساس- كما اشار موقع البيت الابيض الى ذلك، وسيتم اعتماد الاطر الدبلوماسية لتحقيق اهدافها. واضاف البيت الابيض انه على العالم ان يعرف "اننا لا نذهب إلى الخارج بحثا عن أعداء، وأننا دائما سعداء عندما يصبح الأعداء القدامى أصدقاء، وعندما يصبح الأصدقاء القدامى حلفاء". وكذلك دعت الادارة الايرانية الى اعتماد الاطر الدبلوماسية في التعامل مع الادارة الاميركية الجديدة.

وقفت ايران الى جانب العراق في حربة ضد داعش الارهابي وسبقت بذلك لغرب في تلبية طلب الحكومة العراقية بإرسال مستشارين عسكريين، وهناك الكثير من الروابط السياسية والاقتصادية والايديولوجية بين البلدين. وكذلك الحال مع الولايات المتحدة التي شكلت التحالف الدولي لقتال داعش في آب 2014 بقيادتها وهذا التحالف يشكل اليوم ساند مهم للقوات الامنية العراقية ضمن العمليات المشتركة في قتالها ضد الارهاب ويوجد ما يقارب الـ(5000) جندي اميركي على الاراضي العراقية، ناهيك عن اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين البلدين. وكلاهما –ايران والولايات المتحدة- يقوم بذلك لدواعي تتطلبها استراتيجيتهما المتوسطة والبعيدة المدى في المنطقة.

نعتقد انه بمقابل ذلك لابد ان يحرص صانع القرار العراقي على مصلحة البلاد بالعمل على بناء مؤسسات الدولة لا مؤسسات السلطة وتحديد ثوابت سياسة البلاد الخارجية بالتوازي مع تعضيد الجبهة الداخلية امنيا، سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا، وثقافيا مع قرب القضاء على داعش الارهابي. وهذه الثوابت تشتمل على ضمان التعامل مع بلاده من قبل دول المنطقة او دول اخرى بعدّها شريكا لا تابعا، ومراعاة حسن الجوار، وعدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول –وهذا ما نص عليه الدستور– بدواعي طائفية او غيرها.

وهذه الرسائل يفترض ان تصل لكل من إيران والولايات المتحدة عبر الدبلوماسية المباشرة او الدبلوماسية الموازية غير المباشرة لكسر الادراك الاميركي الذي يظهر دائما السيطرة الايرانية على العراق. وهنا فان تحقيق الاهداف اعلاه، والالتزام بتعامل متوازن مع الولايات المتحدة وايران، يجعل العراق مؤهلاً لإحداث تقارب استراتيجي اميركي–ايراني. وسيكون ذلك اول دور اقليمي للعراق ليعود الى دوره كفاعل اقليمي ولكن هذه المرة بدون التدخل والمس بسيادة الدول المجاورة.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0