الجميع يدّعي وصلاً بحق الجماهير بالتظاهر للمطالبة بحقوقها المشروعة؛ فالمسؤول في الدولة يؤيد، والاحزاب السياسية تعبئ وتنظم والرموز المؤثرة تبارك، ولكن؛ ما أن تنزلق هذه التظاهرات المطلبية نحو العنف لن نر في الشارع سوى بقايا الحجارة والعصي والاحذية المتناثرة وبقع الدماء والدخان وطقس ارهابي عنيف مطبق على الجماهير ولا وجود لمسؤول عن الارواح التي أزقهت والضرب والركل الى جانب خسائر مادية فادحة تلحق في أحيان كثيرة بالمال العام وفقدان مريع للاستقرار الاجتماعي والسياسي.

وبما أن العنف انعكاس لحالة نفسية غير مستقرة، فان بعض الجهات السياسية الطامحة نحو المكاسب في السياسة تستغل هذه الحالة لإثارة حفيظة المواطن إزاء مسؤوليه الذين جاء بهم الى خلف المكاتب والمناصب عبر صناديق الاقتراع، فالمعروف أن لدى الانسان قوى تدفع الى الخير وأخرى تدفع الى الشر، وما العنف إلا حالة لتغليب قوى الشر التي تدفع الى العدوانية والعصبية والانفعال غير المحسوب، وإلا فان الشحة في المواد الأساسية وتراجع مستوى الخدمات وحتى مظاهر الفساد الإداري موجود في كل مكان، وفي أرقى الدول الديمقراطية والمدعية للنزاهة، بيد أن العبرة في كيفية معالجة هذه الثغرات دون التسبب بعوارض جانبية، فبقدر الحنكة السياسية والشعور العميق بالمسؤولية إزاء مصير البلاد والعباد، تكون نسبة النجاح في قيادة الجماهير للضغط على المسؤولين المعنيين لتحقيق مطالب معينة، كما نلاحظ ذلك في عدد من الدول المتقدمة في تجربتها الديمقراطية، أما اذا تمت إثارة النفوس والعواطف على حساب العقل والحكمة، فهذا يعكس الفشل السياسي وتبني العنف لكسب النتائج السريعة.

الرسالة الخاطئة وتضييع حقوق الجماهير

الجماهير في كل مكان – ومنها العراق- تفكر بالحصول على حقوقها بشكل سلمي، فالصدام والعنف ليس من اختصاصها، إلا اذا كان هذا العنف منهج السلطة الحاكمة، وحتى في ظل ظروف كهذه، فانها تكون في مرحلة متقدمة من الصراع لتحقيق اهدافها في الإصلاح او التغيير الشامل، فهي تقدم الشهداء والقرابين على طريق الحرية والكرامة، تبقى أدبيات المعارضة السياسية التي تحرك الشارع، هل تكون متطابقة مع هذه المنطلقات والاهداف، فاذا كانت كذلك تكون النتائج ايجابية قطعاً، وفي غير ذلك، فان أول ضحية في منزلق العنف؛ هي المطالب المشروعة والحقّة التي يضحي الشعب من اجلها.

إن العنف السياسي الذي يتبناه البعض ينشأ ويترك بظلاله الكثيفة على الشارع، ينشأ من اسباب وعوامل عدّة يمكن الاشارة الى أحدهما؛ وهو الاستبداد بالرأي.

هذا النمط من التفكير له مساوئ عدّة في الحياة السياسية؛ سواءً على صعيد المعارضة، او على صعيد الحكم، فهو يلغي وجود مفهوم الخلاف الايجابي او التنافس الشريف وغيرها من القيم الايجابية المتعلقة بالتعددية في الآراء والافكار، فالرأي المختلف لدى البعض يعني العداء والموقف السلبي الذي يتوجب مواجهته بقوة.

سئل الزعيم الفرنسي الراحل شارل ديغول عمّن يراه مناسباً لخلافته في زعامة فرنسا، فأجاب: "ذلك الشخص الذي يتمتع ـ كحد أدنى ـ بتحمل اختلاف الرأي"، وقبله بقرون قالها أمير المؤمنين، عليه السلام: "أضربوا بعض الرأي ببعض يتولد منه الصواب"، ومن حكمه ايضاً: "من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ"، أما الإلغاء والإقصاء فانه الارضية الخصبة لنشوء العنف السياسي، والامثلة على ذلك كثيرة في بلادنا الاسلامية، والمشكلة تبدأ في إسقاطات هذه الثقافة السياسية على توجهات الجماهير في الشارع، الى درجة تنعدم فيها الرؤية الصحيحة للإصلاح والتغيير حتى وإن توفرت الأدوات وأتيحت الفرصة، لأن الحالة السلبية استحوذت على العقول واخذت بزمام المبادرة في الشارع، فلا شيء سوى الاصطدام والضرب والتخريب وإشعال النيران وغيرها من مظاهر العنف التي تلحق اكثر الخسائر المادية والمعنوية بالجماهير.

ومن المثير حقاً أن يكون هذا العنف السياسي متجسداً في الشارع وحسب، بينما تعرض وسائل الاعلام بين فترة وأخرى مقاطع الجلسات التي تجمع زعماء الكتل السياسية على طاولة كبيرة او في ديوانيات فاخرة، يتبادلون الابتسامات كما لو انهم أحباء ينتمون الى جسد واحد! ولطالما رشحت من الاروقة السياسية اعترافات بالاجماع السياسي على المصالح والمكاسب داخل البرلمان والحكومة، أما في الشارع وعند الجماهير المطالبة بحقوقها نجد الافتراق والتناحر والتسقيط وكل اشكال العنف السياسي.

العنف السياسي ومزبلة التاريخ

إن تجارب الماضين ممن انتهج العنف لتحقيق مصالح سياسية أنهم لم يجنوا سوى بضعة سنوات من الحكم مع سلسلة طويلة من الويلات والمعاناة لشعوبهم، ثم تحولوا الى لعنة التاريخ والاجيال، كما اندثرت معهم كل ادعاءاتهم وشعاراتهم التي طالما تشدقوا بها وجعلوها ستاراً يشرعنون بها حكمهم، والامثلة عديدة على طول التاريخ من الدولة الأموية ثم العباسية، وحتى التاريخ القريب الذي ظهر فيه أشخاص ادعوا في حياتهم أنهم أمل شعوبهم والأقدر على تحقيق طموحاتهم ، مثل هتلر وستالين وشاه ايران؛ الأب والابن.

لذا على الجماعات السياسية الناشطة في الوقت الحاضر الاعتبار من الماضين، بعدم تكرار الأخطاء الفادحة والاستفادة من الحكم البليغة التي تجسدت في مواقف النبي الأكرم وايضاً أمير المؤمنين، خلال فترة حكمهم وتعاملهم مع الظروف السياسية المتوترة، فهما عندما لم يجنحا الى العنف لمواجهة معارضيهم وأعدائهم، إنما ضمنا حياة الاجيال والأمة من بعدهم، بعدم السماح لمن يأتي من بعدهم باستخدام القوة لكسب الشرعية السياسية، وهو ما أدى الى سقوط جميع الحكام من بعد تلك الفترة بنفس الطريقة التي جاؤوا بها؛ حيث الغدر والغيلة والتآمر والقتل بأبشع الطرق، بينما بقي منهج الرسول الكريم، وايضاً منهج الامام علي، محط احترام وتبجيل من الجميع، سواءً المسلمين وحتى غير المسلمين، رغم ما استجدّ مؤخراً من افرازات سيئة لبعض أدعياء الدين وتطبيق الشريعة بما تهوى أنفسهم.

لقد واجه الامام علي، عليه السلام، تحديداً ظروفاً عصيبة للغاية واستثنائية، لعل منها؛ الهجوم على داره والاعتداء على زوجته الصديقة فاطمة الزهراء، عليها السلام، ولما جاءت تلومه على قعوده عن مواجهة القوم الذين غصبوا حقها، فأجابها فوراً بأن اذا تريدين ألا يتكرر اسم رسول الله على المآذن خمس مرات يومياً، فاني افعل ما تطلبين – مضمون الكلام- ثم طلب منها أن تحستب الله، ففعلت، عليها السلام، بمعنى أنه غلّب العقل والحكمة على الانفعالات النفسية.

هذا المشهد لو قُدر لأي شخص في الوقت الحاضر، ربما لم يتردد لحظة في إشهار سلاحه وتعبئة الجماهير لحرب لا تبقي ولا تذر تحت مختلف المبررات مثل؛ الدفاع عن النفس والمطالبة بالحقوق وغيرها كثير، بيد أن العبرة بالنتائج دائماً، فان العنف يولد العنف والدماء تجر الدماء والخاسر الوحيد يكون الناس والاجيال الذين لن يتذوقوا طعم الراحة والأمان والاستقرار مهما كانت الثروات والامكانات محيطة بهم.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2