بعيداً عن طبيعة المواقف والقناعات من ظاهرة الربيع العربي وتحولاتها المختلفة، من الضروري الالتفات إلى حقيقة عميقة في مسار هذه التحولات الكبرى التي جرت ولا زالت تداعياتها قائمة في أكثر من بلد عربي. ويمكن بيان هذه الحقيقة كالآتي: إن ما سمي بالربيع العربي هو عبارة عن ظاهرة سياسية مجتمعية عميقة جرت في بعض المجتمعات العربية، وهي وليدة عوامل وأسباب عديدة، ولها جوانب مختلفة، ولا يمكن اختزالها في بعد أو جانب واحد، فهي كأي ظاهرة سياسية مجتمعية، لها عواملها المتعددة وأسبابها المختلفة وإن هذه الظاهرة في تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة لا زالت قائمة، ومن الصعب اختزال هذه الظاهرة وأمثالها في برهة زمنية وجيزة.

وإن طبيعة المآلات التي وصلت إليها هذه الظاهرة، ليست نهاية المطاف، بل ثمة تحولات قيمية ومجتمعية عديدة تحتاج إلى تظهير تشهدها مجتمعات الربيع العربي.

ونود في هذا المقال الالتفات إلى طبيعة الخيارات والمآلات التي وصلت إليها جماعات الإسلام السياسي في بلدان الربيع العربي.

وقبل توضيح هذه الخيارات والمآلات، من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن جماعات الإسلام السياسي، ليست على رأي واحد أو قناعة سياسية ومجتمعية واحدة، بل هي طيف من القوى والمجموعات التي تتبنى المرجعية الإسلامية وتتطلع إلى سيادة الإسلام والشريعة على الحياة العامة للمسلمين، إلا أن هذه المجموعات متفاوتة ومتنوعة في خطابها السياسي ومقارباتها الاجتماعية وطبيعة نظرتها وقناعاتها إلى طبيعة اللحظة الراهنة وكيفية التعامل مع الأطراف والأطياف الأخرى. وبالتالي فإننا لا نتحدث عن مجموعات متجانسة في كل شيء، بل هي مجموعات متنوعة ومتعددة إلا أنها جميعا تتبنى المرجعية الإسلامية. ولكونها جماعات غير متجانسة وتعيش التعدد في أكثر من مجال، لذلك لا يصح إطلاق أحكام ومواقف واحدة، على مجموعات متمايزة فكريا وسياسيا.

لذلك فنحن نود تركيز الحديث حول القوى السياسية الإسلامية التي تصدرت المشهد العام في دول الربيع العربي. فالأداء السياسي لحزب النهضة في تونس مغاير عن الأداء السياسي لحركة الإخوان في مصر.

فالأولى تعاملت بواقعية مع مشروع التحول نحو الديمقراطية وابتعدت في خطابها السياسي عن النزعة الدعوية التي تخلط بين إدارة ما هو كائن مع ما ينبغي أن يكون. وجماعة الإخوان في مصر، تعاملت في أدائها وخطابها السياسي بنزعة دعوية طاغية، وصنعت للناس أوهاما وآمالا غير قادرة على تحقيقها في أقل التقادير في المدى المنظور، كما هيمنت على علاقاتها مع الأطراف والأطياف السياسية نزعة الهيمنة والسلطة. فالأطراف التي لا تتفق معها في الخطاب أو الأولويات أضحت من الفلول، والتي تتناغم مع خطابها وأدائها لا موقع لها في الخريطة السياسية.

وبالتالي فإن التباين والاختلاف في الخطاب والأداء بين المجموعات الإسلامية، ليس إدعاء يدعى، وإنما هو حقيقة قائمة وشاخصة في كل بلدان الربيع العربي.

وعلى ضوء هذه الحقيقة نعمل على الاقتراب من تقويم الأداء السياسي لهذه الجماعات من خلال النقاط التالية:

1. ليس من ينجح في مشروع الدعوة قادرا على النجاح في مشروع العمل السياسي وإدارة التنافس السياسي مع مختلف الأطياف في المجتمع.

فأغلب هذه الجماعات استطاعت عبر أدوات وآليات عديدة النفاذ لدى شرائح المجتمع المختلفة، وتمكنت من تحقيق منجزات ومكاسب عديدة سواء على مستوى الدعوة وإقناع الناس بالخطاب والمشروع الإسلامي أو على مستوى الخدمات ومشروعات الحماية الاجتماعية والاقتصادية للفئات الاجتماعية المهمشة. ولكن هذا التميز في الحقل الدعوي والاجتماعي، لم يؤد إلى تميز في الحقل السياسي. بل على العكس من ذلك نتمكن من القول: إن بعض هذه الجماعات ارتكبت خطايا في عملها وأدائها السياسي، ما أربك قاعدتها الاجتماعية، وأدخلها في أتون المقارنة مع المجموعات السياسية الأخرى. وعلى ضوء هذه الحقيقة، يمكن الوصول إلى نتيجة أخرى ومفادها: أن الجماعات الإسلامية في مرحلة الدعوة والأنشطة الاجتماعية والخدمية المختلفة، تتسع قاعدتها الاجتماعية وتزداد شعبية. وأن انخراطها السياسي ووصولها إلى الحكم يخسرها شعبيا ويسحب من رصيدها الاجتماعي. وبالتالي فإن هذه الجماعات بحاجة إلى لياقة إذا صح التعبير في العمل السياسي مختلفة عن لياقتها في العمل الدعوي.

وإن النجاح والتميز في الحقل الاجتماعي، لا يساويان النجاح المضمون في الحقل السياسي. فجماعة الإخوان في مصر في مرحلة الدعوة والأنشطة الاجتماعية والخدمية المختلفة، تتصدر المشهد العام، ويشار إليها بالبنان في التميز وحسن الأداء.

ولكن حينما وصلت إلى الحكم وإدارة جمهورية مصر العربية من موقع السيطرة على الحكومة والرئاسة، فإنها ارتكبت الكثير من الأخطاء التي ساهمت في تبديد بعض مكاسبها في الحقلين الدعوي والاجتماعي. وإذا استمرت هذه الجماعة بدون تصحيح أخطائها الفادحة، فإنها ستستمر في التراجع وخسارة بعض قاعدتها الشعبية.

2. أبانت الجماعات الإسلامية عن خلل حقيقي في مشروع بناء التحالفات السياسية مع الأفرقاء الآخرين، وقدرة هذه التحالفات على البقاء في ظل صراعات سياسية واجتماعية. وينعكس هذا الخلل بشكل أساسي في رفض هذه الجماعات التعامل مع الحقل السياسي والمنافسين السياسيين بعقلية تسووية، تدفع هذه العقلية جميع الأطراف للتنازل من أجل بناء أوضاع سياسية أكثر استقرارا وقدرة على الصمود أمام التحولات السياسية المتسارعة.

فالإخوان مثلا في مصر تمسكوا بنتائج الانتخابات البرلمانية واعتبروها هي النتيجة التي تخولهم ممارسة السلطة بمفردهم أو بدون منافسين حقيقيين. لذلك وبفعل هذه العقلية خسروا بعض حلفائهم، كما خسروا من جراء التباين في مشروع الترشيح لرئاسة الجمهورية بعض قياداتهم وكوادرهم الفاعلة.

ولعل ما تمتاز به جماعة النهضة في تونس هو قدرتها على بناء التحالفات السياسية وعدم استعجالها الوصول إلى القمة السياسية. فهي تتحرك بواقعية سياسية، وتعمل على بناء حياة سياسية مستقرة وملتزمة بمقتضيات الدستور. وإن هذا العمل يستحق من الجميع التنازل حتى لا تفشل العملية السياسية برمتها.

فالمهم ليس أن تصل جماعتي إلى السلطة، المهم بناء واقع سياسي جديد، يعرقل أية نزعة استبدادية، أو يحول دون استفراد أية قوة سياسية بالمشهد السياسي. وإن هذا الهدف الاستراتيجي يستحق من جميع الأطراف التنازل وإنجاز تسوية سياسية تاريخية لصالح التحول نحو الديمقراطية والاستقرار السياسي العميق.

فطبيعة تحولات الربيع العربي ومحطاتها المختلفة، تجعلنا ندرك أن هذه التحولات لا يمكن أن ينتصر فيها طرف انتصارا كاسحا مهما أوتي من قوة شعبية أو أرث تاريخي ونضالي. فالتحولات لا تفسح المجال لطرف واحد للتحكم في الساحة والمشهد.

من هنا فإن طبيعة التحولات والقوى الفاعلة فيها، تقتضي أيضا بناء التحالفات والذهاب بعيدا في مشروع التسويات السياسية. والقوى السياسية التي ترفض هذا النهج والخيار، فإنها شيئا فشيئا ستخرج من المعادلة القائمة. وهذا ليس تبريرا لبعض المآلات، وإنما للقول إن طبيعة المرحلة تقتضي التقاطع مع القوى السياسية المنافسة، وتنمية المساحات المشتركة معها، من أجل الخروج من المرحلة الانتقالية بأقل خسائر ممكنة.

3. لا يمكن لمن يتوسل وسائل العمل السياسي المختلفة، أن يحقق إنجازات وانتصارات كاسحة، بحيث يغيّب جميع المنافسين أو المناوئين، فطبيعة العمل السياسي أنه يحقق الغايات والأهداف على مدى زمني طويل ومتدرج في آن.

ولعل من الأخطاء البارزة التي وقعت فيها التيارات الإسلامية، أنها انخرطت في العمل السياسي بذهنية (لنا الصدر دون العالمين أو القبر) وبالتالي فإن هذه الذهنية تفتح حالة المغالبة مع المنافسين إلى أقصى حالاتها، ما يهيئ المناخ لصناعة الخصوم وخسارة الأصدقاء.

لهذا من الضروري أن تلتزم هذه الجماعات وهي تنشط في الحقل السياسي بمقولة الفلاسفة (الوجود الناقص خير من العدم المطلق)..

وعليه فإن العمل السياسي، لا يوصل إلى انتصارات كاسحة، وإنما يوصل إلى بناء شراكة واسعة مع بقية القوى، لإنجاز ما يمكن إنجازه.

وإن الكثير من الأخطاء والخطايا التي ارتكبتها جماعات الإسلام السياسي، يعود في تقديرنا إلى تلك الذهنية التي تحكمت في هذه الجماعات والتي عاشت فترات طويلة من النضال السلبي، وترى فيما سمي بالربيع العربي فرصة استثنائية، ما يدفعها نفسيا وسلوكيا للاستعجال في مشروع التمكن.

ومن المؤكد أن نزعة الاستعجال مع قصر التجربة وقلة الخبرة، تقود إلى ارتكاب خطايا أساسية، تضر بسمعة هذه التيارات وصدقيتها في العمل العام.

وخلاصة القول: إن السياسة لا يمكن أن تمارس وتدار بذهنية الدعوة، وإن الانخراط فيها بنسق ما ينبغي ألا، يجعلها ترتكب أخطاء تصل في بعض الأحيان إلى حماقات تحرق بعض أجزاء التاريخ النضالي لهذه التيارات والجماعات.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0