عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية، يمكن القول إن اوباما وترامب ينطلقان من ذات المنطلق البراغماتي، أي أولوية المصلحة الأمريكية، لكن براغماتية كل منهما تتلون بالميول الفكرية والنفسية وطرق التعبير والتحالفات السياسية التي تسند كلّاً منهما، وهنا يمكننا التمييز بين براغماتية ليبرالية ناعمة، مثلها اوباما، وبراغماتية قومية فجة، يمثلها ترامب في خطابه (ما دمنا لم نشهد بعد سياساته).

في مقالة جيفري غولدبيرغ الشهيرة عن (مبدأ اوباما)، هناك إشارات مهمة للكيفية التي كان اوباما يفكر بها تجاه منطقة الشرق الأوسط، فبالنسبة إليه هي منطقة موبوءة بالصراعات الطائفية والكراهيات القديمة وان من الأفضل للولايات المتحدة إن لا تنخرط مباشرة في تلك الصراعات، وان تعتمد على المقاتلين المحليين حينما يكون لديها مصلحة بانتصار احد الأطراف أو في الأقل عدم هزيمته. لا يعني (عدم الانخراط) أكثر من عدم إرسال إعداد كبيرة من القوات الأمريكية لتقاتل على الأرض، وتعويض ذلك بوسائل أخرى: دعم الجيوش أو الميليشيات المحلية بالتمويل والسلاح، مبيعات الأسلحة الثقيلة إلى الحلفاء التي وصلت مستويات غير مسبوقة في حقبة اوباما، والاستخدام المكثف للطائرات بدون طيار في ملاحقة الإرهابيين، والتركيز على الجهد الدبلوماسي والمفاوضات بحيث كان وزير خارجية اوباما في دورته الثانية، جون كيري، من أكثر وزراء الخارجية تنقلاً في التاريخ الأمريكي، وشغلت الملفات السورية والإيرانية والفلسطينية-الإسرائيلية الكثير من وقته.

هل كانت سياسة اوباما، كما يقول ناقدوه من التدخليين، انسحابا من المنطقة؟ لا اعتقد ذلك، هي كانت محاولة لضمان المصالح الأمريكية (الجوهرية) بأقل قدر من التكاليف، وانسجاما مع الحكمة التي بثها منذ الثمانينات، المؤرخ بول كندي، عن صعود وهبوط القوى العظمى، والقائلة بأن معظم القوى العظمى في التاريخ بدأت بالانهيار حينما أصبحت تكاليف التزاماتها العسكرية الخارجية أكثر من قدرة اقتصادها على تلبية متطلبات هذا التمدد. في الحقيقة، اوباما استخدم هذه المحاججة في مناسبات عديدة.

لم يكن اوباما انعزاليا، بل كان ممثلاً نموذجياً للطبقة الليبرالية المعولمة، وداعماً لاتفاقيات التجارة الحرة وفتح الحدود وتدفق الاستثمارات، وهذا ما أثر كثيرا في اعتقاده بان آسيا تمثل المستقبل وأنها بالمقارنة بالشرق الأوسط، هي منطقة تنمية (بناءة) ونمو وازدهار محتمل. فكرة التحول نحو آسيا ليست جديدة أمريكيا، بل هي مطروحة في الفكر الاستراتيجي منذ الستينيات، لكن اوباما حاول ان يلبسها ثوبا جديدا بفلسفته المعولمة. لا يمكن الجزم بنجاحه هنا خصوصا إن التصويت لصالح ترامب كان إلى حد كبير تصويت ضد العولمة ونتائجها.

يتحدث ترامب بكثرة عن الصفقات deals وكيف ان أمريكا لم تعد تربح في أي صفقة وانه هو وحده من يعرف كيف يبرم الصفقات. هذه اللغة التجارية المباشرة والفجة تعبر عن منظور ترامب البراغماتي، كمنظور مشدود للربح بمعناه السريع والمباشر، والذي يحتاج إلى لغة شعبوية ليسوق بها: سأجعل أمريكا عظيمة مجددا. بالنسبة لترامب، ليس الربح وحده المهم، بل كيف تسوق الربح، بل وكيف تسوق الخسارة على إنها ربح، ولذلك فان اللغة الاستعراضية الدعائية ستطبع سلوكه في السياستين الداخلية والخارجية.

بالتأكيد، لا يمكن المراهنة فقط على المنظور الشخصي للرئيس، بل لابد من النظر إلى طبيعة التحالفات التي تتشكل حولهما وتدعمها في الصراع السياسي، وترامب يرتكز على تحالف يميني- محافظ، إلى جانب تيارات من اليمين المتشدد والشعبويين التي دعمته انتخابيا، وهي تيارات قد يضحي بها لاحقا لصالح ترسيخ موقعه وعدم الدخول في صدام مع المؤسسة. بوسعنا أن نتوقع من هذا التحالف، شيئا من العودة للعسكرتارية التقليدية وميلاً للحسم باتجاه المصالح التي تترتب على "الصفقة الأفضل".

في النهاية فان براغماتية ترامب الفجة، كما براغماتية اوباما الأنيقة، ستتلون بطبيعة الاتجاهات والمصالح الساندة والمعارضة لكل منهما، وبمؤسسة، ذات منظور مصلحي وإيديولوجي تراكم عبر عقود طويلة، ستسعى لان تشارك الرئيس قراره.

بين الرؤية التي تتوقع أن الانتقال من اوباما إلى ترامب يمثل تحولا جذريا هائلاً، وتلك التي لا ترى إن هناك فرقاً مهماً سينتج عن هذا الانتقال، اعتقد إن الجواب الصحيح يكمن في الوسط. نحن أمام رئيسين بمنظور براغماتي يعطي الأولوية للمصلحة الأمريكية، لكننا أمام نوعين مختلفين من البراغماتية يمكن لاختلافهما إن يصنع فرقاً، وليس انقلاباً.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001-Ⓒ2017
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2