يعد الاستثمار من أهم المسائل الاقتصادية التي تؤثر في الاقتصاد الوطني والعالمي على حد سواء، والدول النامية والمتقدمة أيضاً، وذلك لما له من الأهمية الكبيرة في اغلب مجالات الحياة وخصوصاً الاقتصاد والمجتمع، فعلى سبيل المثال عند زيادة الاستثمار في بلد معين ستكون له آثار كبيرة كتقليل البطالة وتخفيف الفقر وزيادة التصدير وتقليل الاستيراد وزيادة النمو الاقتصادي المتمثل في زيادة نتاج السلع والخدمات، وكل هذه الآثار مترابطة فيما بينها وعلى المستوى الوطني والعالمي في ظل سيادة العولمة.

لكن الأهم من الاستثمار هو كيف يتم اتخاذ قرار الاستثمار، إذ كلما يكون اتخاذ القرار الاستثماري أكثر صواباً بناءاً على الدراسات الخاصة بكل تفاصيله من حيث المكان والزمان، كلما تكون مردوداته أكبر وخسائره اقل. فعلى سبيل المثال إن اتخاذ قرار استثمار في إنشاء مشروع خاص بإنتاج المشروبات الكحولية في مكان اغلب سكانه لا يحبذون تناوله لأسباب خاصة بهم سواء كانت دينية أو أخلاقية أو صحية أو غيرها، فان هذا المشروع بالتأكيد سيكون غير ذي جدوى ومعرض للخسائر.

كذلك اتخاذ قرار الاستثمار في زراعة محاصيل صيفية في فصل الشتاء أو العكس، هكذا مشروع أيضا لا يُجدى منه نفعا. والشيء بالشيء يذكر، هناك بعض المنتجات أصبح من الممكن إنتاجها في غير أوقاتها وذلك من خلال توفير الأجواء والمناخ المناسب لنموها في أوقات أخرى غير المتعارف عليها، لذا عند اتخاذ القرار الاستثماري لابد من مراعات أي المحاصيل يمكن أن تنتج في غير وقتها عندما نوفر المناخ الملائم لنموها.

وعند اتخاذ الظرف المكاني والزماني بعين الاعتبار في اتخاذ قرار الاستثمار لابد من دراسة كل ما يتعلق بالمشروع من بنى تحتية كالماء والكهرباء وخطوط النقل وشبكات الصرف وغيرها، وأيدي عاملة ماهرة ومواد أولية، فضلا عن دراسة أهمية الموقع من حيث قربه من المطارات أو الموانئ أو الحدود الدولية أو المحلية.

الطريقة التقليدي لاتخاذ القرار الاستثماري

عندما يراد اتخاذ قرار استثماري بشأن مشروع ما فان المستثمر ينظر إلى النفقات التي ستبذل لإنشاء المشروع ومقارنتها مع المردودات التي يحصل عليها فإذا كانت المردودات أكبر سيلجأ المستثمر إلى اتخاذ قرار استثماري بتنفيذ المشروع والعكس في حال كانت المردودات اقل من النفقات اللازمة لإنشاء المشروع، إذ في هذه الحالة ستسبب الخسارة له، فيحجم عن الاستثمار وهذا ما يزيد من الآثار السلبية-التي هي خارج نطاق هذا المقال.

وفي عملية اتخاذ القرار الاستثماري يلعب معدل الفائدة السوقية دورا مهما، إذ يستخدم معدل الفائدة لخصم تيار الدخل المستقبلي الذي يولده المشروع الاستثماري. وحينئذٍ تقارن القمة الحالية لتيار الدخل المستقبلي مع نفقات المشروع حتى يتخذ القرار الاستثماري. وإذا تغير معدل الفائدة فإن القيمة الحالية لتيار الدخل تتغير. وكنتيجة لذلك فان المشروعات الاستثمارية التي تعتبر مربحة عند سعر الفائدة السابق قد تكون غير مربحة عند سعر الفائدة الجديد والعكس بالعكس، وهكذا فان الاستثمار يعتمد جزئياً على سعر الفائدة السوقية.

وجهة نظر بديلة

وهناك وجهة نظر بديلة لعملية اتخاذ القرارات الاستثمارية تركز بوضوح على أهمية معدل الفائدة السوقية (الاسمي) بشكل رئيس وليس جزئي. وفي ظل أسلوب القيمة الحالية، فان المقارنة تكون بين القيمة الحالية لتيار الدخل المستقبل الذي يولده المشروع الاستثماري مع نفقاته. أما في ظل المنهج البديل الذي تم إيضاحه بشكل مبسط من قبل "مايكل ابدجمان" في كتابه "الاقتصاد الكلي النظرية والسياسة"، فان المقارنة تكون بين الكفاءة الحدية للاستثمار والتي يعبر عنها أيضا بمعدل العائد الداخلي والكفاية الحدية للاستثمار ومعدل الفائدة السوقية، هذا الأخير يعرف المبلغ الذي يدفعه المنظم نظير رأس المال النقدي المقترض من السوق النقدية والذي يستخدمه في خلق سلع إنتاج جديدة. أما الكفاية الحدية لرأس المال فتمثل الربح الذي يتوقع المنظمون الحصول عليه من عملية الاستثمار خلال فترة زمنية معينة بعد تغطية كافة نفقات الإنتاج عدا معدل الفائدة.

فإذا كانت الكفاية الحدية لرأس المال أقل من معدل الفائدة السوقية فان المشروع الاستثماري يكون غير مربح، أو على الأقل اقل ربحية عن البديل الآخر، وهو إقراض المال بمعدل الفائدة السوقية. وهكذا فإن المستثمر المحتمل لا ينبغي أن يقدم على الاستثمار في المشروع. ومن ناحية أخرى إذا كانت الكفاية الحدية لرأس المال أكبر من معدل الفائدة السوقية فان المشروع الاستثماري يكون مربحاً أو على الأقل أكثر ربحية من إقراض الأموال عند المعدل السوقي للفائدة، وعلى ذلك فان المستثمر المحتمل يجب أن يقدم على المشروع حتى إذا اضطر إلى أن يقترض كل أو جزء من الأموال اللازمة بالمعدل السوقي للفائدة.

ولكي نزيد الأمر وضوحاً، دعنا نفترض إن الكفاءة الحدية لرأس المال في مشروع معين تقدر بـ 10% فإذا كان المعدل السوقي للفائدة 12% فان المستثمر المحتمل لن يقدم على الاستثمار في المشروع. فإذا انخفضت الفائدة إلى 8% فان المشروع يكون عندئذٍ مربحاً. وكنتيجة لذلك فان المستثمر المحتمل ينبغي أن يقدم على تنفيذ المشروع.

وعلى هذا الأساس فالاستثمار يعتمد على سعر الفائدة السوقية بشكل كبير جداً، والعلاقة بينهما علاقة عكسية، فكلما كان سعر الفائدة كبيرا كلما يعني إن تكاليف رأس المال اللازم لتمويل المشاريع الاستثمارية، مرتفعة، فتنخفض الكفاية الحدية لرأس المال فينخفض حجم الاستثمار. وان المحدد لسعر الفائدة السوقية هو كمية النقود المتاحة في السوق فكلما كانت أكثر كلما يزداد عرض رؤوس الأموال المعدة للإقراض فتحصل المنافسة بين أصحاب رؤوس الأموال فتنخفض التكاليف اللازمة لتمويل الاستثمار مقارنة بالكفاية الحدية لرأس المال فيزداد حجم الاستثمار، وان المتحكم بالكمية المتاحة في السوق هو البنك المركزي للدولة بالإضافة إلى البنوك التجارية في حالات معينة.

كذلك، يؤثر المناخ الاستثماري على الكفاءة الحدية للاستثمار بشكل كبير جداً، إذ كلما تحسن المناخ الاستثماري كلما ارتفعت الكفاية الحدية لرأس المال مقابل ثبات سعر الفائدة السوقية، فترتفع الأرباح المتوقع الحصول عليها من قبل المستثمرين فيزداد حجم الاستثمار، فعلى سبيل المثال لو كانت الفائدة السوقية تصل إلى الصفر مع سوء المناخ الاستثماري بشكل كبير فهل بالإمكان أن يتحسن الاستثمار في هكذا مناخ بالتأكيد لن يتحسن لأنه معروف إن رأس المال جبان يبحث عن المناطق الآمنة ذات المناخ المستقر. وكذا الحال بالنسبة لسعر الفائدة السوقية.

بناء على ما تقدم ماذا يمكن أن يحصل لو كان المناخ الاستثماري غير مناسب ويتسبب في انخفاض الكفاية الحدية لرأس المال مع ارتفاع أسعار الفائدة الاسمية من قبل البنك المركزي لتبلغ ما يُقارب 6% في العراق؟؟!!!

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0