نظامان اقتصاديان مارستهما الدول لتسيير الحياة الاقتصادية لمجتمعاتها، هما الدولة والقطاع الخاص، ومن البديهي إن كل نظام له ايجابيات وسلبيات وكل منهما يدعي لو طبق بالشكل المرسوم له لكانت نتائجه لم تعطى من قبل نظام اخر.

وفي الوقت الراهن يتبنى القطاع الخاص قيادة اكبر الاقتصادات المتقدمة وحتى وان ظهرت بعض السلبيات إلا إن النجاح كان من نصيبه على ارض الواقع، وحتى هذه السلبيات ظهرت لعدم تفعيل دور الدولة بشكله المناسب، في تصحيح الأخطاء التي يمارسها القطاع الخاص، حيث لا يمكن تبني إدارة الاقتصاد من قبل الدولة مع إهمال وتهميش دور القطاع الخاص وكذا العكس اذ لا يمكن تبني ادارة الاقتصاد من قبل القطاع الخاص مع حجر الدولة في زاوية ما، إذ إن دورهما معاً هو دور تفاعلي وتشاركي وتساهمي إي يتفاعلان ويتشاركان ويسهمان في تقدم الاقتصاد.

وضوح المنهج وانحراف التطبيق

لايزال النظام الاقتصادي في العراق غير واضح المعالم تكتنفه الكثير من الاشكالات فهو يرفع شعار ويعمل لصالح شعار اخر، يرفع شعار السوق والقطاع الخاص ويتبنى المنهج الاشتراكي واقعا في اغلب الحالات، حيث لاتزال الدولة صاحبة حصة الاسد في امتلاك وسائل الانتاج، فهي تملك أكثر من 80% من الاراضي وان المتبقي منها 20% مملوكة من قبل الاهالي ويتكون جزئه الاعظم من الاراضي السكنية، هذا ما اشارت اليه خارطة طريق المستثمر في العراق المعدة من قبل برنامج تجارة للتنمية الاقتصادية في المحافظات.

وان عدم فسح المجال امام القطاع الخاص لقيادة الاقتصاد العراقي وتبني الدولة للاشتراكية على ارض الوقع -بشكل غير فعّال- تتضح من خلال مسألة اخرى هي مسألة البيروقراطية التي دائماً ما تترابط بالنظام الاشتراكي، والمتمثلة في كثرة الاجراءات التي تتبانها الدولة لفتح مشروع ما، حيث يواجه المستثمر العراقي والاجنبي صعوبات في تأجير الاراضي من الدولة حيث يتوجب عليهم بذل الوقت والجهد الكبيرين في متابعة معاملات التأجير وكذلك تقديم تأمينات بمبالغ كبيرة في الوقت الذي لا يوجد ضمان اكيد بحصولهم على عقود الايجار...إلخ.

مؤشرات تؤكد الانحراف

وما يزيد من وضوح سيطرة الدولة على الاقتصاد العراقي هو عدة مؤشرات اقتصادية نشير الى بعض منها وحتى وان حصل بعض من هذه المؤشرات على تفوق القطاع الخاص في امتلاكها وادارتها إلا ان الاعم الاغلب هو خاضع لسيطرة الدولة، ومن اهم تلك المؤشرات هو الناتج المحلي الاجمالي، الصادرات، رأس المال الثابت، إذ ان توضيح مساهمة كل من القطاعين العام والخاص في تشكيل هذه المؤشرات سيعطي صورة واضحة لشكل النظام الاقتصادي المتبع في العراق.

فعلى مستوى المؤشر الاول نلحظ ان القطاع العام يشارك بنسبة كبيرة في الناتج المحلي الاجمالي تتجاوز نسبة القطاع الخاص فيه، حيث بلغت أكثر من 63.38% في حين لم يشارك القطاع الخاص سوى 36.61% في الناتج المحلي الاجمالي في عام2014، وهذا يعني ان السلع والخدمات -المحدودة- التي ينتجها الاقتصاد العراقي تتم من قبل القطاع العام أكبر من التي ينتجها القطاع الخاص.

وبما ان الدولة العراقية هي المالك للثروة النفطية وتقوم بتصدير النفط للخارج وتشكل الصادرات النفطية الخام ما نسبته 99.30% من الصادرات السلعية في عام 2015، وان المتبقي (0.3%) من السلع الاخرى التي تصدر الى الخارج حسب ما اشار اليه التقرير السنوي للصادرات. وعلى الرغم من انخفاضها الحاد هي ليست من صادرات القطاع الخاص فقط بل ان الدولة ايضاً شريكه في انتاجها وتصديرها، هذا يؤشر وبلا أدنى شك على ضعف القدرة التنافسية للقطاع الخاص بل سيطرة القطاع العام على الاقتصاد العراقي بالشكل الريعي وليس الانتاجي وهذا مؤشر على سيطرة الدولة على الاقتصاد من ناحية وعدم فعاليتها بالشكل الصحيح لإدارته وسيطرتها على القطاع النفطي الريعي من ناحية اخرى.

اذ ان إيراداتها النفطية تتجاوز نسبة الـ 90% من اجمالي الايرادات العامة وان النفقات الجارية تشكل نسب مرتفعة ايضاً لم تنخفض عن 75% من اجمالي النفقات العامة، اي ان الثروة النفطية تقتصر على الموظفين فقط ومن شملتهم شبكة الحماية الاجتماعية في حين ان الاخرين لم ينالوا شيئاً من حقوقهم النفطية، فضلا عن الاجيال القادمة، هذا ما يدلل على عدم فعالية بل سوء الادارة للثروة النفطية بالشكل الذي يخدم مصلحة المجتمع العراقي.

اما فيما يخص اجمالي تكوين رأس المال نلاحظ من خلال التقديرات الاولية لإجمالي تكوين رأس المال الثابت لسنة 2013 التي أعدها الجهاز المركزي للإحصاء، ان الدولة صاحبة الحصة الاكبر في تكوين اجمالي رأس المال الثابت، إذ تشكل أكثر من 84.31% في اجمالي راس المال الثابت في حين ان القطاع الخاص لم يشكل الا نسبة 15.68% منه.

ليس هذا فحسب بل ان القطاع العام لا يزال وسيستمر حتى في المستقبل لإدارة الاقتصاد العراقي وما يؤكد على هذا هو ما ذكرته خطة التنمية الوطنية 2013-2017 عندما اوضحت حجم الاستثمارات المطلوبة لتنشيط الاقتصاد وقسمت هذه الاستثمارات الى استثمارات حكومية وغير حكومية (استثمارات القطاع الخاص سواء كان اجنبي ام محلي)، تشكل الاستثمارات الحكومية 79% من اجمالي الاستثمارات المطلوبة في حين تفترض الخطة ان الاستثمارات المتوقع انفاقها من قبل القطاع الخاص ستشكل 21%من اجمالي الاستثمارات، والأسوأ من ذلك ان نسبة حصة الاستثمارات المتوقع ان ينفقها القطاع الخاص في تراجع اذ اشارت خطة التنمية الوطنية 2010-2014 ان نسبة الاستثمارات التي سيساهم بها القطاع الخاص تشكل 46% لكنها تراجعت 21% في خطة 2013-2017. وهذا ما يدلل على الاستمرار من قبل القطاع العام لإدارة الاقتصاد العراقي.

الحلول الممكنة

يتضح مما تقدم ان العراق وعلى الرغم من تبنيه منهج القطاع الخاص بعد عام 2003 في دستوره وتحديدا في المادة 112 اولاً، إلا انه لا يزال خاضع لقيادة القطاع العام، والافضل وتماشياً مع الدستور ان يكون هناك دور فعال للقطاع الخاص مع عدم اغفال دور الدولة بل ينبغي ان تحصل المشاركة ما بينهما لإدارة الاقتصاد او قيام الدولة بتهيئة الظروف اللازمة لانطلاق القطاع الخاص لإدارة الاقتصاد، ومن اهم تلك الظروف بعد الاستقرار الامني والسياسي توفير البنى التحتية من ماء وكهرباء ونقل وغيرها اذ ان توفر البنى التحتية سيؤدي الى تخفيض كلف الانتاج هذا ما يشجع القطاع الخاص على الاستثمار والانتاج.

كذلك فسح المجال امام القطاع الخاص الاجنبي وتوفير التشريعات التي تضمن حقوقه لكن ليس على حساب المصلحة الوطنية، والاهتمام بتبسيط الاجراءات اذ لا يزال العراق يحتل مراتب متأخرة من مؤشر بيئة اداء الاعمال حيث يحتل المرتبة 160 و161 في عام 2015و2016 على التوالي من بين 188 من دول العالم التي يشملها المؤشر.

بيع المنشئات العامة الى القطاع الخاص باعتماد الاسعار العادلة من دون الاضرار بثروة الشعب، اذ انها في الوقت الحاضر تتعرض للخسارة اذ ان الدولة تعطي رواتب تشغيلية دون وجود انتاج يُذكر!!!!

الاهتمام بالقطاع المالي وتحسين اداء النظام المصرفي وتوسيع مجالات الاقراض عن طريق منح القروض الصغيرة والمتوسطة بشروط تفضيلية وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، كذلك فتح حاضنات الاعمال لتقديم الاستشارات وتزويدهم بالمعلومات ودراسات الجدوى عن المشاريع التي يروم القطاع الخاص القيام بها.

كما لا يمكن التغاضي عن الاهتمام براس المال البشري اذ يمثل ركيزة اساسية لقيام القطاع الخاص، اي لا بد من قيام الدولة بتجهيز القطاع الخاص من راس المال البشري وذلك من خلال زيادة الاستثمار في التعليم والصحة لخلق هذا النوع من راس المال.

ومن خلال هذه الاجراءات يمكن خلق نوع من التنسيق والموائمة وتوضيح معالم كل قطاع (عام او خاص) ما هو عمله، وبالتالي يصبح كل منهما مكمل للآخر ولا يمكن استبعاد أحدهما على حساب الآخر، ويصبح الاثنان معاً كفيلان بتقدم الاقتصاد.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0