مجريات الاحداث في واشنطن:

لعل انتخاب الرئيس الاميركي الجديد من الحزب الجمهوري دونالد ترامب على منافسته الديمقراطية هيلاري كلنتون له نتائج لم تحسب بعد وسنحتاج الى مراقبة دقيقة في تتبع يوميات السياسة في العاصمة الاميركية واشنطن لمعرفة اتجاه البوصلة السياسية القادمة للولايات المتحدة. اجواء واشنطن اعتبرت انتخابه بمثابة قنبلة سياسية وزلزال للمنظومة وتسونامي سيؤثر على عدد غير قليل من قلاع مؤسسات السياسية الحالية

وان أثره على المجتمع الاميركي وواشنطن بالخصوص سوف يطول ولن يكون محدوداً، خصوصا مع قناعة البعض ان فريق الرئيس فيه الكثير من الصقور السياسيين الذين لا يهابون منظومة واشنطن. وهذا التخوف يرجع بعض منه الى تركيز البرنامج الانتخابي للرئيس المرشح على اعتبار النخب السياسية في واشنطن ليست اهلا لقيادة الولايات المتحدة ولا تبحث عن حماية امنها القومي او زيادة رفاهية المجتمع الاميركي.

ورغم ان نتائج واثر انتخاب ترامب سيعتمد على من سيعينهم في المناصب المهمة وكيفية ادارته للحكم، الا ان الشيء المتيقن منه انه سيخلق في المستقبل القريب مرحلة الشك والالتباس والغموض داخل المنظومة السياسية وان الاستقرار السياسي الداخلي والانسيابية السياسية بين مراكز الحكم سوف لن تأتي قريباً.

اذ لم يعرف عن الرئيس المنتخب ترامب ان لديه خبرة سياسية تنفيذية ونفس الشيء بخصوص قسم من فريق عمله المقرب ولعل سؤال البعض عن مدى استماع ترامب لمستشاريه واعضاء كابينته الجديدة ومن هم محسوبون على الوسطية هو سؤال مهم. ولعل تقييمهم بشأن كون الرئيس المنتخب ترامب كان مديرا وصاحب شركة (وليس مديرا عاما في شركات كبرى) وله تخصص في قطاعات متعلقة بالترفيه والفنادق يعني ان هناك اختلافا جوهريا عن المستلزمات الاساسية السابقة للإقامة في البيت الابيض.

ومع هذه الفوضى الجديدة في فهم ساحة واشنطن فان كل ما نستطيع ان نسعى له الآن هو شرح الواقع السياسي الجديد ومجرياته وليس وصف ما سيحدث لأنه صعب جدا وذلك لكثرة العوامل المجهولة ولحداثة الواقعة ولصعوبة معرفة او تقييم خبرة الرئيس المنتخب ترامب واغلب فريقه لأول مرة لمنصب حكومي بهذا الحجم.

الرئيس المنتخب قد يبقى يتعامل مع الآخرين لمدة اخرى من منطلق استمرار الحملة الانتخابية وبالتالي سوف لن يستقر الوضع السياسي في واشنطن لحين تغيير منهج تعامله مع الفرقاء الاخرين واعتقاده انهم سيتعاملون معه كرئيس وليس كمرشح خارج المنظومة السياسية وهنا يأتي ايضاً مدى قدرته السياسية في استيعاب من اختلف معهم ومدى نضجهم في دفن الماضي المشحون والعمل سوياً لمواجهة التحديات التي تواجه الولايات المتحدة. ومع الخلفية التجارية للرئيس الجديد فان المعطيات الجوهرية لقرارات الرئيس اغلب الظن قد تكون قليلة وهي متعلقة بالربح الاساسي المتوقع، وبالتكلفة، وبالمكافأة واخيراً ما هي الموارد المطلوبة لهذا القرار او تلك؟.

وما يزيد من قوة الرئيس المنتخب هو اولاً صرفه على الحملة الانتخابية من امواله الخاصة وعدم اعتماده على اموال رؤساء الشركات المعهودة، وثانياً التصويت المباشر لأبناء الشارع الاميركي له، وثالثاً لأنه لم يكن ابن المؤسسات الحزبية الحاكمة وبالتالي ليس لهم فضل عليه او له نقاط ضعف باتجاههم.

معالم سياسات ترامب الخارجية:

من خلال المراقبة القريبة للحملة الانتخابية نلاحظ ان قاعدة «الأمن قبل الحرية والمصلحة قبل المبادئ» كان شعارا مهما وثابتا عند كلا المعسكرين. من جانب اخر ترى قلة التحدث عن اي مشروع تبشيري متعلق بالمبادئ الاميركية مثل الديمقراطية، او تغيير الانظمة، او العدالة، او بناء البلدان والحكم الرشيد. وهذا يعني مستقبلاً ضعف تأثير تقارير الخارجية الاميركية على مجريات الاحداث المتعلقة بحقوق الانسان وغيرها من المعايير الانسانية المهمة والمطلوبة لمنطقتنا.

شعار ترامب الاتخابي «لنجعل اميركا عظيمة مرة اخرى» لا يعني بالضرورية «لنجعل اميركا تقود العالم من جديد». هنا يأتي مدى قدرة الولايات المتحدة على الاستعداد لمواجهة القادم بدلا من قيادته. فمثلاً ان المطلوب من قبل الدولة الفلانية القوية التي تريد علاقة قوية ومتينة مع الولايات المتحدة عليها ان تدفع ثمن لتلك العلاقة وان الولايات المتحدة سوف تتوقف عن كونها مؤسسة خيرية او اجتماعية (حسب تعبيرهم)، «فاميركا اولا» شعار محوري وجوهري ويكاد يكون هو الشعار الوحيد له.

لعل تبني الرئيس الحالي اوباما سياساته بتقليل التواجد العسكري والسياسي الاميركي في ما وراء المحيط الهادي والاطلسي ومن بعده صعود الرئيس المنتخب ترامب والمضي بنفس المنوال والنظرية السياسية المنبثقة من تقليل التدخل الخارجي والتركيز على السياسات الداخلية مثل تقليل الهجرة غير الرسمية، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة الداخلية وزيادة سياسات برامج جذب المستثمرين، ما يعني ان الولايات المتحدة قد تسير بسرعة باتجاه تقليل المجهود السياسي والعسكري الخارجي وتقليل التزاماتها الدولية وتوفيرها للسياسات الداخلية.

وهنا نستطيع ان نستقرئ أن تأثير قوة اميركا الخارجية قد يضعف وسيخلق فراغات قد تملأ من قبل الغير من الحلفاء او المنافسين. ترامب يختلف عن اوباما من ناحية انه يؤمن بالواقعية السياسية وان اي تدخل اميركي يجب ان يكون لصالح مصالح اميركية محدودة، وهنا يأتي التشكيك وصعوبة التنبؤ في المواقف الاميركية القادمة.

ومن الضروري ان نذكر ان الولايات المتحدة تعتبر اغنى بلد في العالم وحجم الماكنة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية الاميركية الضخمة يعني ان اثر وتبعات انتخاب ترامب ستكون كبيرة على المشهد الدولي وخصوصا وانه ليس بابن واشنطن والمؤسسة الحزبية. وهذا يعني صعوبة التنبؤ بالسياسيات الخارجية الاميركية القادمة وأنها قد تتجه أكثر باتجاه سياسيات احادية البعد وليس قائمة على ايجاد محاور دولية قبل تطبيقها على الارض كما كانت تفعل سابقا.

لعل اهم عوامل التغيير الجوهرية في الولايات المتحدة وصعود ترامب يعود الى ضعف شعور الاميركان ذوي الدخل المحدود باهتمام الطبقة السياسية في واشنطن بهم وكذلك تداعيات العولمة عليهم وصعوبة فهم تعقيدات العولمة وتكلفة ايجاد مستلزمات نجاحها. هذه العوامل متعلقة ايضاً بالماكنة السياسية في هذه العواصم ومدى انعزال النخب او شعورها بآهات المجتمع وعموما سنرى انتخاب ترامب كعنصر دعم وزخم لقوى اليمين السياسي.

وهذا الانتخاب سيكون اختباراً مهماً لمدى قوة دستور الاميركان في حماية ديمقراطيتهم والليبرالية الغربية. وهذه الظواهر (مثل انتخاب ترامب وخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي وازدياد قوة اليمين في البرلمانات الاوروبية) تعكس تحديا وازمة حقيقية لمصداقية العالم الغربي الاقتصادي والحضاري، ولعل الذي نراه هنا هو الافرازات الاجتماعية والسياسية لمجتمعات ما بعد العولمة.

وبخصوص معالم سياساته الخارجية، فلم يظهر اثناء الحملة الانتخابية بوضوح من هم مستشاروه الاساسيون المعروفون؟ وما هي مؤشراته الاساسية للسياسة الخارجية؟ علما ان هناك معالم بسيطة طرحت ولم توضح بعد ونستطيع ان نستقرئ بعض هذه المعالم من شعارات حملته الانتخابية مثل ان الاولوية في السياسات الخارجية ستكون باتجاه تقليل الخطر النووي، واعادة النظر في الاتفاقيات الاقتصادية الكبيرة، وزيادة الانفاق والقدرات العسكرية الاميركية، وتدمير داعش، ومحاربة الارهاب وتداعيات التلوث البيئي وعدم توسيع التواجد العسكري في الخارج. ومع عدم وضوح ملف السياسات العامة (ناهيك عن السياسات الخارجية) لإدارة الرئيس المنتخب ترامب فان ذلك يعني صعوبة التكهن بما سيحدث.

ضروري ان لا ننسى ايضاً ان الكثير من الرؤساء السابقين كان لهم برنامج انتخابي معين وتم تناسي او تجاهل هذا البرنامج بعد تصديهم للحكم وذلك نتيجة تغيير قناعاتهم مثلا لاختلاف المعطيات او لاستكشافهم قناعات جديدة بعد تسنم الحكم او نتيجة حدوث حدث خارجي مهول مثل تدمير ابراج نيويورك في ١١ أيلول 2001.

* لقمان عبد الرحيم الفيلي سفير العراق السابق لدى الولايات المتحدة الأمريكية وعضو ملتقى النبأ للحوار

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0