رافقت، العراقيون، الكثير من المشاكل منذ سقوط بغداد عام 2003 وحتى اليوم، نتيجة للتداعيات الامنية والسياسية المتراكمة والتي شاركت المواطن ادق تفاصيل حياته اليومية، واصبحت ثقلا يرهق كاهل المجتمع العراقي عموما، والبغدادي على وجه الخصوص، حتى ذهب القول بالبعض الى وجود العديد من الثقافات التي تأسست على ركام الارهاب والخوف والمنع التي خبرها المواطنون خلال العقد المنصرم، وكان "حظر التجول الليلي" احد تلك العلامات القاسية التي فرضت على اغلب محافظات العراق، بحجة توفير الامن والامان، على وجه الخصوص في العاصمة العراقية بغداد، باعتبارها مركز صنع القرار السياسي، وباحتضانها اغلب مؤسسات الدولة، اضافة الى ثقلها السكاني الكبير.

وفي زيارة رمزية، الى مقر قيادة عمليات بغداد في ساعة متأخرة من الليل يوم الاربعاء الماضي، امر رئيس الوزراء العراقي السيد "حيدر العبادي" برفع حظر التجوال الليلي عن مدينة بغداد بشكل كامل، وابتداء من ليل السبت 7/2، كما وجه برفع الحواجز الكونكريتيه وفتح 100 شارع مغلق (في بغداد)، اضافة الى اعتبار بعض المناطق منزوعة السلاح (الاعظمية، الكاظمية، السيدية، المنصور، اضافة الى منطقة الكرادة)، بدوره اكد رئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية "حاكم الزاملي" إن "قرار رفع حظر التجوال عن العاصمة بغداد بعد سنوات طويلة يمثل رسالة اطمئنان لجميع العراقيين".

وتخشى الحكومة والقيادات الامنية من رفع الحظر عن التجوال الليلي (خصوصا ان قرارات سابقة صدرت في السنوات السابقة، الا انها اصطدمت بالواقع الامني المتدهور، ما استدعى الى التراجع سريعا عن قرار رفع الحظر او فتح الطرقات المغلقة او حتى تخفيف الاجراءات الامنية) لعدة اسباب:

1. التفجيرات الارهابية او العمليات المسلحة التي قد تحدث خلال ساعات الليل (من الساعة 12 مساءً وحتى الساعة 5 فجرا)، وهو جهد اضافي يفرض على القوات الامنية والاجهزة الاستخبارية.

2. التهويل الاعلامي الذي سيرافق القرار، خصوصا عند حدوث اي خرق أمنى قد يحدث ليلاً، وقد نقلت جميع وسائل الاعلام التفجيرات الاخيرة في بغداد، والتي سبقت دخول رفع حظر التجوال حيز التنفيذ، وراح ضحيتها العشرات من المدنيين، بعد ان قرنتها برفع الحظر بصورة مباشرة وغير مباشرة.

3. التخوف من ارتفاع نشاط عصابات الخطف والسطو المسلح (والتي استهدفتها القوات الامنية بحملة واسعة النطاق في بغداد وضواحيها مؤخرا)، والتي غالبا ما تمارس اعمالها الاجرامية في جنح الظلام.

4. النشاط المتوقع للخلايا النائمة للتنظيمات المتطرفة، من خلال عمليات خاطفة (عبوات ناسفة، اغتيالات، خطف، مهاجمة دوريات امنية)، لبث الرعب بين المدنيين، وخفض مؤشرات الامان النسبي للأشهر الثلاثة الماضية.

بالتأكيد ان جميع هذه النقاط، تمثل تحديات حقيقية امام الاجهزة الامنية ومن خلفها حكومة السيد "العبادي"، سيما وان الكثير من المراقبين وصفوا هذا القرار ب"الجريء"، لكن السيد العبادي يعلم، كما يعلم غيره، ان هناك تحديات من نوع اخر (طبعا هذه التحديات لا تلغي التحديات السابقة)، قد تكون اخطر واكثر تأثيرا من التحديات الاخرى، وان الخوف والتركيز عليها ينبغي ان يكون في المقام الاول، لأنها هي من ستحاول افشال هذا القرار (الذي يعطي انطباعا نفسيا ومعنويا جيدا لدى جميع المواطنين، وقد تتكرر التجربة في عموم العراق سيما وان كربلاء بادرت باتخاذ القرار نفسه، بعد يوم من اعلان قرار الحكومة الاتحادية)، بكل ما لديها من امكانيات ونفوذ داخل الدولة ومؤسساتها.

ويمكن أن تلخص هذه التحديات بقوتين رئيسيتين، قد تحاولان وضع العصي في دواليب التحسن الامني المحسوب للحكومة الحالية، وبالتالي الرجوع الى المربع الاول، بسبب انزعاجها من هذه النجاحات من جهة، وتضرر مصالحها من جهة اخرى:

القوى السياسية الفاشلة

خلال التجربة السابقة للحكومات المتعاقبة، برزت قوى سياسية فاشلة، اعتمدت على افراغ المحتوى الديمقراطي للنظام العراقي من مضمونة الحقيقي، ومارست زرع مفهوم التفرد في القرارات وممارسة السلطة واستخدام القوة، وهو ما ادى الى انهيارات امنية واسعة النطاق في المحافظات الشمالية والغربية والشرقية، ومكن التنظيمات المتطرفة من السيطرة على مساحات واسعة من الاراضي داخل العراق، وتمكنت هذه "القوى السياسية الفاشلة" من التغلغل في اغلب الاجهزة الامنية والعسكرية خلال السنوات السابقة، ومن غير المتوقع ان تتراجع، هذه القوى، الى الصف الثاني بسهولة.

مافيا الفساد والمصالح

ان الاستهانة بقوة او دور مافيات الفساد التي تحكمه المصالح الشخصية والربحية (والتي قد تكون جزء او متعاونة مع القوى السياسية الفاشلة)، في احداث التأثير على المجريات السياسية او الامنية او الاقتصادية للبلد، لهو من اكبر الاخطاء التي قد يقع فيها القادة والمسؤولون في الحكومة العراقية من ناحية التقييم وتحديد اولويات المخاطر، وكما اشار رئيس الوزراء الحالي للعراق، بان الفساد يمثل الوجه الاخر للإرهاب، وهو ما اقتضى القيام بحملة واسعة النطاق ضد منظومة الفساد الامني (في المقام الاول)، والتي شملت تسريح عدد كبير من الضباط والمراتب داخل وزارة الدفاع والداخلية، وهي جزء من حرب استراتيجية ضد الفساد وتقليم اظفاره على المستوى الداخلي، بالرغم من انها لم تكن بالمستوى المطلوب، لكن يمكن اعتبارها كبداية صحيحة لخطوات قد تأتي تباعا.

انقر لاضافة تعليق
محمد الكربلائي
موضوع جدا مهم و شكرا لكم على هذه التفاته الى هذه النقاط، رفع حظر التجوال هو تحدي امام جميع المافيات الفاسدة في الدولة وحصر تحركاتهم شكرا لكم موضوع مهم2015-02-12

مواضيع ذات صلة

0