سباق الرئاسة الامريكي حدث عالمي مهم للجميع، وليس فقط شأن داخلي امريكي، وذلك لأهمية هذا البلد وتأثيره المباشر وغير المباشر على اقطار المعمورة. فالرئيس ترامب وعد بان يجعل امريكا عظيمة من جديدة، لكن كيف؟ وعلى حساب من؟ وما هو مصير الشرق الاوسط وقضاياها العالقة؟ هل سيفعلها الرئيس الجديد من خلال اطروحته السياسية والاقتصادية والشعبية، مثيرة للاهتمام وهي التي قادته إلى هزيمة اشرس منافسة، باعترافه هو، كان من المستحيل ان يتغلب عليها أي مرشح غير ترامب؟

على المحور السياسي نرى ان طرح ترامب اختلف عن من سواه، نراه على الساحة الداخلية يرفع شعار "أمريكا اولا " الذي ينذر بحقبة تنطوي فيها الامة الامريكية للعق جراحها والتعافي من جديد. اما على المستوى الخارجي، فرغم الغموض والتناقض في تصريحات ترامب، الا انه يمكن ملاحظة تقاربه مع روسيا وعدائه مع الصين ونفيه أي جدوى من وجود حلف الناتو، وكذلك مهاجمته للمهاجرين ودعا إلى بناء سور مع المكسيك.

وعلى المحور الاقتصادي، يظهر الوجه الاصفى لترامب، باعتباره رجل اعمال. فالأمر يتعلق بأعمدة الاقتصاد الأمريكي والثوابت التي اعتاد العالم السير في ظلها والتي جعلت منه أكبر اقتصاد في العالم على مدى العقود الماضية، وأبرز تلك الأعمدة مكانة الدولار كعملة احتياط دولية والتي ستؤثر على معادلة البترودولار وسندات الخزانة الأمريكية ذات التصنيف السيادي الأعلى في العالم، والعلاقة مع الصين ثاني أكبر اقتصاد عالمي، واتفاقيات التجارة الحرة مع دول العالم، والعمالة الضخمة من المهاجرين الموجودة في الولايات المتحدة.

وعلى المستوى الشعبي، نلاحظ استهداف الاخير الجمهور الواسع من الشعب الامريكي، إذ انه أفلح في استثمار جملة تراكمات من الاحباط والنقمة الشعبية لدى قطاعات واسعة ضد اداء المؤسسة الحاكمة لا سيما فشلها في ادارة الازمات الاقتصادية المتعاقبة، وتلاشي امتيازات الطبقات الوسطى من المجتمع. علاوة على ذلك، النبض الشعبي العام لا يزال يعارض مسلسل الحروب والعدوان والتدخل الاميركي في شؤون الآخرين، بخلاف توجهات المؤسسة الحاكمة.

لقد فاز ترامب بكرسي الحكم، وربما فاز الشعب الامريكي بانتخاب هكذا رئيس لا يشبه من سبقه. لكن السؤال الاهم هل ربح او سيربح العرب شيئا من ذلك كله؟

وللاجابة على هذا التساؤل، يجب التفريق بين العرب فليس جميعهم في صف واحد او خانة واحدة، فاذا نظرنا أفقيا سنرى دول مستقرة واخرى مضطربة، بعضها غنية والاغلبية فقيرة، مع اختلاف اساليب الحكم بين جمهوري وملكي وأمارة. واذا نظرنا عموديا سنرى ثلاث طبقات؛ الحكام ودونهم بطانتهم والشعب وهم الاغلبية.

جميع رجالات الانظمة العربية، تقريبا، ارسلت بطاقات التهنئة للرئيس الجديد، حتى ان من شتم ترامب عاد وبارك له كرسي البيت الابيض. فالجميع خائفون من المستقبل، لان الرئيس الجديد من الصعب تحديد توجهاته تجاه المنطقة العربية. فالعربية السعودية مثلا لن تنسى حديث الرئيس عن "مجانية الحماية"، ترامب، قال كلاما خاليا من الدبلوماسية عن الرياض، ولم يستبعد وقف شراء النفط منها ومن دول خليجية أخرى، إن هي لم ترسل قواتها لمحاربة "داعش"، أو لم تسدد فواتير حرب الولايات المتحدة ضد التنظيم. لكن الملك سليمان لن يغامر بفقدان الدعم الامريكي، ولو المعنوي، وهو يواجه أزمة مالية تتمثل في انخفاض اسعار النفط، وازمة أمنية داخل المملكة مع تصاعد المد الداعشي وتظاهرات الشيعة السعوديين، كذلك ازمة عسكرية في مواجهة العدو الحوثي العنيد. لذا فالسعوديون لا يريدون ان ينتهي اهتمام الولايات المتحدة بهم، فترامب واقعيا في نهاية الامر، البقرة التي لا تعطينا حليبا، نتخلى عنها او قد نذبحها.

أما العراق، فالحال يختلف. بحكم كون البلاد محتلة سابقا من القوات الامريكية، وترامب لا يتغافل عن الفساد السياسي في بغداد، واعتبر ترامب، الذي سبق له أن أيد الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 خلال الأشهر الأولى من العملية، اعتبر أنه كان على الولايات المتحدة "ألا تزعزع استقرار العراق"، وأضاف إن صدام " كان رجلا سيئا – رجلا سيئا فعلا، ولكن هل تعرفون ما الشيء الذي كان يجيده؟ إنه كان يقتل الإرهابيين، وكان يجيد ذلك. إنهم (في حقبة صدام) لم يكونوا يطلعون الإرهابيين على حقوقهم، ولم يتحدثوا معهم، لأن هؤلاء كانوا إرهابيين. لكن اليوم انتهى الأمر، وتحول العراق إلى جامعة هارفارد للإرهاب". وقال ايضا وهو يلصق تهمة السرقة لجيش بلاده حين احتلوا العراق: "ان الجنود الامريكيين لا يريدون القتال من اجل العراق، لأنهم يعلمون ان في البلاد حكومة فاسدة، فقاموا بسرقة 50 مليون دولار نقداً". ترامب ليس هيلاري، وعلى القادة في العراق دفع شبهات الفساد والارهاب عنهم، لكي ينالوا بعض الاهتمام الامريكي، والا سيكون البرود في زمن اوباما صيف قائض بالنسبة للعلاقة مع الرئيس الجديد.

وفي سوريا، البلاد التي تضطرم بالحروب والنزاعات منذ سنوات، قد يكون مقدم رئيس امريكي جديد انفراجا طال انتظاره. فبمجرد ان يرفع ترامب غطاء الدعم الامريكي عن قوى المعارضة، سواء كان دعما سريا كما هو الحال مع داعش او علنيا كما هو الحال مع قوات سوريا الديمقراطية، ستنهار جميعها امام ضربات الجيش السوري المدعوم روسيا. لكن على الاسد ان ينتهز الفرصة، التي قد لا تأتي الا مرة واحدة، ان يسهل عمل الطرف الذي ينوي مساعدته، ويبدو ان ملف حقوق الانسان والقصف العشوائي واستخدام اسلحة الدمار الشامل، حجة قوية عليه لدى اعدائه وامر خطير لدى العالم الغربي،والرأي العام الامريكي المتعاطف مع الشعب السوري.

وفيما يخص فلسطين، او كما يشدد البعض على تسميتها "قضية العرب المركزية"، فلا يبدو ان هناك تغيير في الموقف الامريكي، حتى مع قدوم الرئيس ترامب الى سدة الحكم. فهناك ثوابت قد تطيح باي كان ان حاول تجاوزها، وإسرائيل كذلك بالنسبة لواشنطن. فبالاضافة إلى تبنيه حل الدولتين، وهذا شائع بين السياسيين الامريكيين، الا انه تفرد بالوعد بنقل سفارة بلاده من تل ابيب إلى القدس، وقد طالبه بعض الوزراء اليهود بالوفاء بوعوده فور فوزه.

* باحث في قسم الدراسات الدولية/مركز الدراسات الاستراتيجية/جامعة كربلاء

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1