حتى وقت اعلان حل البرلمان اليمني، فإن الحوثيين او حركة "أنصار الله" مازالوا قادرين على ادارة الصراع السياسي بصورة فاعلة وذكية من دون جر "دول الجوار"، القلقة من تطور الأوضاع لصالح الحوثيين، الى الصدام المباشر، او "المجتمع الدولي"، وبالأخص الولايات المتحدة الامريكية التي تعول كثيرا على نجاحاتها الجوية باستهداف قيادات فرع تنظيم القاعدة الانشط في اليمن، والتي كان اخرها قتل القيادي "حارث النظاري" المعروف بمحمد المرشدي المفتي البارز لفرع القاعدة في اليمن، وصاحب نفوذ كبير بين صفوف التنظيم، خلال غارة لطائرة أميركية من دون طيار على محافظة شبوة بجنوب اليمن، وخاض الحوثيون، من اجل تحقيق مكاسب عسكرية وسياسية داخل اليمن، حروب دامية ليست مع النظام اليمني السابق فحسب، بل ضد السعودية وتنظيم القاعدة وبعض القبائل اليمنية المنافسة، الا انه خرج من جميع هذه الحروب بقوة عسكرية ونفوذ سياسي اكبر، بالرغم من خسارته (خلال تلك الحروب) للعديد من قادته الميدانيين وزعمائه الروحيين.

ويبدو ان قراءة الحوثيين للمشهد السياسي في اليمن كانت تعتمد على عدة عوامل (زمانية ومكانية) سبقت اعلان الحركة حل البرلمان (بعد انتهاء مهلة التوافق السياسي بين الكتل والكيانات السياسية المجتمعة) وإصدار "اعلان دستوري" لخص الخارطة الدستورية لليمن (في ظل حكم الحوثيين) للعامين القادمين، ومن أبرز هذه العوامل:

1. ان الوضع السياسي في اليمن ومنذ اندلاع احتجاجات عام 2011، كان يعتمد على المبادرات الخارجية، وبالأخص التدخلات الخليجية، فانسحاب الرئيس السابق "علي عبد الله صالح" وحكم البديل "عبدربه منصور هادي"، وحتى المخرجات او الاتفاقات السياسية السابقة جاء بمبادرة خليجية، كما ان قرار مجلس الامن القاضي بفرض عقوبات بحق قيادات الحوثيين، إضافة الى الرئيس السابق "صالح"، جاء بضغوط إقليمية، وبالتالي فان التحرك من طرف الحوثيين في هذه الفترة، يسمح لهم بأخذ زمام المبادرة والدخول كرقم صعب ضمن قائمة الأطراف الفاعلة في المشهد اليمني.

2. معرفة ان الولايات المتحدة الامريكية لا ترغب (في الوقت الذي تحقق فيه نجاحات ضد تنظيم القاعدة في اليمن) بالفوضى كبديل عن الاستقرار السياسي والأمني في اليمن راهنا، وسيطرة الحوثيين على مقاليد السلطة (من خلال السيطرة على مؤسسات الدولة في العاصمة صنعاء) في 21/ سبتمبر الماضي، جعل الولايات المتحدة الامريكية تتعامل مع واقع الحال في بلد مقسم الى اكثر من جهة وفصيل وتحكمه الولاءات القبلية بصورة كبيرة، وفي بيان مقتضب أشارت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية "ماري هارف" إن الوزارة "تدين إقدام الحوثيين الذين يهيمنون على اليمن على حل البرلمان"، الا انها اكدت "إن الولايات المتحدة تواصل العمل مع قوات مكافحة الإرهاب في اليمن"، وهنا مربط الفرس بالنسبة لها.

3. التحالفات التي أقامها الحوثيون مع أطراف سياسية تملك نفوذا واسعا داخل المؤسسات الرسمية للدولة، وبالأخص العسكرية منها، ربما تكون عاملا مهما في التمهيد للسيطرة على العاصمة وحل البرلمان وإصدار الإعلان الدستوري الأخير من دون ان تكون هناك ردود أفعال من المؤسسات او الجهات النافذة في اليمن.

4. قد يرى الحوثيون ان المناخ الإقليمي مناسبا للقيام بخطوات سياسية أكثر جراءة وتحدي، فالسعودية (التي ما زالت تعيد ترتيب اوراقها وأولوياتها بفقدان ملكها وقدوم ملك جديد) ومصر (الحائرة بين محاربة الإرهاب وملاحقة الاخوان وانقاذ اقتصادها من الانهيار)، ابعد من الدخول بمواجهة مباشرة في اليمن مع الحوثيين، خصوصا مصر التي حذرت من تجاوز الحوثيين للخطوط الحمراء لـ"باب المندب" الممر الاستراتيجي لاقتصاد مصر والتجارة العالمية.

5. المشهد السياسي المنقسم على نفسه بين الكتل والمكونات داخل اليمن، بين الجنوب والشمال، الأقاليم في اليمن، النظام السابق، مما يتيح المجال واسعا لدخول حركة سياسية قوية لفض الاشتباك وتوحيد الجهود، وهو الشعار الذي رفعته الحركة من خلال اللجان الثورية التابعة لها، بعد إعطاء مهلة أخيرة للاتفاق (وهي تعلم ان الاتفاق السياسي بعيد عن التحقق)، ومن ثم باشرت بالعمل على تغيير الخارطة السياسية في اليمن بنفسها.

طبعا هناك الكثير من العراقيل والاحتجاجات وربما المزيد من العقوبات الدولية التي ستوجه مباشرة لضرب الحوثيين ونفوذهم السياسي المتنامي في اليمن، بفعل ضغوط سياسية ستمارسها دول عربية (أبرزها دولة السعودية ودول الخليج ومصر) تنظر بعين الريبة الى هذا التوسع، وترى فيه المزيد من القوة والهيمنة التي قد تصب في مصلحة إيران (لأنهم يعتبرون أن الحوثيين مدعومين من قبل إيران) عند باب المندب الممر المائي الاستراتيجي (خصوصا مع توارد الاخبار بتقدم الحوثيون نحو السيطرة على مناطق باب المندب، لكن اغلب الظن، ان حركة "انصار الله" واللجان الثورية التابعة للحوثيين والأحزاب السياسية المتألفة معها ماضية في إعادة الخارطة السياسية لليمن، وان جميع العقوبات والضغوطات السياسية والاقتصادية ستكون محدودة النتائج على التحولات السياسية الجديدة، وملامح تحول الحوثيين الى جزء من القوى السياسية المهمة في اليمن (ربما على غرار حزب الله في لبنان مع الفارق) ماضية في التشكل، ومن يدري ربما يفعلها الحوثيون هذه المرة وينجحوا في الدخول الى معترك السياسية بدلا من البقاء بلباس المعارض او المتمرد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0