لا شك ان عصرنا يفضل الصورة على الشيء، النسخة على الأصل، التمثيل على الواقع، المظهر على الوجود...لودفيغ فيورباخ / مقدمة الطبعة الثانية من كتاب (جوهر المسيحية)..

ليس من المستغرب ان يفوز دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الامريكية، بل المستغرب ان لا يفوز وتتفوق عليه منافسته هيلاري كلينتون..

لعدم الاستغراب اسبابه الموجودة في الثقافة الامريكية، والاوربية الى حد كبير.. اقوى الاشارات المبكرة اوربيا على فوز ترامب هي التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي..

كانت هناك جملة من الاسباب التي ادت الى التصويت البريطاني على الخروج قبل اشهر قليلة، والتي تشبه الى حد كبير ما موجود في المجتمع الأمريكي والتي تختصر ما قاد الى فوز ترامب في امريكا، منها:

1 - الانتماء الثقافي والاجتماعي: في خلال الأشهر الاربعة التي سبقت الاستفتاء كان واضحا لكل مراقب صعود التيار القومي البريطاني على خلفية اسباب عدة، هذا التيار الذي تصدر حملة الخروج قدم مقاربة الخصوصية والهوية والاستقلال السياسي والاقتصادي في مقابل مقاربة التنوع والاندماج والتكامل الاممي التي طرحها الاتحاد الاوروبي ومؤيدو البقاء.

يقابل ذلك عظمة أمريكا وعودة الحلم الأمريكي وتفوق الرجل الأبيض والحد من الهجرة، حيث نادت حملة ترامب بإعادة الروح إلى القومية الأمريكية وبناء أمريكا جديدة. كما رأت الفورين بوليسي..

2- التحديات الاقتصادية والازمة العالمية: خلال العقد المنصرم عاشت الاقتصادات الكبرى أزمة مالية واقتصادية ثقيلة وما زالت تبعاتها تؤثر حتى الان، طريقة تعامل المؤسسات الكبرى وراسموا السياسات المالية حول العالم شابها الكثير من عدم الكفاءة.

لذلك قرر الناخب البريطاني معاقبة كل طبقة السياسيين والمصرفيين الفاشلين على عقد كامل من الخيبة! كما يقول نيك روبنسون مراسل البي بي سي.

ويُمكن ملاحظة ما قام به ترامب في الايام التي سبقت فوزه ورحلاته المتنقلة بين اوهايو وفلوريدا ونيوهامشير ونورث كارولينا، حيث عمد إلى الضرب على الوتر الحساس الذي يهم الناخبين في تلك الولايات، يتحدث عن الرعاية الصحية (اوباما كير) في نورث كارولينا وانتقادات بيل كلينتون لهذا النظام، ثم يخرج ورقة فقدان الوظائف واقفال المعامل والتداعيات السلبية لاتفاقية النافتا، في بنسلفانيا واوهايو وميتشيغن وفلوريدا، دون ان يسقط عن ذهنه المواضيع المتعلقة بالضرائب والمحكمة العليا وهزيمة داعش وبريد كلينتون.

المفكر الأميركي نعوم تشومسكي في رده على سؤال عن علاقة المشكلات - من انعدام مساواة وعنصرية وفجوات اجتماعية وصراعات هوية- التي تواجهها الولايات المتحدة بصعود ترامب، تحدث قائلا إن “هؤلاء الذين يؤيدون ترامب ليسوا من الفقراء؛ أغلبهم من الطبقة العاملة البيضاء، الذين عانوا التهميش خلال حقبة النيوليبرالية، ولنكن أكثر دقة؛ بداية من عصر رونالد ريغن”.

ويؤكد أنه “تم التخلي عن هذه الطبقة بكل بساطة. كل شريحة من المجتمع تم التخلي عنها، وصارت معلقة. هذه الشرائح تشعر الآن بالمرارة وتضمر أحقادا”.

3- الاستطلاعات المضللة: في وقت متأخر وقبل ساعات قليلة من فتح صناديق الاقتراع على البقاء او الخروج البريطاني، نشرت (YouGov) و(Ipsos) استطلاعان للراي اظهرا تقدما لحملة البقاء بواقع 52% مقابل 48% لانصار الخروج. وهو عكس ما حدث لاحقا.

مثل هذه الاستطلاعات تعطي انطباعا بالتساهل والتكاسل لانصار حملة البقاء لانهم توقعوا وفقا لهذه الاستطلاعات ان الامر محسوم تماما فلا داعي للخروج والتصويت، فهناك من يقوم بها.

ماذا عن الإحصائيات والاستطلاعات في الانتخابات الامريكية؟ ستانلي غريبيرغ أحد العاملين في مجال الإحصائيات لصالح الحزب الديمقراطي اعترف قائلاً: "كانت مجرد فوضى". مايك ميرفي المحلل الجمهوري اختصر المشهد كله على "أم أس أن بي سي" قائلاً: "الليلة ماتت الإحصائيات Tonight data died". بينما اختصرت منى شلبي في "الغارديان" البريطانية، المشهد معلنة: "علينا التوقف عن التعامل مع الإحصائيات كما نتعامل مع نشرة الأرصاد الجوية... هذه الأخيرة تعتمد على عناصر علمية مرتبطة بالطبيعة، أما الإحصائيات فمرتبطة بالطبيعة البشرية، وهذه متقلبة تتأثر بعوامل كثيرة وتتغير".

رغم ان فوز ترامب في الانتخابات لم يكن مستغربا اذا قرأنا بتمعن جميع المتغيرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في امريكا، الا ان الاعلام الامريكي لم يبذل جهدا في قراءة هذه المتغيرات، بل عمل على حشد جهوده لتشويه سمعته وتأليب الرأي العام ضده للحيلولة دون فوزه بالانتخابات.

أكثر من مئة مؤسسة إعلامية أميركية "عريقة" مثل "نيويورك تايمز"، و"هافنغتون بوست"، و"واشنطن بوست"، و"سي أن أن"ركزت على تحويل ترامب إلى مادة يومية للسخرية، ومثلها فعلت كلينتون في حملتها كاملة...

حيث التصقت به في وسائل الاعلام اوصاف مثل "المهرج البرتقالي"، "المتحرّش الفخور" و"الذكوري الوقح" .

التحريض اليومي الذي وصل حدّ الشتم والسخرية اللاذعة، حوّل دونالد ترامب إلى مستضعف. الخطاب الشعبوي الذي يتفاخر الإعلام التقليدي أنّه يتعالى عليه، وأنه حكر على مواقع التواصل الاجتماعي، نجح في حثّ الأميركيين على الالتفاف حول الرجل الذي يحاربه الجميع: من الإعلام إلى وول ستريت، وصولاً حتى المؤثّر الأميركي الأكبر أي هوليوود. الجميع في وجه الرجل ــ الرئيس. كل هذا التكتّل، كان يقابله كلام آخر على مواقع التواصل. مناصرو ترامب، يدافعون عنه هناك، يتحدثون عن واقعيّته، ويعيدوننا إلى هفوات وأخطاء و"جرائم" كلينتون الداخلية والخارجية. هذا الكلام الذي لم نقرأه أو نشاهده في أي مكان آخر. (ليال حداد / الليلة التي مات فيها الإعلام كما نعرفه).

وصف تشومكسي ترامب بأنه حصيلة مجتمع متداع وماضٍ بقوة نحو الانهيار. وهو كان قد تنبأ قبل نحو ست سنوات بسيناريو وصول شخصية مثل «دونالد ترامب»، إلى سدة الحكم في أمريكا، محذرا من أنه في حال حصول ذلك فإن أمريكا ستدمر ذاتها ذاتيا، وستشكل خطورة على العالم أكثر من تلك التي مثلتها ألمانيا، أيام حقبة النازية.

ونص ما قاله «تشومسكي» آنذاك: «إن الولايات المتحدة محظوظة للغاية لعدم ظهور شخصية كاريزمية بها. هذه الشخصية الكاريزمية هي مثل المحتال الذي يدمر نفسه ذاتيا، مثل مكارثي أو نيكسون. إذا جاء شخص ما يمتلك هذه الشخصية الكاريزمية فإن هذا البلد سيكون في ورطة حقيقية بسبب الإحباط، وخيبة الأمل، والغضب المبرر في أوساط مواطنيها، وغياب أي استجابة لكل ذلك».

وأضاف «تشومسكي»: «ماذا يمكن أن يفكر فيه الناس إذا جاء شخص وقال لهم: لقد حصلت على الجواب، لدينا عدو؟ لقد كان اليهود. اليوم سيكون المهاجرين غير الشرعيين والسود. سيقال لهم أن الذكور البيض أقلية مضطهدة. سيقال لهم يجب أن ندافع عن أنفسنا وشرف الأمة. وسيتم التعالي بالقوة العسكرية. وإذا حدث ذلك فإن أمريكا ستكون أكثر خطورة من ألمانيا أيام النازية. الولايات المتحدة هي أكبر قوة عالمية. وكانت ألمانيا قوية، ولكن كان لديها خصوم أكثر قوة. لا أعتقد أن كل هذا بعيدا جدا عن الحدوث».

وتوقع «تشومسكي» أن هذا الشخص صاحب الشخصية الكاريزمية سيظهر من بين الجمهوريين، «ليس كل الجمهوريين، لكن الجمهوريين اليمينيين، الجمهوريين المخبولين، والذين سيكتسحون الانتخابات المقبلة».

ولفت في حوار له مع احدى الصحف بعد فوز ترامب إلى أنه لم ير أمريكا على هذا النحو منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وقال: «الجو العام في البلد مخيف. مستوى الغضب والإحباط والكراهية من المؤسسات كبير، أمريكا ذاهبة إلى أوهام التدمير الذاتي».

المجتمع المتداعي والسائر نحو الانهيار الذي تحدث عنه تشومسكي، كان قد تحدث عنه سابقا الشاعر والكاتب والسينمائي الفرنسي جي ديبور في كتابه (مجتمع الاستعراض) والصادر في العام 1967 حيث كتب وقتها: (في المجتمعات التي تسود فيها شروط الإنتاج الحديثة، تقدم الحياة نفسها بكاملها على انها تراكم هائل من الاستعراضات، كل ما كان يعاش سابقا على نحو مباشر يتباعد متحولا الى تمثيل. ان المجتمع الذي يقوم على أساس الصناعة الحديثة ليس استعراضيا بالصدفة او على نحو سطحي، انه استعراضي النزعة أساسا.. ففي الاستعراض الذي هو صورة الاقتصاد السائد لا يعني الهدف شيئا والنمو هو كل شيء.. الاستعراض لا يستهدف شيئا سوى نفسه).

في مثل هذا المجتمع، وخصوصا الأمريكي، يقدم الاستعراض نفسه في آن واحد بوصفه المجتمع ذاته، وبوصفه جزءا من المجتمع، وبوصفه أداة توحيد. وبوصفه جزءا من المجتمع فانه بالتحديد هو القطاع الذي تتركز فيه كل نظرة وكل وعي.. ليس الاستعراض مجموعة من الصور، بل علاقة اجتماعية بين اشخاص تتوسط فيها الصور.

ففي العالم المقلوب واقعيا راسا على عقب، يكون ماهو حقيقي لحظة من لحظات ماهو زائف..

اختفاء الواقع يعزوه الفيلسوف الفرنسي جان بودريار في كتابه المصطنع والاصطناع الى حقيقة غياب العلاقة بين الدال والمدلول. وهذا ما يحصل من جراء مضاعفة فعالية الاعلام الذي يحول الحياة الاجتماعية والواقع الى صورة، فما يقدمه الاعلام ليس هو الواقع كما هو، ولا هو صورة عنه، بل هو صورة ولّدها الاعلام عن صورة أخرى هي بدورها مولدة منه. حين يحدث ذلك، نصبح امام عالم من الصور التي يتولد بعضها عن بعض، فتغيب الدلالة ويغيب المعنى، ولا يتبقى امامنا –ان كنا موجودين عندئذ – سوى دلالة الصورة ومعناها، او دلالة الرمز ومعناه. وعندما يكتفي الرمز بذاته ويكون هو مرجع نفسه، يصبح ما يدل عليه هذا الرمز من خارج الواقع وليس من الواقع، حينئذ يختفي الواقع ولا يتبقى سوى الاستعراض في كامل بهائه ورونقه.. الواقع هنا محجوب ومختفي.. (الاستعراض في الحياة الامريكية.. واقعية الوهم وتصنيع الحقائق / حسام نايل).

اختم بعبارة لجي ديبور والتي اراها تنطبق على الكثير من المجتمعات حيث يقول (الاستعراض هو كابوس المجتمع الحديث المكبل بالأغلال، الذي لا تعبر في النهاية سوى عن رغبته في النوم، الاستعراض هو حارس هذا النعاس).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0