ثمة جدل فكري وسياسي عميق يجري في أروقة مراكز الدراسات والأبحاث الاستراتيجية الغربية، مفاد هذا الجدل هل الغرب والدول الكبرى فيه تعادي وتخاصم الإسلام لأسباب ذاتية متعلقة بالإسلام أم هناك عوامل أخرى هي التي تؤسس للخصومة والعداء؟

وهذه العوامل ليست متعلقة بالهوية والعقيدة الإسلامية، وإنما هي متعلقة بالخيارات السياسية والثقافية التي تشرع حالة العداء المطلق للغرب وكل امتداداته العقدية والفكرية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية..

وتبعاً لهذا الجدل يتم الجدل والنقاش في الأمور التفصيلية المتعلقة بمذاهب الإسلام الكبرى..

هل الدول الغربية اليوم تعادي الطائفة السنية وامتداداتها ودولها لأسباب هوياتية وعقدية، أم هناك أسباب خارجة عن تلك الجوانب هي التي تعاديها الدول الغربية؟

وذات السؤال يطرحه الشيعة.. هل الدول الغربية تعادي وتخاصم الطائفة الشيعية وامتداداتها ومصالحها لاعتبارات ذاتية تتعلق بالهوية الشيعية والعقائد والأفكار الكبرى التي تؤمن بها الطائفة الشيعية؟

وكل طرف في العالم الإسلامي، يسوق الكثير من الأدلة والبراهين لإثبات صحة ما يذهب إليه من قناعات سياسية وفكرية.. وكل طرف يمتلك القدرة والمبررات لإثبات أن الدول الغربية تحمل عداء مطلقاً لمصالحها وأفكارها وامتداداتها..

هذا ما يقوله بعض أرباب الطوائف الإسلامية في العالم الإسلامي.. فبعض السنة يسوقون الكثير من البراهين والسياسات والأحداث التي تثبت لديهم أن الدول الغربية تعاديهم لكونهم سنة، لذلك فإن هذه الدول الغربية تعمل على إفشال وتعويق كل خطواتهم ومبادراتهم..

وبعض الشيعة يكررون ذات المقولات.. فهم يعتقدون أن بعض الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية ولأسباب ذاتية، هي تعادي النهوض الشيعي وتعمل على إجهاضه وتضعيفه.. وهؤلاء يسوقون الكثير من الأدلة والبراهين لإثبات صحة ما يذهبون إليه..

وعلى ضوء هذه النقاشات والأفكار، التي تحول بعضها إلى برامج تلفزيونية لتأكيد هذه المقولات وإثباتها سياسياً وعقدياً واجتماعياً، وحتى لا نقع في حالة تزييف الوعي الإسلامي، نحن بحاجة لأن نقف أمام هذه القناعات ومحاولات تسويقها في الإعلام والسياسة.. ونود في هذا السياق الالتفات إلى الأفكار التالية:

إن الغرب بكل دوله ومؤسساته ومنظماته وأفكاره وسياساته، لا يعادي أحداً لعوامل ذاتية متعلقة بكيانه أو خصوصياته.. فالغرب يعادي بعض الخيارات السنية، ولكن لا يعاديها لكون القائمين على هذا الخيار من أهل السنة.. كما أن الغرب يعادي بعض السياسات الشيعية ولكن لا يعاديها لكونها سياسات شيعية.. وإنما يعاديها لاعتبارات أخرى لا ترتبط بشيعية الخيار السياسي أو سنيته.

ومن الضروري في هذا السياق أن ندعو إلى أهمية العمل على عدم تطييف الصراعات السياسية والاقتصادية القائمة اليوم في المنطقة والعالم..

فلا توجد في عالم السياسة والواقع، خصومات وعداوات ذاتية.. وإنما ما يوجد هو صراعات وعداوات تتعلق بالخيارات السياسية والاقتصادية.. والغرب سيخاصم هذه الخيارات بصرف النظر عن الحامل البشري لهذه الخيارات..

آن الأوان بالنسبة لنا في العالم العربي، أن ندرك هذه الحقيقة.. فالعالم لا تحركه الهويات الذاتية المتعلقة بالمذاهب والطوائف، وإنما تحركه المصالح والخيارات المتبعة في السياسة والاقتصاد.. فالغرب لا يعاديك بوصفك سنياً أو شيعياً، وإنما يعاديك حينما تتبنى خيارات تقف بالضد من مصالحه الراهنة أو المستقبلية.. لذلك نجد أن الغرب يتعامل بدون حمولات سلبية قاهرة مع كل الطوائف والمذاهب.

فالغرب حلفاء تاريخيون لأغلب الدول العربية والتي هي بالمقاييس الدينية تنتمي إلى الطائفة السنية.. كما أن الغرب أسقط نظام القذافي وتم تسليم البلاد إلى شخصيات وزعامات سنية.. ومن قبله تحركت كل الدول الغربية وساهمت مع المجاهدين في أفغانستان لإنهاء الاحتلال السوفياتي في أفغانستان.. ومحاربتهم بعد ذلك إلى طالبان يعود إلى خياراتها السياسية المتعلقة بدعمها لتنظيم القاعدة..

وفي مقابل هذه الحقيقة عداء الغرب لإيران لا يتعلق لكون إيران دولة شيعية، وإنما يتعلق ببعض خياراتها السياسية والاستراتيجية..

ولولا الدعم الغربي الصريح لما تمكن الشيعة في العراق من إسقاط نظام صدام حسين..

وكل هذه الأمثلة وغيرها تثبت أنه في السياسة الدولية لا توجد عداوات سياسية تتعلق بكونك سنياً أو شيعياً.. وإنما هذه العداوات تتعلق بالخيارات السياسية والاستراتيجية المتبعة..

آن الأوان أن ندرك هذه الحقيقة، حتى لا يستمر البعض في تزييف الوعي العربي، ويزيد من الاحتقانات الطائفية التي لا يربح أحد منها إلا أعداء الأمة..

فالسنة لا يربحون من زيادة وتيرة الاحتقان الطائفي.. كما أن الشيعة لا يربحون أي شيء من استمرار الصراعات الطائفية.. لا يربح من هذه الصراعات إلا أعداء الأمة.. لأن هذه الصراعات والاحتقانات تزيدان من ضعف الجميع وتعثرهم وضياع بوصلتهم، ولا ينتفع من هذا الضعف والتعثر إلا الدول الغربية الكبرى، التي تنهب ثروات الجميع وتتحكم في مصائر الجميع.. وإننا جميعاً كمسلمين نزداد ضعفاً وتآكلاً من الداخل، حينما تستمر كل الصراعات الطائفية في الأمة..

لهذا كله نود القول:

ضرورة التوقف عن تطييف الأحداث السياسية والاستراتيجية، لأن هذا التطييف، يساهم في تزييف الوعي العربي والإسلامي، ويساهم في إدامة الاختلافات بين المسلمين بما يضر بمصالح الجميع..

إن الأمن القومي للعرب والمسلمين، يتطلب الإسراع في إيجاد معالجات فعلية لكل التوترات ذات الطابع الطائفي، والعمل على إيجاد حلول واقعية وعادلة لكل الأزمات التي توتر الجميع..

إن بناء علاقة حضارية مع الغرب يتطلب من المسلمين الالتفات إلى عناصر قوتهم الاستراتيجية والعمل لإبراز هذه العناصر بعيداً عن كل نزعات الغلواء الأيدلوجية والطائفية..

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0